عامل يرتدي كمامة يدفع عربة محملة بالخبز في محل بيع مواد غذائية ببغداد
عامل يرتدي كمامة يدفع عربة محملة بالخبز في محل بيع مواد غذائية ببغداد

يعتمد 90 في المئة من الاقتصاد العراقي على النفط.

وبنى العراق مشروع موازنته لعام 2020، والتي تعد من أكبر الموازنات في تاريخه، على أساس سعر 56 دولار لبرميل النفط الواحد.

لكن انخفاض أسعار النفط الخام إلى نحو 26 دولار للبرميل، يضع العراق على حافة كارثة مالية قد تدفعه إلى تدابير تقشفية شديدة، خصوصا مع تحديات مواجهة وباء مرض كورونا في العراق الذي يعاني أساسا من بنية تحتية طبية متهالكة، يقابلها ضعف دولي في مساعدة العراق على مواجهة الوباء.

موقف معقد اقتصاديا وصحيا ينتظر رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي.

تفاؤل غريب

ورغم تعقيد الموقف، إلا أن المسؤولين متفائلون بشكل غريب، وهو ما يصفه خبراء اقتصاديون بأنه محاولة إنكار وجود كارثة متوقعة.

فمع انخفاض الأسعار، سينخفض صافي دخل العراق بنسبة 65 في المئة خلال عام 2020، مقارنة بالعام الماضي، مسبباً عجزاً شهرياً قدره 4 مليارات دولار مخصصة فقط لدفع الرواتب والحفاظ على استمرارية عمل الحكومة.

يقول محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق لوكالة الصحافة الفرنسية إن "هناك بعض القلق، لكنه ليس شديداً"، مضيفا في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، "أعتقد أن أسعار النفط بهذا المستوى لن تدوم طويلاً. لا نتوقع ارتفاعات كبيرة، لكن بالمستوى الذي يؤمن الحجم المطلوب".

ويعلق الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري على تصريح العلاق بقوله "المحافظ يعتمد خلال فترة انخفاض أسعار النفط على الخزين النقدي الموجود في البنك المركزي، يحرره ويبعه من أجل تسديد النفقات"، مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك) " لكن ماذا لو لم يرتفع سعر النفط قبل نفاذ الخزين النقدي، الذي لا يغطي أكثر من عام وأربعة أشهر فقط؟".

ميزانية متضخمة

يستمر المسؤولون العراقيون بمراجعة مسودة ميزانية 2020 عن كثب، وهي واحدة من أكبر ميزانيات العراق على الإطلاق بحوالي 164 تريليون دينار عراقي (حوالي 137 مليار دولار)، وفقا للعلاق.

تم تخصيص أكثر من 75 في المئة من هذه الموازنة للرواتب وتكاليف أخرى، مع إنفاق الباقي على الاستثمارات الرأسمالية.

يوضح العلاق أنه "بناء على مؤشراتنا الأولية، سنتمكن من تغطية الديون الخارجية والرواتب"، يتم تقليص الإعانات والخدمات التي "تنقصها الكفاءة الاقتصادية".

ويلفت العلاق إلى أن الخيارات الأخرى تشمل استعادة "تريليونات" من الدينار العراقي من الحسابات في المصارف المملوكة للدولة، حيث قامت الوزارات بتخزين سندات من فائض الأموال، وكذلك إصدار سندات للناس وإعادة جدولة مدفوعات الديون الداخلية.

في هذه الأثناء يجري العراق محادثات جديدة مع صندوق النقد الدولي، لكنها لا يمكن أن تثمر عن نتائج إيجابية في ظل عدم إقرار مشروع الموازنة وعدم تشكيل حكومة جديدة.

خلية أزمة اقتصادية

ووفقا لاقتصاديين، فإن العراق يحتاج إلى مبالغ ضخمة لسد نفقاته، وهذه المبالغ لا تأتي إلا من خلال النفط، وفي ظل توقف الزراعة والصناعة تحتاج البلاد إلى خطوات سريعة تتخذها الدولة.

وشهدت أسعار النفط انخفاضا كبيرا بسبب انتشار وباء كورونا، ما أدى إلى توقف الحياة الاقتصادية على مستوى العالم، إضافة إلى ان السعودية بدأت تنتج 12.3 مليون برميل يوميا فيما كانت تنتج ما بين 6-8 مليون برميل وهذه كمية هائلة.

يقول الشمري "هذه الكارثة الكبيرة التي نمر بها مقترنة بأزمة فيروس كورونا، وإذا ما تم علاج الفيروس خلال الأشهر الثلاثة القادمة ممكن أن يحقق العراق موارد بنسبة 50 في المئة".

ويتابع "طلبنا تشكيل خلية أزمة للاقتصاد العراق على غرار خلية أزمة مرض كورونا، لأن الكارثة التي تنتظر العراق ليست أقل خطرا من كورونا".

وتتكون الخلية المقترحة وفقا للخبير الاقتصادي من قسمين، الأول خبراء ومختصين بالاقتصاد، والآخر من المسؤولين الحكوميين، مهمتها متابعة تطورات الأزمة الاقتصادية واقتراح الحلول.

ويتساءل الشمري، "هل ستأخذ الحكومة العراقية عبرة من هذه الأزمة التي وقفز إجمالي الرواتب في العراق من 36 مليار دولار في العام 2019 إلى 47 مليار دولار العام الحالي، بعد تعيين 500 ألف موظف جديد لاسترضاء الشارع المنتفض منذ أشهر.

وتوظف الحكومة نحو أربعة ملايين عراقي، وتدفع رواتب ثلاثة ملايين منهم، والرعاية الاجتماعية لمليون موظف.

مرّت بها؟ هذا هو الأهم".

دور الزرفي

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري، أن الكرة في ملعب رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي لتجاوز الأزمة المزدوجة (النفط وكورونا).

ورغم حجم الكارثة لكن الحلول ممكنة.

يقول الشمري "هناك حلول ممكن أن تقوم بها الحكومة العراقية، تمكن العراق من مواجهة أزمة انخفاض أسعار النفط حتى ثلاث سنوات قادمة"، موضحا أبرز تلك الحلول بقوله "تشغيل القطاع الصناعي بشكل سريع، عن طريق الكتلة النقدية الموجودة في مصرفي الرافدين والرشيد، فالكتلة النقدية في هذين المصرين نحو 28 مليار دولار".

ويشدد الاقتصادي على ضرورة التزام الحكومة بآراء المختصين في الاقتصاد ومحاولة تنفيذها".

ويتابع "نحن مستعدون لدعم الدولة لكننا ننتظر من الدولة ان تستمع لنا".

مواضيع ذات صلة:

المرأة

معزولة عن زوجها وطفليها.. عراقية مصابة بكورونا: أحارب لأتنفس!

رحمة حجة
31 مارس 2020

قبل السابع والعشرين من مارس الماضي، كان التلامس بين (هـ. جـ) وطفليها أمراً مسلماً به، لها ولهما، لكن بعد ثبوت إصابتها بكوفيد-19، كل شيء تغيّر.

تقول الشابة العراقية المقيمة في فرنسا "كيف أقنع طفليّ بالابتعاد عنّي كلمّا هرعا لحضني؟".

"الأمر قاسٍ جداً ومدمر نفسياً.. لا أستطيع الاستجابة لأيّ مما يطلبه ابني البالغ عامين وابنتي ذات الأربعة أعوام، فأمنعهما من الاقتراب منّي أو النوم بجانبي أو احتضاني" تضيف (هـ.جـ).

وتم التحفّظ على اسمها بناءً على رغبتها.

وتعزل (هـ.جـ) البالغة من العُمر 34 عاماً نفسها في غرفة نومها داخل البيت، فيما ينام زوجها (35 عاماً) في غرفة المعيشة منذ أواخر مارس، إلا أنها ارتدت القناع بتاريخ 19 من الشهر نفسه.

وعبر تطبيق "واتساب" تروي (هـ.جـ) تجربتها لـ"ارفع صوتك" برسائل نصيّة، مكتفيةً برسالتين صوتيتين قصيرتين، تقول "الحديث يهيّج نوبات السّعال".

الأعراض الأولى..

بعد عودتها من الأردن بـ12 يوماً، عابرة ثلاثة مطارات في العاصمة عمّان، والعاصمة الرومانية بوخاريست انتهاءً بالفرنسية باريس، كان أوّل أعراض كوفيد-19. 

تقول (هـ.جـ): "خلال رحلتي من عمّان إلى باريس، أخذت كامل احتياطاتي لي ولطفلي بالتعقيم ووضع الكمامات، وبعدها بقيت في البيت حيث أصيب ابني بالجدري، ولم تمض أيام حتى أعلن الحجر الصحي وحظر التجوّل وأغلقت المدارس، لكن في 19 آذار  انتابني سعال عادي، إلا أنه تطوّر خلال ثلاث ساعات فقط بشكل قوي جداً، فاتصلت على الطوارئ إلا أنهم وجّهوني لاستشارة طبيبي".

الطبيب قال لها إن هذا السعال لا يعني بالضرورة إصابتها بفيروس كورونا، خصوصاً أن درجة حرارتها لم تسجل ارتفاعاً ملحوظاً، ووصف لها بعض الأدوية للتخفيف عنها.

وبعد مرور أربعة أيام "ساءت حالتها الصحيّة، وكانت تهاتف الطبيب كل مرة تظهر عليها أعراض جديدة، حتى طلب منها الذهاب للعيادة، لتكتشف إصابتها بكوفيد-19 يوم 27 آذار"، حسبما توضح (هـ.جـ).

وحسب الطبيب لا تحتاج المكوث في المستشفى، إلا إذا شعرت بعدم القدرة على التنفس. وأعطاها الأدوية اللازمة، مؤكداً أهمية عزلها لنفسها في غرفة خاصة، وهو ما قامت به فعلاً.

كما وفرّ لها الطبيب كمّامات لترتديها هي وزوجها، كي لا يُصاب هو الآخر بالعدوى. 

تقول (هـ.جـ) إن زوجها يتولّى مسؤولية العناية الكاملة بها من حيث فحص درجة حراراتها بين وقت وآخر، مضيفةً "بعد مغادرة الغرفة يذهب فوراً لغسل يديه وتعقيمهما، وأشعر بقلقه الكبير عليّ رغم أنه لا يظهر ذلك لأجلي ومن أجل طفليّ".

وتتابع "كلمّا أصابتني نوبة سعال قوية أثناء الليل يفزّ من نومه جرياً نحو الغرفة يفتح الباب ويطمئن عليّ".

هل تشتاقين للقرب منه؟ لاحتضانه؟ تقول (هـ.جـ) "بالتأكيد أشتاق إليه، المريض أساساً بحاجة للحب والحنان".

تسترسل "أنا بطبيعتي لا أظهر مشاعري، أوصف دائماً بأنني عقلانية لا تجرفني مشاعري، إلا أن هذه الأزمة وكل ما يمر بي والسيناريوهات التي تتشكل في ذهني، جعلتني أريد التعبير عن مشاعري، لمن يقول لي توقفي عن التفكير.. نامي.. وأزمة ستمر ستصبح ذكرى.. وهذا ما يقدمه لي زوجي بجدارة".

يتوسلّان القرب.. لا جدوى!

تقول (هـ.جـ): "معاناتي يومية مع طفليّ، حيث يقفان على باب الغرفة ويتوسّلان إليّ لأدخلهما".

إلا أنها اضطرّت مرة للخروج من الغرفة، مرتدية كمّامتها، وعقمت يديها، لتطبخ لابنها الصغير الذي رفض ما قدّمه والده من طعام، يريد "أرزّاً ودجاجاً" وفق قولها.

وإذ تخرج (هـ.جـ) من حجرها الصحيّ للحمّام فقط، حدث أن ركض طفلها نحوها يريد أن تحمله، تقول "أجهش بالبكاء لأنني رفضت، وأخبرته أنني مريضة، قال (ليش ليييييش) ثم ملأ الحزن وجهه، وعاد للبكاء".

أمّا الطفلة، فلم تجد صعوبة في إقناعها كونها أكبر سناّ من أخيها، تقول (هـ.جـ) "أفهمتها  أنني مريضة، وبأنني لا أقترب منها حتى لا تصبح مريضة مثلي، وتعرف أنه بسبب الفيروس رغم عدم إدراكها للمعنى، وحين توقفت عن الذهاب للمدرسة سألتنا السبب فأخبرناها عن انتشار فيروس الكورونا".

وفي نفس الوقت حاولت ابنتها أكثر من مرة فتح باب الغرفة قائلة "قومي غيري ملابسك.. اذهبي للطبيب حتى تبطلين مريضة"، حسبما تروي (هـ.جـ).

وتضيف "أفكر دائماً ماذا لو فتك بي المرض وكانت آخر ذكرى لهما بي أنني بعيدة عنهما أو رفضت فتح بابي لهما؟!"

سجلت فرنسا 44550 إصابة بفيروس كورونا المستجد و3024 حالة وفاة (منظمة الصحة العالمية)

وعلى الرغم من تأكيد الطبيب بأن العدوى لو أصابت طفليها لن تشكل خطراً على حياتهما، إلا أن (هـ.جـ) قلقة جداً عليهما ولا تريد أن يصيبهما المرض.

وتتابع  (هـ.ج) حديثها لـ"ارفع صوتك" بالقول "بعض أفراد عائلتي ممّن يعلمون بإصابتي بكوفيد-19 يحثونني على عدم القلق والخوف لأنه يضعف المناعة، لكنه ليس بالأمر السهل، فكيف لي ذلك وأنا مصابة بفيروس يخيف العالم أجمع ويهدد حياة ملايين البشر؟!".

"في كل سعلة أشعر أن روحي تطلع.. حرفياً أحارب لآخذ نفساً واحداً، وفوق ذلك خوف على نفسي وعائلتي، إنه وضع مرهق نفسياً ويستنزف طاقتي"، تختم الأم (هـ.جـ) حديثها.

رحمة حجة