العراق

نقّاد: الدراما العراقية غير مستقلة تنقصها الخبرات في السيناريو والأداء

دلشاد حسين
11 مايو 2020

قيود سياسية ومشكلات فنية تعيق خطوات الدراما العراقية لمضاهاة قريناتها العربية

تقول الدكتورة ذكرى عبدالصاحب المختصة بالتقنية الدرامية لـ"ارفع صوتك": "غياب أسماء ذات ثقل في الوسط الفني دون بديل أو معوض، والاستخفاف والعبور على التخصصات".

"ناهيك الانحسار القسري للدراما العائلية بالمحسوبيات والمنسوبيات وتغييب الكفاءة وذوي الخبرات، يعتبر قتلا لكل عمل درامي تكون مقوماته هزيلة لا تلبي طموح المتلقي، بالأخص المتلقي الواعي، لذلك انحسر الواقع الدرامي على اسمين أو ثلاثة استغلوا فراغ واقع الدراما وباشروا بإنتاج مسلسلات كيفما اتفق" تقول عبدالصاحب.

وتضيف أن "اللجان الخاصة بتقييم الأعمال الأدبية لم تعد موجودة مثلما كانت في الماضي فلم يكن يمرر أي عمل فني أو درامي مالم تحمل قيم الفكر والجمال لأنها تبث إلى مجتمع يضم مختلف الشرائح والأعمار والمستويات".

وتتابع عبدالصاحب "البنى الثقافية والاجتماعية والخلقية للبلد تعرضت للتدمير وأصبحت التربية والأخلاق شيئاً ثانويا من قبل متنفذين، لأجل التهميش ونشر اللاوعي وخزعبلات بعض العقائد، لذلك لم تعد هناك رقابة ولم يعد ذو الخبرة يطرب الحي الذي يتفاعل فيه، والاعتماد وتنصيب كل من هب ودب دون خبرة دون كفاءة ودون تخصص لذلك نرى أن الدراما أصبحت في ضحالة المتلاعبين بحياة العراقيين حالها من حال كل ما من شانه أن يعود بالرقي على البلد والمجتمع".

وأسهمت إجراءات الحجر الصحي الذي تتخذها الحكومة العراقية للوقاية والحد من انتشار فيروس كورونا من زيادة المتابعة التفصيلية للأعمال الدرامية من قبل المواطنين العراقيين، فالبقاء بالمنزل في رمضان هذا العام نقل المواطن العراقي من مرحلة المتابعة السطحية للأعمال الدرامية إلى مرحلة المتابعة والدخول في أعماق العمل الدرامي وقراءته ومن ثم عرض هذه القراءة على صفحات التواصل الاجتماعي.

يقول المخرج العراقي الدكتور حسين الغزالي إن "العديد من الأعمال الدرامية المحلية التي عرضت في مطلع شهر رمضان تفاوتت وتنوعت بالمستوى والجدوى والدعم الفني".

ويوضح لـ"ارفع صوتك":  "المسلسلات العراقية توزعت بين التي تحاكي حقباً زمنية في الأهوار تمثل سطوة شيخ العشيرة وسيطرته على مجتمع القبيلة بالحكم والقوانين العشائرية، وهذا النوع من المسلسلات يحبه أغلب الناس لأنه يتكلم عن بساطة العيش في الحقب الزمنية السابقة، وبين مسلسلات تنتقد الوضع العام بمشاهد كوميدية ساخرة في ظل التظاهرات والمطالبة بوطن وهي تعتمد على الشفرة والدلالة والعلامة والرمز في إيصال مضمونها الفكري والوصول لهدفها ومنها مسلسلات تنقد الواقع المعاش وحياة العراقيين في ظل كورونا".

من جهته، يؤكد الناقد العراقي الدكتور حسين الأنصاري على "حاجة الدراما العراقية إلى كتاب يلتقطون القضايا والمشاكل من قاع المجتمع".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "تفتقد الدراما العراقية اليوم إلى المؤلف السيناريست الذي يحول المشكلات المجتمعية إلى قصص مصورة على الشاشة ونماذج متنوعة منها السلبية والإيجابية، لترتبط بعلاقات يحركها صراع مدروس باعتبار أن كاتب السيناريو هو العنصر الأساس والمحرك للدراما"،.

ويشير الأنصاري إلى أن الساحة الفنية العراقية "لم تشهد اهتماما بهذا الجانب لا على مستوى التأهيل ولا على المستوى المادي". 

واعتبر أن "الإخراج والأداء لم يعودا أيضاً بالمستوى الذي يضيف نجاحاً إلى الأعمال الدرامية كما السابق".

يقول الأنصاري "نشاهد وخير دليل أن الأعمال القديمة التي مر عليها أكثر من خمسة عقود ما زالت تجد صداها لدى المشاهدين ويتم إعادتها مرة تلو الأخرى".

ويرى أن "الدراما التلفزيونية العراقية بحاجة إلى إعادة نظر على مستويات الكتابة والإخراج والأداء كي تتجاوز واقعها البائس".

غياب الاستقلالية

وحالت قلة المؤسسات الفنية المستقلة سياسيا من ظهور دراما مستقلة تعبر عن واقع حال العراقيين في ظل أحزاب السلطة، فغالبية المؤسسات المنتجة أما تكون تابعة لأحزاب بشكل مباشر أو غير مباشر ولن تستطيع أن تخرج من الحدود الموضوعة لها.

يقول الكاتب والصحفي العراقي علي البيدر إن غالبية المؤسسات الإعلامية التي تعرض الأعمال الدرامية تتبع لجهات سياسية وحزبية تطرح مواضيع تتلاءم مع طبيعة عمل تلك الجهات، وهذا ما أفقد العمل الفني مهنيته وموضوعيته وأبعد الكثير من الاسماء الفنية عن المشهد الفني كونهم يرفضون الانصياع لأدوار لا تليق بهم.

يضيف  البيدر لـ"ارفع صوتك": "لم تتطرق الدراما لملف النازحين والمدن التي شملها الصراع التي تعاني من مشاكل كبيرة، والحكومة العراقية لا تكترث لما يقدم إلا إذا تطرق لجرح اسمها وهذا ما لم نشاهده كثيرا".

ودعا نقابة الفنانين والمؤسسات الرقابية إلى اتخاذ موقف صريح إزاء جميع الأعمال "المبتذلة التي أثرت على ذائقة المتلقي وسحبته إلى مستويات هابطة" على حد تعبيره.

وحدد البيدر عوامل عدة تسببت في استمرار تراجع الدراما العراقية في مقدمتها "دمج الدخلاء على الفن في الوسط الفني وكثرة شركات الإنتاج الهادفة لتحقيق الربح على حساب الجودة والمهنية".

"بالإضافة إلى هجرة كثير من الوجوه الفنية بعد تعرضهم للتهديد والتصفية من قبل جهات تمتلك أذرعاً مسلحة تحرم الفن وتنكر الكثير من المشاهد التي لا تنسجم مع توجهاتها الدينية، وغياب واضح لدعم المؤسسات الحكومية سيما وزارة الثقافة التي دخلت في معترك المحاصصة الطائفية، وقلة انتشار أكاديميات الفنون وعدم وجود فرصة لعمل خريجيها الذين باتوا يمارسون أعمالاً ربما تناقض تخصصهم"، يختم البيدر حديثه.

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

عرفت حضارة بلاد الرافدين العديد من الآلهة.

تحفلُ الميثولوجيا بعدد كبير من الآلهة الذين لعبوا أدواراً رئيسة في الديانات التي عرفتها بلاد الرافدين قديماً.

اتصف كل إله بسمات ميزته خاصة، وتباينت أهمية كل واحد بحسب قدراته وسلطته، وهو ما يشرحه المؤرخ صمويل نوح كريمر في دراسته "اللاهوت والطقس والأسطورة في بلاد الرافدين"، بقوله، إن: "الآلهة الذين يشكلون المجمع الإلهي في بلاد الرافدين، لم يكونوا كلهم ذوي أهمية واحدة أو مرتبة متساوية، فالإله المسؤول عن المعول أو القالب الآجري من العسير أن يُقارن بإله مسؤول عن الشمس. ولا يمكن توقع أن تتساوى مرتبة الإله المسؤول عن مساقات المياه والخنادق بمرتبة الإله المسؤول عن الأرض في كليتها....".

 ما هي أهم الآلهة التي عرفها العراق القديم؟ وكيف نُسجت حولها القصص والأساطير التي لا تزال أصدائها حاضرة حتى اليوم؟

إنليل

يُعدّ الإله إنليل واحد من أقدم المعبودات التي عرفها العراقي القديم، حيث عُرف أول الأمر في بلاد سومر ومن ثم انتشرت عبادته في مختلف أنحاء بلاد الرافدين.

تذكر الأساطير القديمة إنه كان ابناً للسماء والأرض، وأنه بعد أن كبر واشتد عوده قام بفصلهما عن بعضهما البعض، وبذلك أصبح إلهاً للهواء والرياح والعواصف.

وقع مركز عبادة إنليل في مدينة نيبور القديمة، والتي تقع حالياً في محافظة الديوانية جنوبي العراق. في تلك المدينة التاريخية، كان هناك معبد كبير مُكرس لعبادة إنليل، وكان الزوار يأتون من كل مكان لتقديم القرابين. ومن المُعتقدات الشائعة قديماً أن إنليل بنى هذا المعبد بنفسه.

ظهر إنليل في الأساطير القديمة باعتباره الإله الأكبر، وصاحب الدور الأهم في خلق الكون. في ذلك المعنى جاء في بعض الصلوات السومرية "إنليل ذو الكلمة المقدسة والأوامر النافذة. يقدر المصائر للمستقبل البعيد. وأحكامه لا مبدِّل لها، أعينه الشاخصة تمسح الأمصار. وأشعَّته تفحص قلب البلاد...".

في أحيان أخرى، ظهر إنليل بمظهر الإله الجبار الذي يصدر أحكاماً قاسية بحق البشر،  فعلى سبيل المثال في أسطورة جلجامش الشهيرة، أمر إنليل بموت إنكيدو، الصديق المقرب من جلجامش، وفي أسطورة الطوفان، غضب إنليل من البشر بسبب صخبهم وارتفاع أصواتهم، فارسل الطوفان ليتخلص منهم، غير أنه تدارك ذلك فأنقذ اوتانابشتم وبعض من أتباعه ليبدأوا حياة جديدة على الأرض.

بشكل عام، حافظ إنليل على مكانته السامية في نفوس العراقيين القدماء لقرون طويلة، وفي أواسط القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فقد إنليل القدر الأكبر من تلك المكانة بعد أن تم تدمير مدينة نيبور على يد العيلاميين.

مردوخ

لم يحظ الإله البابلي مردوخ بقدر كبير من الشهر قبل القرن التاسع عشر قبل الميلاد.

في الألف الثاني قبل الميلاد، ومع الصعود السياسي الذي حققته المملكة البابلية، بدأ نجم الإله مردوخ في الازدهار، وشيئاً فشيئاً زادت شهرته بين الآلهة البابلية، ثم علا صيته في شتى أنحاء العراق القديم، حتى أضحى المعبود الأول والأهم في مجمع الآلهة العراقي.

تذكر الأساطير البابلية إن مردوخ هو الابن البكر للإله أنكي، إله المياه العذبة، وتتحدث القصص عن شجاعته وقوته في قتال الأم الكبرى تيامات. بحسب التقاليد القديمة انتصر مردوخ على جيش تيامات. ثم تغلب عليها وشطرها لشطرين، فخلق من الشطر الأول السماء، وخلق من الشطر الثاني الأرض. وبذلك حظي مردوخ بدور رئيس في أساطير الخلق البابلية.

تذكر الكتابات البابلية أن مردوخ تمتع بنفوذ قوي ورثه من الإله السومري إنليل، حيث جاء في مقدمة شريعة حمورابي أن الإلهين أنو وإنليل نصبا مردوخ زعيما للآلهة، وأنهما "منحاه المقام الأول بين كل آلهة السماء". كذلك وصف مردوخ مراراً بأنه "خالق الكون"، و"الجبل العظيم".

كان معبد "أي ساغ ايلا" -والذي يعني البيت الذي يرفع الرأس- هو المقر الرئيس لعبادة الإله مردوخ في بابل. وكان من المُعتاد الاحتفال بعيد مردوخ في شهر إبريل/ نيسان من كل عام. وكان من المُعتقد أن مصائر البشر والآلهة لكل سنة تُقرر في هذا الاحتفال.

آشور

بدأت عبادة الإله آشور في الألف الثالث قبل الميلادي، واشتهر بشكل كبير في النصف الشمالي من بلاد ما بين النهرين وفي بعض أجزاء آسيا الصغرى. بدأ آشور كإله صغير مسؤول عن شؤون الرعي والزراعة، ومع ازدهار الحكم الآشوري، ورث آشور مكانة الإله السومري إنليل والإله البابلي مردوخ، وعلا صيت الإله أشور، وأصبح إلها محارباً وقائداً ملهماً للفيالق العسكرية الآشورية التي غزت مساحات واسعة من العراق وسوريا. في تلك المرحلة، أضحى هذا الإله إلهاً قومياً، وارتبط اسمه بالعاصمة الآشورية الشهيرة آشور التي سُميت على اسمه، بحسب ما يذكر الكاتب السوري فراس السواح في كتابه "موسوعة الاديان".

في الأساطير الآشورية، يحل آشور محل الإله البابلي مردوك، ويُصور باعتباره الإله العظيم الذي تمكن من هزيمة الأم الكبرى تيامات، كما اُعتبر إله الحرب الذي رافق حملات الملك آشور بانيبال في المنطقة، حيث كان من المعتاد أن يأتي الأشوريون بتماثيل آلهة الشعوب المهزومة ليضعوهاتحت قدمي تمثال آشور إظهاراً لقوة وعظمة إلههم.

اعتاد الآشوريون على تصوير إلههم بأشكال متعددة، في بعض الأحيان، رمزوا له بقرص الشمس المُجنح، وفي أحيان أخرى أظهروه بمظهر الإله المحارب، فألبسوه خوذة ذات قرون، وجعلوه يمسك في يديه بقوس وجعبة سهام. في القرن السابع قبل الميلاد، فقد الإله آشور مكانته العظيمة، وذلك بعدما تمكن البابليون من اقتحام العاصمة أشور، لتبدأ عندها الحضارة الآشورية في الانهيار.

عشتار

في العصر السومري، عرف العراق عبادة الإلهة إنانا/ عشتار على نطاق واسع، وكان مركز عبادتها في مدينة أوروك التي تقع على مسافة 30 كيلومتراً تقريباً شرقي السماوة في جنوب العراق. يذكر الباحث الروماني ميرسيا إلياد في كتابه "تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية" أن عشتار كانت أحد أضلاع مثلث الآلهة الكوكبية الذي شاعت عبادته في تلك الأزمنة، كان هذا المثلث يتكون من الإله نانا إله القمر، والإله أوتو إله الشمس، فضلاً عن عشتار ربّة النجم فينوس/ الزهرة.

كانت الصفة المميزة للإلهة عشتار هي التركيب الشديد في شخصيتها وتعددية جوانبها، يقول فراس السواح في "موسوعة تاريخ الأديان": إن "من الواضح أن أنواعاً مختلفة أصلاً من الآلهة كانت مندمجة فيها... وكان يجري تصورها في العادة فتاة شابة قوية الشكيمة ومتحكمة إلى حد ما، وفي سن الزواج أو بصورة أخرى عروساً صغيرة".

رمز الأنوثة والحياة والحب: قصة الإلهة العراقية القديمة عشتار
في العصر الحديث، رمزت عشتار إلى عراقة بلاد الرافدين عندما اختيرت النجمة الثمانية -وهي الرمز القديم لعشتار- لتتوسط العلم العراقي في حقبة عبد الكريم قاسم 1959- 1963م. كذلك تُعدّ بوابة عشتار -المحفوظة في متحف "بيرغامون" في العاصمة الألمانية برلين- أحد أعظم الآثار التي تشهد على عظمة البنّائين العراقيين القدماء.

من الملامح المميزة لعبادة إنانا/ عشتار أنها ارتبطت بشكل وثيق بطقوس ما يُعرف باسم "البغاء"/ الجنس المقدس. في كتابه "لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة" يُعرّف السواح "البغاء المقدس" بأنه "ممارسة الجنس بين أطراف لا يجمعهم رابط شخصي، ولا تحركهم دوافع محددة تتعلق بالتوق الفردي لشخص بعينه، أو تتعلق بالإنجاب وتكوين الأسرة، هو ممارسة جنسية مكرسة لمنبع الطاقة الكونية مستسلمة له، منفعلة به، ذائبة فيه، كالأنهار التي تصدر من المحيط وإلى المحيط تعود. وكانت عشتار هي البغيَّ المقدسة الأولى؛ لأنها مركز الطاقة الجنسية الشاملة التي لا ترتبط بموضوعٍ محدد. وليس انغماسها في الفعل الجنسي الدائم إلا تعبيراً، على مستوى الأسطورة، عن نشاط تلك الطاقة الذي لا يهدأ؛ لأن في سكونه همودًا لعالم الحياة".

يرى كثير من الباحثين أن تلك الطقوس كانت تجري في المعبد المكرس لعبادة عشتار في مدينة أوروك، ويستدلّون على ذلك بالنقوش الكثيرة التي وجدت على سقوف هذا المعبد، والتي تظهر فيها أوضاع جنسية متنوعة، بين الرجال والنساء.

بشكل عام، لم تقتصر عبادة عشتار على مكان بعينه أو منطقة محددة بل شاعت عبادتها في العديد من أنحاء العالم القديم، فعرفت في بلاد سومر باسم إنانا، أما في بابل فعُرفت بعشتار، وكذلك سُميت بعشتروت عند الفينيقيين، وعُرفت في بلاد كنعان باسم عناة. من المثير للاهتمام، أن تأثير عشتار تمكن من تجاوز الحيز المكاني لترتبط وتتماهى ببعض الآلهة المعبودة شمالي البحر المتوسط مثل أفروديت عند اليونان، وفينوس عند الرومان.

تموز

تولي الأساطير العراقية القديمة اهتماماً كبيراً بالإله تموز/ دموزي. يظهر تموز في صورة راعي يعشق الإلهة عشتار ويطلب أن يتزوجها، حيث وافقت عشتار واختارت تموز من بين الكثير من الذكور الذين تقدموا لخطبتها وعاشا معاً في بيتهما الجميل المسمى "بيت الحياة".

في أحد الأيام أرادت عشتار أن تنزل تحت الأرض لتزور أختها أريشكيجال ملكة العالم السفلي، بحسب الأسطورة تمكنت أريشكيجال من القبض على عشتار وقتلتها، وتذكر النصوص القديمة المصاعب التي تعرض لها العالم حينها "لما نزلت السيدة عشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها لم يعل الثور البقرة، ولم يقرب الحمار الأتان. والفتاة في الطريق لم يقترب منها رجل؛ ونام الرجل في حجرته، ونامت الفتاة وحدها. وأخذ السكان يتناقصون، وارتاعت الآلهة حين رأت نقص ما ترسله إليها الأرض من القرابين...".

تدخلت الآلهة عندها لتحل ذلك الموقف الصعب فأقنعت أريشكيجال بأن تترك أختها لتصعد إلى الأرض مقابل أن ترسل عشتار بديلاً لها، وصعدت عشتار وبحثت عن البديل، ولمّا وصلت إلى "بيت الحياة" وجدت زوجها تموز يعيش سعيداً ولا يبدو على ملامحه الحزن لفقدها. قررت عشتار عندها أن يكون هو البديل، واقتادته الشياطين لمملكة العالم السفلي. بعد فترة، ندمت عشتار على قرارها وبكت كثيراً حزناً على فراق حبيبها، وفي النهاية اجتمعت الآلهة وقررت أن يمكث تموز ستة شهور في العالم السفلي، وأن يصعد بعدها إلى الدنيا لمدة ستة شهور أخرى لتحل محله أخته جشتي- نانا.

تُعدّ تلك القصة واحدة من أعظم القصص الأسطورية التي خلدتها النصوص العراقية القديمة، ويصفها المؤرخ الأميركي ويل ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" بأنها "قصة رائعة خليقة بالإعجاب، ترمز في صورة جميلة ممتعة إلى موت التربة وعودتها إلى الحياة في كل عام، وإلى ما للحب من قدرة دونها كل قدرة".