مصفاة للنفط في البصرة
مصفاة للنفط في البصرة

صورة عام 2014 لا تزال في أذهان العراقيين: انهيار النفط بالتزامن مع سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق.

والآن مع أزمة كورونا وانهيار أسعار النفط عالمياً، يتركّب مشهد جديد لدى العراقيين فيه الكثير من الخوف والقلق بشأن المستقبل في بلد مثقل بالأزمات.

حالة من الخوف

يعيش المواطنون في هذه الأيام، لا سيما شريحة الموظفين حالة من الفزع من المساس برواتبهم نتيجة انخفاض أسعار النفط، فالجميع يدرك أن الدولة العراقية تعتمد بنسبة 95 % على إيرادات النفط كمحرك لاقتصاد البلد وتسديد الرواتب، وهو ما دفع العديد من موظفي القطاع العام إلى الاقتصاد بالمصروف، كما يقول ابراهيم موسى، الموظف في أمانة بغداد، والذي يشير إلى أنّ بات مقتصرا على الضروريات فقط وتأجيله للعديد من مشاريعه الخاصة .

عدم المساس بالرواتب

تؤكد عضوة اللجنة المالية البرلمانية النائبة محاسن الحمدون أن خيار تخفيض الرواتب غير مطروح في الفترة الحالية، لكنها لا تستبعد اللجوء إليه كأحد الحلول إذا ما استمرت أسعار النفط بالتراجع وتعذر توفر الأموال، وتوضح الحمدون أن اللجنة المالية تنتظر استئناف جلسات مجلس النواب لعقد اجتماع للجنة مع وزير المالية لبحث الحلول المتوفرة لديهم للتقليل من حدة الأزمة .

زيادة العجز المالي للموازنة

بسبب التظاهرات التي شهدتها مدن وسط وجنوب العراق في تشرين الأول/أكتوبر الماضي والتي تزامنت مع العطلة التشريعية للبرلمان، لم تصل موازنة العام 2020 إلى مجلس النواب لإقرارها.

الموازنة كانت مبنية على سعر 53 دولارا للبرميل، ومع ذلك كانت تعاني من عجز مالي، لكن هذا العجز تصاعد بشكل كبير بعد انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 20 دولارا.

ويقول مقرر اللجنة المالية في مجلس النواب أحمد حمه رشيد لموقع (ارفع صوتك) إن الحلول المتوفرة لدى صانع القرار حلول صعبة، فلا أموال مدورة من السنة الماضية كما يؤكد، ولا تستطيع الحكومة اللجوء للقطاع الخاص للاقتراض لضخامة فوائده وحتى صندوق النقد الدولي.

ويضيف رشيد: "لن يمنح العراق قرضا بسبب عدم التزام الأخير بتعليمات الصندوق فيما يخص إعادة تصنيفه الائتماني، لكنه يوصي باعتماد بيع سندات الخزينة أو كوبونات النفط للمواطنين كأحد الحلول لتجاوز جزء كبير من الأزمة".

تفاؤل بعيد المدى

وفي ظل الكساد الذي يصيب الاقتصاد العالمي، فإن مختصون في مجال الطاقة لا يرون بارقة أمل في تعافي أسعار النفط على الأقل في المدى القريب .

الخبير في المجال النفطي أسامه الدوري يقول إن المعطيات لا تبشر بـأي تحسن لوضع سوق النفط العالمي، ويرجح استمرار أزمة النفط وتدني أسعاره حتى منتصف العام المقبل 2021، وينصح بتعديل سعر برميل النفط بالموازنة إلى ما دون 25 دولارا للبرميل بدل الرقم الحالي 56 دولارا.

 حلول سريعة

 ويطرح عضو معهد الإصلاح الاقتصادي ماجد الصوري حلولا سريعة للسيطرة على الأزمة التي تواجه العراق بسبب انخفاض عائداته من النفط واحتمالية تأثر رواتب الموظفين جرائها، داعيا الى عدم المساس برواتب الموظفين الصغار وتخفيض رواتب ومخصصات المسؤولين وكبار الموظفين من درجة معاون مدير عام فما فوق وإلغاء سفرياتهم.

ويؤكد الصوري وجود اعداد كبيرة جدا من الموظفين الصغار الذين يتقاضون راتبين إلى خمسة رواتب بالإضافة إلى ما أسماهم بـ"الموظفين الفضائيين".

ويلفت إلى أن ديوان الرقابة المالية كان قد أجرى تدقيقا لعدد من مؤسسات الدولة ليتبين له وجود أكثر من 24 ألف موظف يتقاضون أكثر من راتب.

ويرجح توفر من 40 -50 تريليون دينار إذا ما دققت جميع المؤسسات لفرز الفضائيين والرواتب المكررة، مشيرا إلى أن الرواتب التي تدفعها الدولة حاليا تقدر بـ 67 مليار دينا.

ويختم الصوري أن هذه الحلول السريعة وأخرى أيضاً أرسلت لرئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي للاطلاع عليها .

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".