العراق

تحذيرات عالمية.. لماذا لا يتم تلقيح وتطعيم جميع الأطفال في العراق؟

30 أبريل 2020

حين تعبت خالدة إسماعيل التي تعمل ممرضة منذ 20 عاماً في مركز صحي ببغداد، من طرق بوابة المنزل طلباً لمقابلة أصحابه، دوّنت بالخط الأسود العريض على مساحة صغيرة من بابه بعض الأرقام المصحوبة بكلمة "مغلق".

هذا الإجراء تتخذه الفرق الصحية دوماً ببغداد لضمان تلقيح جميع الأطفال المستهدفين، خاصة داخل المناطق التي تتدنى فيها نسب التغطية باللقاحات، أو التي يصعب على أهلها الوصول إلى مراكز التلقيح.

تقول خالدة لـ"ارفع صوتك" إن عملها يتطلب بين الحين والآخر أن تتجول بصحبة فريق صحي من منزل إلى منزل لتوكيد تلقيح الأطفال من عدمّه.

وتتعرض الفرق الصحية الجوالة للكثير من الضغوط، مثل الإشاعات حول خطورة اللقاحات بين الناس، حيث يخشى الكثيرون أن من يطرق أبوابهم، عصابات جرائم منظمة، وعدم وجود الناس في منازلهم.

انتقال العدوى 

تعتقد خالدة أن بعض العوائل لا تستجيب لفكرة التلقيح، إما بسبب محاصرة الظروف الصعبة لهم، أو نسيان مواعيد التطعيم المحددة، أو غياب مخاطر الإصابة بالأمراض عن بالهم وكذلك الفائدة من تلقيح أطفالهم.

وهو أمر كانت وزارة الصحة العراقية تعالجه عبر تنظيم حملات تتجول فيها الفرق الصحية بين المنازل لتطعيم الأطفال. 

ولكن المهمة بدت أكثر صعوبة بعد انتشار فيروس كورونا داخل البلاد. تقول الممرضة إن غالبية العوائل اليوم تمتنع عن ارتياد المراكز الصحية والمستشفيات لتطعيم أطفالها "خشية تعرضهم لانتقال عدوى الفيروس".

"وهو نفس ما تواجهه الفرق الصحية الجوالة عند الوصول لمنازل هؤلاء الأطفال من امتناع أولياء أمورهم عن استقبالهم أو رفضهم ومعارضتهم لمهمة تلقيحهم"، تقول خالدة.

كما تتكرر أسئلة واستفسارات حول "منشأ أدوية التطعيم، أو الشركة المصنعة، أو البلاد المصدرة للقاح التي هي الآن موبوءة بالفيروس، أو انتهاء صلاحية اللقاح، وغير ها"، حسب ملاحظة الممرضة.  

اليونيسف والصحة العالمية 

وكانت منظمتا اليونيسف والصحة العالمية اعتبرتا أن أطفال العراق هم الفئة الأكثر هشاشة في التعرض لخطر جائحة كوفيد-19.

وذكر بيان للمنظمتين "لا يحصل إلا نصف أطفال العراق الذين تتراوح أعمارهم بين12 و23 شهراً على التلقيح الكامل ضد الأمراض التي يمكن الوقاية منها، ولا يحصل إلا ثُلثيّ الأطفال على الحماية من الحصبة".

ورجحتا انحسار التلقيح ضدّ الحصبة بنسبة 20% إضافيّة، بسبب تعطّل خدمات التلقيح نتيجة استمرار أزمة الجائحة.

وقالت حميدة لاسيكو، ممثلة اليونيسف في العراق "علينا أن نشارك بشكل كليّ في حماية الأطفال العراقيين من كوفيد-19، مع ضمان استمرار عملنا في الوقت ذاته في حماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها".

ووجهت رسالة إلى أولياء الأمور في هذه الأوقات غير المسبوقة، وهي التأكد من أن "أطفالهم يتلقّون اللقاحات الروتينية، بالتزامن مع اتباع الإرشادات الوطنية والمحلية بشأن التدابير الوقائية لمواجهة الجائحة، بما في ذلك التباعد الجسدي وغسل اليدين واتّباع الأساليب الصحية عند السعال والعطس، حسب نصائح الحكومة والمسؤولين في مجال الصحّة".

من جانبه، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في العراق، الدكتور أدهم إسماعيل "لا يسعنا العودة بما سبق لنا وحققناه من إنجازات إلى الوراء".

وأضاف في البيان المشترك ذاته "بينما ننتظر التوصل إلى لقاح ضد كوفيد-19، دعونا نستفيد بشكل كامل من اللقاحات المتوفرة لدينا، وذلك من خلال ضمان حصول أطفال العراق على اللقاحات في الوقت المناسب".

وانخفض معدل التلقيح في العراق في السنوات الأخيرة بسبب النزاع المستمر منذ عقود ونقص الاستثمار في الخدمات الصحية، بحسب البيان.

ودعت المنظمتان (اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية) الحكومة العراقية إلى "زيادة الاستثمار في الخدمات الصحية والبدء في التخطيط لأنشطة التلقيح المكثفة، التي تشمل القيام بحملات التلقيح وتحديد الأطفال الذين فاتتهم جرعات اللقاحات والوصول إليهم، وذلك بمجرد أن تصبح الجائحة تحت السيطرة الكاملة".

أحرم طفلي

في هذا الشأن، تقول سهاد علوان (37 عاماً) إن "عمتّها (أم زوجها) رفضت وبشدة اصطحاب طفلتها الصغيرة للمركز الصحي في المنطقة التي تسكن فيها خشية انتقال الفيروس".

وعن حصول طفلتها على بقية اللقاحات، تقول لـ "ارفع صوتك" إن "الأمر ليس سهلا. ولا يمكن أن تكون مراجعة مستشفى أو مركز صحي خياراً صائباً مع تفشي الوباء".

وتضيف "علينا أن ننتظر قليلاً. وحتماً ستتحسن الأمور وسأهتم بمسألة تلقيح طفلتي". 

لكن وسن صادق (32 عاماً) تواظب على مراجعة المركز الصحي كل موعد لتطعيم طفلها، تقول " قبل أسبوعين لقحت طفلي".

ووسن ليست حالة استثنائية، كثيرات مثلها يحرصن على تلقيح أطفالهن في أوقات التطعيم المحددة رغم تفشي الوباء ومخاوف العدوى.

وتضيف وسن التي تعمل في وظيفة حكومية، لـ"ارفع صوتك": "الأمر بالفعل مخيف، ولكن من واجبي كأم ألا أحرم طفلي من حقوقه مهما كانت المصاعب. فهذه حياته".

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".