صورة أرشيفية/ ا ف ب

 إذا كانت الصورة الذهنية لحظر التجوّل بالنسبة للعراقيين، تستحضر مسلّحاً أو سيارة أو رجل أمن، فإن فيروس كورونا المستجد، بلا وجه، حيث كل شخص تقابله خارج حدود الوقاية الخاصة بك يُعتبر ناقل عدوى محتملاً.

وفي ظل إجراءات وقائية وحظر تجوّل غير مشدد، باعتراف مسؤولين عراقيين، سجلت البلاد ارتفاعاً في عدد الإصابات بفيروس كورونا، اليوم الجمعة، لتصل إلى 193 وحالات الوفاة 14 فيما تشافى 80 من الإصابة، حسب بيان وزارة الصحة.

"ارفع صوتك" تواصل مع عراقيين وعراقيات، في البلاد ودول المهجر، يسألهم/ن عن أبرز ذكرياتهم مع حظر التجوّل، خصوصاً أن للبلاد ذاكرة مُتخمة به، حتى أن أحد المغردّين في تويتر واسمه وميض، "سنكون أول من يصدر كتاب Guidelines للعالم للتعامل مع حظر التجوّل".

كريم محمد (الموصل): راشي ورقاق

يقول كريم (29 عاماً) إنه عاش ظروف حظر التجوال قبل أربع سنوات (نوفمبر 2016) حين كانت العمليات العسكرية لتحرير الموصل على أطراف المدينة من جهاتها الأربعة.

يروي لـ"ارفع صوتك": "أقطن الساحل الأيسر من الموصل، ووقت الحظر التزم جميع المواطنين منازلهم، وأصبحت الشوارع شبه خالية بسبب قرب العمليات العسكرية وانتشار عناصر داعش مدججين بالأسلحة والمتفجرات في شوارع المدينة. كانت العمليات العسكرية بعيدة جداً عن منطقتنا بحكم المسافة الطويلة لقلب الساحل الأيسر".

يتابع "استمر الهدوء في المنطقة إلى أن وصلت القوات العراقية أواخر شهر يناير 2017 واستمر الحظر قرابة شهرين ونصف. وكانت المدينة طيلة فترة سيطرة تنظيم داعش تعتمد على مياه الآبار فقط، لكن بعد حظر التجوال أصبح التوقف عن جلب المياه ضرورة، لأن شخصاً قد يفقد حياته أثناء ذلك بسبب القصف العشوائي بقنابل الهاون".

بالتالي، اعتمد سكان الجانب الأيسر على ما خزنوه لديهم من مياه وغذاء، يقول كريم "اقتصدنا في الاستهلاك من أجل الاستدامة، وكان طعامنا أغلب الوقت الراشي (طحينية) وخبز رقاق (الصاج)" مشيراً إلى انقطاع الكهرباء أيضاً.

وبعين الأمس، يرى كريم اليوم مدينته "شبه خالية بسبب الحذر من انتقال عدوى فيروس كورونا".

يقول كريم "حظر التجول هذا أسهل بكثير مما ذكرته، فهناك فرق بين حجر منزلي داخل غرفة واحدة دون كهرباء وهواتف وإنترنت وماء وطعام بالإضافة للخوف، وبين آخر يتوفر فيه كل ذلك" مشيراً إلى أن نسبة الالتزام بالحظر في الموصل 70%.

يختم حديثه بالقول "في حظر التجوّل زمن داعش كان عدوّنا معلوماً، واليوم في زمن الكورونا، العدوّ مجهول".

رقيّة حسين​ (بغداد): الموت ببطء

رقية ذات الـ18 عاماً، عاشت حظر التجوال من قبل سنة 2014 و2015، وكان السبب زيادة التفجيرات الإرهابية قرب منطقتها، خصوصاً في ساحة عدن، وبرأيها "تتحمل جهة مجهولة ذلك، في محاولة لإعادة الطائفية".

تقول  رقية التي تسكن حي الكاظمية في بغداد "كان عمري 12 عاماً حينها، أهلي كانوا يخافون علي جداً، ولم أذهب للمدرسة في أيام عديدة، حيث لا نشعر بالأمان".

"لا أتذكر إن كان الحظر رسمياً بقرار الدولة أو فقط نحن امتنعنا بدافع شخصي لغياب الأمان، لكن في أحد الأيام، وقت الغروب، حدثت انفجارات وكان والدي خائفاً علينا جميعاً، لم يسمح لإخوتي بالخروج، ورأيت أمي وأختي تبكيان... ذكريات سيئة أتمنى ألا تتكرر". 

ورقية ملتزمة بحظر التجوال اليوم، تقول لـ"ارفع صوتك": "حين نمرض نتعالج وندعو الله للشفاء، لكن حين نُظلَم نُقتَل من دون ذنب أو نرى أحبابنا يُقتلون سنشعر بالألم النفسي والخطر علينا، خصوصاً حين تسمع صوت انفجار أو ترى جنازة باب البيت لأحد جيرانك، وهو ما شهدته، فنموت نحن الأحياء ببطء".

راواز هالكوت (السليمانية): ذل وخوف

غادر راواز (42 عاماً) العراق منذ عام 1998، ويعيش الآن في هولندا مع زوجته وطفليه (4 و6) أعوام، يذكرّه حظر التجوال اليوم بمرات عديدة عاشها تحته، ولكن في مسقط رأسه.

يقول لـ"ارفع صوتك": "ثمانینيات القرن الماضي تعنی لي أیاماً سوداء وتركت في نفسي حزناً عميقاً بكل ما تعنيه الكلمة. نشأت في عائلة کردیة معارضة لنظام صدام حسين وحزب البعث، وأثناء منع التجول في السليمانية، كانت قوات الأمن التابعة للنظام تبحث عن المعارضین لها، لذا ارتبط هذا الأمر في ذاكرتي بالاعتقالات، والإهانة والذل والخوف وهدم البيوت".

يتابع "كان نصف عائلتي هارباً خارج العراق أو يتمركز في الجبال مع غيرهم من المعارضين للنظام، وقلّة بقيت في السلیمانیة تعمل ضمن تعمل مع تنظیمات سریة. لذلك کنتُ دائم الخوف من حظر التجول".

ويتذكر راواز حادثتين من تلك الفترة "الأولى عندما کان خالي مختبئاً ونجی بأعجوبة من قوات النظام، كنت مذعوراً جداً إذ بمجرد القبض عليه كان سيُقتَل، والثانیة التی ما زالت تؤلمنی کثیراً هدم بیت جارنا، حيث كان يؤوي هاربین من الخدمة العسکریة، كان من الصعب حينها رؤية أصدقائي وقد أصبحوا بلا مأوى".

وفي مرحلة لاحقة، بعد غزو الكويت 1990 "عانى العراقيون من انقطاع الکهرباء ونقص المواد الأساسية، حينها كان عمري 13 سنة، وأغلقت المدارس والجمیع یعیش حالة رعب شدید" يصف راواز.

وعن الفرق بين الأمس واليوم، يقول راواز "حين أقارن بین الحجر الصحي الآن ومنع التجوال الأمني ینتابني شعوران متناقضان، الأول حزن شدید علی الأیام الصعبة التي عشتها مع عائلتي وما تبعها من فقد الأحبّة، والثاني فرح واطمئنان وأمان، لأنني أعيش في ظل حكومة ستفعل المستحيل من أجلي".

وعلى الرغم من قساوة التجربة التي عاشها طفلاً، تعلّم منها راواز أن يصبح "أقوی فی مجابهة الصعوبات" مضيفاً "كنّا نعلم العدو من الصدیق و نعرف کیف نختبئ لكن الآن لا يمكن محاربة الكورونا إلا بالوقاية".

ويرى ضرورة الالتزام اليوم بحظر التجوال، قائلاً "أصحاب العمائم للأسف شكلّوا دولة داخل دولة، ويدعون الناس لكسر الحظر، لكن الأفضل للعراقيين تغليب المنطق الطبي على الخرافة حتى يسلموا من الإصابة بفيروس كورونا".

علي العزاوي (بغداد): نوستالجيا 

على الرغم من التجربة الصعبة التي عاشها في مرات عديدة خلال حظر التجوّل داخل العراق، وجد علي في تكراره لأسباب صحيّة الآن نوعاً من النوستالجيا، حيث أخذته بعيداً عن مكان إقامته في السّويد إلى حيّه القديم في بغداد، وتذكّر التعاون بين الأهالي في أزمات مشابهة.

يقول علي (29 عاماً) الذي يعمل طبيباً "مرّ الحظر بمراحل عديدة في العراق، أبرزها بعد سقوط النظام البعثي عام 2003 وتفجير سامرّاء (22 فبراير 2006، استهدف مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري) والحرب الأهلية (الطائفية) إلى حظر تجوّل يوم الجمعة".

ويروي لـ"ارفع صوتك": "كنتُ طفلاً عمره 12 سنة حين انقلبت حياتنا فجأة بعد عام 2003، حيث أصبح الخروج بعد الثامنة مساءً من المستحيلات تحت حظر التجوّل، وامتدّ الأمر لثلاث سنوات، لكنني كنت محظوظاً بعائلة حرصت على توعيتنا بأسباب تغيّر الأوضاع".

"الرهبة سيطرت على المشهد، حيث رأيت شارع الأردن العام فارغاً في ساعات المساء  على غير العادة، وبدا مشهد الطريق المحاذي لبيتنا خالياً، بمنتهى الغرابة حينذاك"، يصف علي المشهد بشكل عام طيلة فترات الحظر.

وفي يوم تفجير سامراء، يتذكّر علي "كنت في منطقة ذات أغلبية سنيّة، متوجهاً كالعادة مع أصدقائي للمدرسة الثانوية، يوم اعيتادي ترى فيه قوات أمنية تابعة للحرس الوطني وأرتالاً للجيش الأميركي، وفي الحصة الأولى طلبوا من الطلاب التجمع في الساحة ثم تقرر فجأة إرسالنا جميعاً لبيوتنا، وحين خرجت، كانت أكثر لحظة خفت فيها، رأيت الشوارع فارغة حرفياً سوى منّا نحن الطلبة، والمحال التجارية تغلق أبوابها".

ويتابع: "حظر التجوال في بلد كالعراق لسبب أمني كان مصحوباً برهبة وخوف، ودائماً كنت شديد الانتباه من سيارة تقترب منّي إذ أخاف أن يقتل من بداخلها أحد أقربائي أو يخطفني، وبالفعل تعرضت لمحاولة خطف، صرتُ بعدها على استعداد للركض أو الاختباء".

تهجّر علي وعائلته مرتين كما يقول لـ"ارفع صوتك"، الأولى بسبب تنظيم القاعدة، والثانية بسبب جيش المهدي.

يقول "في السويد لم يعلنوا حظر تجوّل بقدر ما طالبوا الناس بالتزام البيوت، ومع هذا فرغت الشوارع ما جعلني أتذكر شعوري في العراق، لكنّه الآن حرص أكثر منه رهبة، ربما أرى أن خطر الفيروس أقل بكثير ممما عشته بسبب الحرب الأهلية".

واستفاد علي من تجربته السابقة في العراق، يقول "ما زلت محافظاً على هدوئي، ولاحظت هذا الشيء حين رأيت السويديين والبولنديين (زرت بولندا قبل أيام) يهجمون على أدوات التنظيف وورق المرحاض، وأضحكني المشهد بسبب جهل عامة الناس بالمواد التي يحتاجونها إذا حلّت الأزمة".

ويرى أن تصرّف الناس على هذا النحو "مبالغ به"، يقول علي "لم أركض لتخزين مواد غذائية ولا  أنشر الخوف بين الناس من خلال النقاشات العامة، بل أحاول دائما تهدئتهم وأقول لهم (لا داعي للذُعر)".

هاجر (الأنبار): نزفت حتى الموت

عاشت هاجر (26 عاماً) ظروف حظر التجوّل، مرات عديدة، لكنّها تذكر لـ"ارفع صوتك" أقساها.

تقول "بيتنا كان قريباً من الطريق السّريع، يقابلها موقع لقوة عسكرية أميركية تتمركز فيه دائماً، وكانوا مستهدفين دائماً، وفي إحدى المرات فجر انتحاري نفسه بينهم، وحصل بعده حظر للتجوال أياماً عديدة، وقتها نفد الطعام من بيتنا".

أمّا المرة الثانية، صادفت أيام أحد العيدين (الفطر أو الأضحى)، في نفس السنة (2004 أو 2005)،  وكان جمع من عائلتها في بيتهم، تروي هاجر "حدثت مواجهات بين قوات من الجيش الأميركي وجماعة مسلّحة، فوصلنا (على ما يبدو بالخطأ) أحد الصواريخ، أصيب العديد من أفراد عائلتي، لكن الإصابة الأكثر خطورة كانت لابنت عم أبي".

وهنا بدأت الذاكرة تسرد لحظات عصيبة، تقول هاجر "أصيبت الشابة العشرينية بشظيّة في خاصرتها، وحاول أهلي إرسالها للمستشفى في مركز المدينة، ويتطلب الوصول إلى هناك 15 دقيقة، لكن بسبب منع التجوّل الليلي، منعتهم القوة الأميركية من إتمام الطريق، حاولوا مراراً وتكراراً معهم ورفضوا السماح لهم بالعُبور، وتعرّضوا للتهديد بالرصاص إن لم يعودوا، حينها كانت الساعة في حدود الثالثة فجراً".

وتتابع هاجر "انتظر أفراد العائلة الذين أخذوا الشابة للمستشفى في بيت أحد الجيران أقرب للطريق، كي يذهبوا في الصباح، لكن ابنة عمي أبي ظلّت تنزف حتى توفيت".

وعن حظر التجوّل اليوم في الأنبار، تقول إن أكثر الناس ملتزمين به، حتى أن المحافظة بدأت إجراءاتها الاحترازية قبل بدء خلية الأزمة التي شكلتها الحكومة العراقية، ومن الإجراءات المتخذة "إغلاق المقاهي والمطاعم والمحال التجارية والقاعات الرياضية وقاعات الأفراح، بحيث تأتي دورية من الشرطة بين وقت وآخر تتأكد من كل ذلك وتأمر بإغلاق أي محل مخالف، كما تبدو الشوارع فارغة".

وتقول هاجر "كل يوم بالنسبة للالتزام أفضل من قبله، حيث أصبح الأهالي أكثر جديّة في تناول أزمة فيروس الكورونا، ومع ذلك وصلنا صوت حفلة موسيقة لأحد الأعراس المقامة في منطقة قريبة واستغربت لماذا لم يتم منع هذا التجمّع".

سرى سالم (بغداد): واجب إنساني

تروي سرى سالم (33 عاماً) تجربتها مع حظر التجوّل بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق 20 آذار 2003، تقول "كنت في السادسة عشر من عمري، ولم نذهب للمدرسة مدة 20 يوماً".

في تلك الأيام لم يكن من الواضح ماذا سيحدث، هل ستؤجل السنة الدراسية، هل سيُسجل جميع الطلبة في قوائم الراسبين؟ ماذا سيحدث للنظام الحاكم؟ وإجابة على هذه الأسئلة وغيرها كان رد والدي سرى "استمرّوا في الدراسة البيتية، فهذه الحرب لن تستمر، وستعود الحياة لمجراها سواء مع صدّام كرئيس أو برئيس آخر".

"وبالفعل، عدنا إلى المدارس بعد انتهاء الحرب بأيام قليلة" تقول سُرى، مضيفة "لم تنقطع المياه لكننا طيلة 20 يوماً كنّا بلا كهرباء فاستخدمنا الفانوس النفطيّ، فيما لم نعان نقصاً من الغذاء لأننا كنّا قد خزنّا مواد غذائية تحسباً للحرب المحتملة قبل وقوعها".

أما حظر التجوّل الأِد، حسب سرى، فكان بين عامي 2006 و2007 بداية الحرب الطائفية وظهور تنظيم القاعدة، والميليشيات المموّلة من إيران، حيث لم تستطع القيادة فرض السيطرة الأمنية على البلاد.

"وفي نهاية 2006، كنت طالبة سنة ثانية في جامعة بغداد وموقع كليتي عند باب المعظّم" تقول سرى، مضيفةً "لا يخفى على أي عراقي كيف كانت باب المعظم أيام الحرب الطائفية، ففي أي لحظة يهجم عناصر تنظيم القاعدة على نقطة تفتيش أو سيطرة للجيش او الشرطة، ويحدث تبادل لإطلاق النيران ثم يُفرض حظر التجوّل، يستمر ليومين أو ثلاثة".

حظر التجوّل المتقطع والذي بدا طارئاً في البداية، صار مع الوقت في حياة العراقيين أمراً عادياً وسبباً في غياب الاستقرار الأمني والنفسي.

تقول سرى "أطلق خريجو العام الدراسي 2006-2007 في كلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، اسم (حظر التجول Curfew) على دفعتهم".

أما حظر التجوّل "في زمن الكورونا" كما تسمّيه سُرى، ألزمها البيت مرة أخرى، لكن هذه المرة "لا توقع بانقطاع الكهرباء ولم تحدث أزمة على الموارد الغذائية كون محال الخضار أبقيت مفتوحة".

وسرى التي توقفت عن عملها مع بعثة دبلوماسية، استجابة للإجراءات الوقائية، تقول "تؤلمني رية الكثير من أهالي بغداد ومحافظات أخرى غير ملتزمين بحظر التجوّل، فهو اليوم واجب إنساني، والتزامه يحافظ على حياة شخص ما على الأقل".

 

مواضيع ذات صلة:

العراق

تخزين المواد الغذائية "ترف" بالنسبة لملايين العراقيين

دعاء يوسف
03 أبريل 2020

"سارعوا بتخزين الكثير من المواد الغذائية "، من العبارات الأكثر تداولاً بين العراقيين اليوم، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، لكن هل يستطيع الجميع ذلك؟

تقول أمل رزاق (٤٣ عاماً)، وتعمل في محل لتزيين النساء وحلاقة الشعر، "فقدت مصدر قوتي اليومي بسبب إغلاق المحل". 

وتضيف " كنت أحصل على 10 آلف دينار عراقي (8$) في اليوم الواحد لمساعدة أخي (الذي توقف عمله في بناء الدور هو الآخر) لتوفير التكاليف المعيشية لأسرتنا المكونة من سبعة أفراد".

"نفد تقريباً كل ما قمنا بتخزينه من طعام. نحن على دراية بخطورة الوضع، ولكننا لا نعرف كيف سنعيش إذا استمر هذا الحال"، تقول أمل لـ"ارفع صوتك".

التسوق بالدين

أمل ليست الوحيدة، فالكثير من العراقيين يعيشون الآن في حيرة من عدم قدرتهم على توفير قوت يومهم، ولم يسارعوا كالآخرين لشراء المواد الغذائية وتخزينها.

رعد محسن (٤٩ عاماً)، وهو متزوج لديه أربعة أبناء، كان يظن أن وضعه المعيشي تحسّن كثيراً عن السابق، وبات يستطيع توفير مصاريف أسرته وإيجار بيته، لكن بعد أزمة كورونا اكتشف أنه "كان على خطأ" حسب تعبيره.

يقول لـ"ارفع صوتك": "الكثير من الأقارب والمعارف اليوم يشعرون بالقلق على ما لديهم من أموال خشية أن تطول الأزمة. لذا تجد البعض منهم يتنصل من فكرة مساعدة أحدهم ببعض المال حتى لو كان بالاستدانة، ويعمد كذلك إلى تخزين كل شيء".   

ويتابع رعد "أشتري السلع يوماً بيوم، لا أملك رفاهية التخزين،  حيث لا  غذائية، أملك مالاً كافياً لشراء كميات كثيرة وتخزينها".

"أخشى أن أضطرّ للتديّن لاحقاً، وهو ما لا أريده"، يقول رعد الذي كان يعمل سائق تاكسي قبل حظر التجوّل.

السوق المحلية

ومع ذلك، لم تتوقف حركة شراء السلع الغذائية لتخزيها، إذ أفضى تفشي انتشار مرض كوفيد-١٩ في البلاد إلى تزايد إقبال العوائل على الشراء والتخزين.

ولكن عمر أنيس وهو صاحب متجر لبيع المواد الغذائية، يقول إن " إقبال الفقراء على شراء احتياجاتهم  تراجع منذ الأسبوع الأول لفرض حظر التجول، مقارنة باستمراره لدى ميسوري الحال".

في هذا السياق، بدأت بعض المتاجر في عرض بعض السلع المطلوبة بأضعاف أسعارها الأصلية، كما بدأ التجار باحتكار بعض البضائع ذات الطلب المرتفع، على الرغم من تحذيرات الحكومة بملاحقة وإغلاق محال كل من يقوم بذلك.

"غير  إنساني"

 نادية سعد، (٥١ عاماً) وهي ربة بيت ومتزوجة من مستثمر ببيع الدور والعقارات "ترغب في أن تكون مستعدة دوماً وألا تحتاج أسرتها لأحد".

وتقول لـ"ارفع صوتك" إن "تخزين السلع الغذائية هو الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله الآن".

من جهته، يقول  الخبير الاقتصادي جاسم خالد إن "الفقر قادم لا محالة، خصوصاً  في الدول التي لم تضع الخُطط المناسبة للتعامل مع الجوع، كالعراق".

ويتوقع جاسم تزايد "الهوة بين الأغنياء والفقراء"، مضيفاً  "تخزين السلع الغذائية بهذا الشكل المفرط من قبل الأغنياء، سلوك غير إنساني".

ويشير إلى أن هذه الأزمة ليست جديدة، حيث لجأ العراقيون إلى تخزين السلع الغذائية خلال سنوات الحصار الاقتصادي وغيره من صراعات وحروب، ما أدى  لتخلخل تركيبة المجتمع العراقي، حسب تعبيره.

ويتابع جاسم "ظهرت الكثير من الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية، مثل تزايد الفقر والجريمة وجشع التجار وصعود فئة من المجتمع بسبب الترف على حساب غيرها ممن لا يتحصلون على لقمة عيش، وغير ذلك".

وكان تقرير سابق لوزارة التخطيط العراقية، أوائل العام الجاري، قال إن واحداً بين كل خمسة عراقيين يعيش تحت خط الفقر.

 وحسب بيانها المشترك مع خلية الأزمة، أمس الخميس، قالت إن لديها قاعدة بيانات للعوائل تحت خط الفقر،  يقدر عددها بنحو مليوني أسرة وبواقع 10 ملايين شخص، وهذا العدد هو المشمول.

دعاء يوسف