العراق

متظاهرون عراقيون ضد التصعيد ومع منح مهلة للحكومة الجديدة

12 مايو 2020

أعلنت قوات الأمن العراقية، أمس الاثنين، عن اعتقال خمسة مسلحين على الأقل تابعين لحركة "ثأر الله"، بعد إطلاقهم النار على المتظاهرين، الذي تسبب بمقتل أحدهم أمام مقر الحركة في البصرة جنوب البلاد.

وفي ساعة متأخرة من ليل الأحد، احتشد متظاهرون أمام مقر لحركة "ثأر الله" لتجديد مطالبتهم بالإصلاحات السياسية وتغيير الطبقة الحاكمة التي يتهمونها بالفساد.

وأطلق مسلحون من داخل المقر الرصاص ضد المتظاهرين ما أدى إلى مقتل متظاهر يبلغ من العمر 20 عاماً إثر إصابته برصاصة برأسه، وفقا لمصادر طبية وشهود.

وبعيد ساعات، اقتحمت قوة أمنية مقر الحركة الذي يقع على بعد كيلومتر من ساحة الاحتجاجات الرئيسية في البصرة.

وقال المتحدث الرسمي في شرطة البصرة باسم المالكي لوكالة فرانس برس "اعتقلنا خمسة أشخاص أطلقوا النار على المتظاهرين من المقر".

كما صادرت قوات الأمن بنادق وذخيرة حية عثر عليها داخل المقر، وفقا للمتحدث.

وكان عشرات المتظاهرين استأنفوا الاحتجاجات الميدانية في عدة مدن عراقية، الأحد، وشهدت الساحات مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، منهية نحو ثلاثة أشهر من الهدوء النسبي، بعيد أيام من استلام رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي مقاليد السلطة.

"جسر الجمهورية"

ومن ساحة التحرير، يقول حسام عادل، وهو مسؤول عن كتابة البيانات التي تخرج من الساحة في بغداد، إن توقيت التصعيد الذي بدأ من الكوت "خاطىء بكل المقاييس".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "التصعيد كان نتاج عفوية مفرطة وغلو في الحماسة الزائدة والانفعال الذي يعطّل المنطق والعقلانية، وهذا طبيعي لثورة أكلها الصبر واليأس من سلطة فاسدة قاتلة ولا يعني بالضرورة تخوينها وتركها عرضة للطعن والتشكيك".

وشهد عادل مساء الاثنين مواجهات بين متظاهرين في ساحة التحرير وقوات مكافحة الشغب الحكومية، ويصف ما حدث "حاول المتظاهرون التسلل إلى الحاجز الأخير، حيث الشغب، وحصلت بعض المناوشات، وتقدموا نحو الحاجز الثاني من جسر الجمهورية، لتقمعهم قوات الشغب في محاولة لإبعادهم".

يوضح لـ"ارفع صوتك": "المتظاهرون كانوا يحاولون دخول المنطقة الخضراء، أنا ضد ذلك، ومع إعطاء مهلة للكاظمي حيث بات أمراً واقعاً".

آراء ممن خرجوا وممن رفضوا!

من ساحة التصعيد بمدينة الديوانية، يقول المتظاهر حسن المياحي "صفقات الأحزاب السياسية وتجاهل مطالبنا أجبرتنا على الخروج إلى الشارع مرة من جديد رغم خطورة فيروس كورونا، للضغط عليهم من أجل الحصول على حقوقنا".

ومن السماوة، يقول المتظاهر أحمد رزاق لـ"فرانس برس": "أتينا للمطالبة بالإسراع في تحديد موعد الانتخابات المبكرة وعدم تسويف مطالب المتظاهرين".

محمد مهدي، من بابل، شارك نحو أربعة شهور في تظاهرات أكتوبر، يقول لـ"ارفع صوتك": "أنا لست مع العودة للتظاهر بهذه السرعة، قبل توحيد الصفوف، خصوصاً بعد دخول عناصر حزبية بين المتظاهرين".

ويؤكد "الساحات اليوم اختلفت، ففي بداية التظاهرات كنا نستطيع قول ما نشاء، لكن اليوم هناك العديد من الموالين للشخصيات والأحزاب بحيث لا يسمحون بانتقاد (توج روسهم) وإذا انتقدنا نترّض للتهديد".

 "بالإضافة لانتشار فيروس كورونا، الذي يهدّد أي تجمّع" يقول محمد.

ومن الديوانية، يرى منتظر الكفائي، أن توقيت المظاهرات الأحد كان "خاطئاً".

ويضيف "كان المستفيد الوحيد منها، المليشيات والأحزاب التابعة لإيران، فمن غير المنطقي الخروج على حكومة عمرها أربعة أيام".

وكان منتظر من المتظاهرين الذين استمروا منذ أكتوبر حتى إعلان حالة الطوارئ في البلاد بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد.

ومن بغداد، تقول بان ليلى، التي شاركت في "انتفاضة تشرين" العراقية "هناك دفع من المليشيات نحو ما جرى بالأمس، كما أن بعض الشباب يشعرون بالغبن بسبب عدم معاقبة قتلة إخوتهم وأصدقائهم وأن دمهم ذهب هدراً".

وتشير إلى أنها ترفض التصعيد بالقول "التصعيد في هذا الوقت مجلبة للخسائر وتهديد صحي كبير".

في ذات السياق، يقول محسن الجنابي من بابل لـ"ارفع صوتك": "تظاهرات الأحد كانت ضد الحكومات المحلية، وكانت بدأت قبل ذلك في الكوت وانتقلت للبصرة لتشمل لاحقاً باقي المحافظات المنتفضة، ومطلبها عزل الحكومات المحلية وتخليصنا من الفصائل الإيرانية ، وقلّة فقط كانوا يهتفون ضد رئيس الحكومة الجديد الكاظمي".

وفي ذات الوقت، يرى محسن "أن ما حدث كان بتخطيط من هادي العامري ونوري المالكي، وأتباعهما، حيث وجهوا دعوات للتحشيد من حركة بشائر وبدر عن طريق السوشال ميديا، رآها بعض المتظاهرين دعوة لمظاهرات حقيقية من التنسيقيات ولم يعلموا أنها وهمية".

ويستدرك محسن الذي شارك في "ثورة أكتوبر" في ساحتي بابل والتحرير، قوله "لا أنكر أن المتظاهرين يفتقدون الإدارة والتنسيق، والسبب بالعراقي: محد قادها، ثورة عراقية".

فرصة للكاظمي؟

في استطلاع بسيط لـ"ارفع صوتك"، شارك به 657 شخصاً في تويتر، صوّت 63.9% منهم لصالح منح فرصة لحكومة الكاظمي، بينما صوّت 36.1% لصالح الاستمرار في التظاهرات.

يقول العراقي علي العزّاوي، إن مطلب المظاهرات كان "إقالة عادل عبدالمهدي، وتعديل القانون الانتخابي، وتقديم المجرمين للعدالة بالإضافة لإجراء انتخابات مبكرة، فيما لا علاقة للمتظاهرين بالكاظمي، واستمرار التظاهر نفسه يُعتبر منح فرصة و الاستمرار بالإصلاح، خصوصاً لتقديم القتَلة للعدالة".

مغني الراب والناشط العراقي في تويتر أيمن حميد، كتب في صفحته أيضاً "خطوات الكاظمي البارحة، بالإفراج عن المتظاهرين المعتقلين، وتكليف عبد الوهاب برئاسة جهاز مكافحة الأرهاب، والتقاعد، هي خطوات ممتازة ومُهمة لكن إحالة عادل عبد المهدي وكابينته إلى التقاعد بدون حساب، خطوة سيئة. عبد المهدي لازم يتحاكم، هو وكل من تسبب بقتل المتظاهرين".

من جهته، يرى منتظر "ضرورة منح الكاظمي فرصة، مع استمرار الضغط باتجاه تحقيق وعوده في حصر السلاح  بيد الدولة وإجراء انتخابات مبكرة".

ويُظهر محسن تفاؤله بالحكومة الجديدة قائلاً "نتفاءل بالمواقف الوطنية والإنسانية ومحاربة الفساد وتحجيم ومحاكمة الموالين لإيران خصوصاً، وفي المتابعة نعتمد على المواقف لا تاريخ الأشخاص، ولحين استقرار سياسة الكاظمي، سيكون لنا موقف ثابت".

ويتفق محمد مهدي مع منح الكاظمي فرصة، بالتزامن مع الاستمرار في الاعتصام داخل ساحات التظاهر من دون تصعيد "غير مخطط له".

يقول "الكاظمي صار واقعاً وصار رئيس وزراءوالتصعيد حالياً سيجعلنا نخسر دعم الرأي العام ويُقتل المزيد منّا بلا جدوى" مؤكداً على أهم مطلب للمتظاهرين برأيه وهو :محاسبة القتلة".
ومن ذي قار، يرى صادق السهل أن "الاحتجاجات الآن مرتبطة بالخطوات التي سيقدم عليها الكاظمي، فالمطالب واضحة بشأن التمهيد لانتخابات مبكرة ومحاكمة القتلة".

"هذه الحكومة باقية سواء رفضنا أو قبلنا، أنا مع الانسحاب المؤقت من ساحات التظاهر حتى تثبت الحكومة موقفها في تحقيق مطالب الشعب والثورة" تقول بان ليلى. 

يُذكر أن الكاظمي تعهد السبت الماضي، بالإفراج عن المتظاهرين الذين اعتُقلوا على خلفيّة مشاركتهم في الاحتجاجات الشعبيّة، واعداً بتحقيق العدالة وتعويض أقارب ضحايا الاحتجاجات التي خلفت أكثر من 550 قتيلا، منذ انطلاقها في أكتوبر 2019. (فرانس برس)

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.