العراق

حاربت كورونا ثم أصيبت به.. طبيبة عراقية تواجه "وصمة العار"

15 مايو 2020

عودة الطبيبة العراقية مروة خفاجي إلى منزلها بعد 20 يوما في قسم العزل بالمستشفى لم ترق للبعض. فقد قام أحدهم بوضع حجر خرساني أمام بوابة منزل عائلتها.
 
كانت رسالة الجيران واضحة: لقد نجت من فيروس كورونا، لكن وصمة العار بسبب المرض ستكون معركة أكثر ضراوة.
 
ذهبت الطبيبة الشابة إلى الخطوط الأمامية لمعركة العراق مع الفيروس في أوائل مارس. تتبعت وكالة أسوشيتد برس حكايتها من داخل غرفة الحجر الصحي القذرة حتى عودتها إلى شوارع طفولتها، حيث وجدت نظرات ساخطة بدلا من استقبال الأبطال.
 
صراعها يعكس سوء النظام الصحي الذي كشفه الوباء: مستشفيات بدون إمدادات، وطاقم طبي يخيفه مرض غير معروف، ووصمة عار مرتبطة بالعدوى.
 
يقول الأطباء إن الخوف من وصمة العار، التي تغذيها المعتقدات الدينية والعادات وانعدام الثقة العميقة في النظام الصحي، كانت المحرك الرئيسي للوباء في العراق، حيث يخفي الناس مرضهم ويتجنبون طلب المساعدة.
 
توفى ما لا يقل عن 115 شخصا بين أكثر من 3030 حالة إصابة بفيروس كورونا في العراق، وفقا لإحصاءات وزارة الصحة. 

قفز المعدل اليومي للحالات بعد اختصار ساعات حظر التجوال في شهر رمضان المبارك، من 29 حالة في 22 أبريل إلى 119 حالة يوم الأربعاء. ويخشى المسؤولون من أن تكون موجة التفشي كارثية.
 
وصف مسؤولون عراقيون رد الوزارة بأنه كاف وقالوا إن العراق نجا من ارتفاع كبير في الحالات كما حدث في إيران وتركيا المجاورتين.
 
ألقى المتحدث باسم الوزارة سيف البدر باللوم على الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراض أو أتوا من بلد مصاب "ولم يكشفوا عن هذه الحقائق".
 
لكن قصة خفاجي، وكذلك مقابلات مع ستة من الأطباء والممرضات، تكشف عن استجابة عشوائية من دون استراتيجية شاملة من حكومة مكبلة كانت حتى وقت قريب تقوم بتصريف الأعمال.
 
قالت مروة "داخل الحجر الصحي، بدا المستقبل غامضا. في الخارج لا يختلف الأمر."
 
في منتصف مارس، شعرت مروة (39 سنة) بالذعر عندما بدا على والدتها المسنة، ذكرى سعود، علامات ضيق في التنفس. كان الوباء قد بدأ لتوه في اجتياح العراق ولم يترك بعد بصماته على مدينة كربلاء حيث تعيش.
 
لكن الطبيبة بدأت تربط الأمور ببعضها. قبل أيام، أظهر والدها أعراضا شبيهة بأعراض الإنفلونزا التي عالجتها في المنزل. الآن بدا على والدتها الشيء نفسه ولكن بشكل حاد.
 
كانت على يقين من أنه فيروس كورونا. لكن في ثلاثة مستشفيات مختلفة، رفض الأطباء اختبار والدتها. في ذلك الوقت، تم توزيع مجموعات الاختبار المحدودة على أولئك الذين ذهبوا إلى إيران.
 
في كل زيارة للمستشفى، كانت والدة مروة تخشى أن يعرف الجيران أين ذهبت. وكانت تقول لها "أرجوك. خذيني إلى المنزل".
 
ساءت أعراضها، حتى توسلت مروة والدموع تنساب من عينيها لطبيب صديق لها في الثالثة صباحا أن يختبر والدتها. ووافق الطبيب على طلبها.
 
في 19 مارس، جاء رجال الشرطة إلى المنزل لنقل الأم وابنتها إلى المستشفى بعد أن أثبتت الفحوصات إصابتهما بكورونا. هنا مرة أخرى انعكاس لوصمة العار: فالناس يرفضون في كثير من الأحيان الحجر الصحي، لذلك يتم إرسال الشرطة لإجبارهم.
 
عرفت مروة أوجه القصور في النظام الذي عملت فيه. داخل الحجر الصحي، لكن هذه المرة كمريضة.
 
في اليوم الأول، نظرت والدة مروة باشمئزاز إلى الجناح القذر قالت: "لقد أحضرتني إلى السجن".
 
كانت منطقة الحجر الصحي في مستشفى الإمام الحسين التعليمي عبارة عن جناح مشترك، حيث يتم الفصل بين المرضى عن طريق حواجز معدنية. كانت الأرضيات متصدعة والحمام المشترك يعلوه العفن، والأسطح يكسوها التراب على الرغم من التنظيف اليومي.
 
لم تكن المعاناة شيئا غريبا على مروة: فهي أم لطفل يبلغ من العمر 5 سنوات وانفصلت حديثا عن زوجها الذي أطلق عليها النار في ساقها بعد نزاع أسري.

وطلبت من العاملين مواد التنظيف ونظفت الغرفة والحمامات بنفسها.
 
عندما بقيت الأغطية والبطانيات دون غسيل لأيام، قامت برميها احتجاجًا.
 
النظام الصحي المركزي العراقي، الذي لم يتغير إلى حد كبير منذ السبعينيات، تضرر بسبب عقود من الحروب والعقوبات والاضطرابات الطويلة منذ عام 2003.
 
هناك ثمانية أطباء و1.4 سرير مستشفى لكل 10 آلاف شخص. وقال مسؤول بوزارة الصحة إن الدولة التي يبلغ عدد سكانها 38 مليون نسمة بها 600 جهاز تنفس صناعي على الأكثر. وقال الطبيب أصيل سعد صالح إن مستشفاه يستقبل 1000 مريض يوميا، وهو ما يزيد عن ثلاثة أضعاف طاقته.
 
وأضاف: "يغضب المرضى بسبب نقص الإمدادات والأدوية ومستلزمات الاختبار".
 
عكس تدفق المرضى إلى الحجر الصحي أثناء إقامة مروة مسار الفيروس في العراق. في البداية جاء الزوار العائدون من إيران، ثم الزوار من سوريا. وأخيرا، جاء المرضى الذين ليس لديهم تاريخ سفر على الإطلاق.
 
في الساعة 8 صباحا، أيقظت مروة والدتها وقدمت لها الإفطار وانتظرت فحص الطبيب صباحا لمعرفة العلاج أو الاختبار الذي قد يطلبه. غالبا ما تتدخل برأيها الطبي. عندما وصف لها طبيب العلاج ببخاخات مرتين يوميا، قالت إن هذا العلاج ضروري كل ساعة.
 
في الليل، ونظرا لنقص الأطباء، كانت مروة تراقب المرضى وتبلغ عن حدوث أي تغييرات للممرضات اللاتي كن يفحصن المرضى كل ست ساعات فقط وكن يرتجفن عند اقترابهن من مرضى الفيروس.
 
وقفت مرعوبة عندما أخبرها طبيب الطوارئ أنه لا يعرف كيفية تنبيب مجرى الهواء للمريض.
 
قالت: "إنهم غير مدربين. وهم خائفون منا."
 
في أسوأ أيامها عانت من الإرهاق والصداع وحمى شديدة.
 
قالت: "كانت عيناي مثل صخرتين".
 
في 10 أبريل، كانت نتائج اختبار خفاجي ووالدتها سلبية وكان بإمكانهما المغادرة.
 
لكن كانت هناك أزمة أخرى في انتظارهما: الكتل الأسمنتية التي أقامها الجيران، حيث سدوا أبواب منزلهما الأمامية والخلفية.
 
حتى بعد إزالتها، لم تعد الأمور كما كانت.
 
عندما يذهب ابنها للعب في الحديقة، تسمع مروة أمهات أخريات يطالبن أطفالهن بالعودة إلى المنزل.
 
بحلول شهر مايو، عادت لعملها في المستشفى براتب شهري قدره 800 دولار، وهو متوسط راتب الطبيب في العراق. بناء على طلبها، تعمل في غرفة الانتظار للمساعدة في تشخيص مرضى الفيروس المحتملين.
 
قالت: "لكل فرد حد. لم أصل إليه حتى الآن".

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".