العراق

قيادة داعش .. المرحلة الجديدة

علي قيس
21 مايو 2020

نجح جهاز المخابرات العراقي بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية بإلقاء القبض على "حجي عبد الناصر قرداش"، أحد أبرز قيادات داعش، قديما والآن.

من هو حجي قرداش؟

هذه أبرز المعلومات عن حجي قرداش كما ذكرها بيان لجهاز المخابرات.

•    اسمه طه عبد الرحيم عبد الله بكر الغساني، ويكنى بـ"حجي عبد الناصر قرداش" وأيضا "أبو محمد".

•    من مواليد ١٩٦٧ تلعفر، ويسكن حي مشيرفة بالموصل.

•    انتمى عام ٢٠٠٧ لتنظيم القاعدة في محافظة نينوى وعمل بصفة إداري بولاية الجزيرة لغاية نهاية العام.

•    شغل بعدها منصب والي الجزيرة، وخلال فترة توليه المنصب قام بعدد من العمليات الإرهابية.

•    بداية عام ٢٠١٠، كلف من قبل والي الشمال بالعمل نائباً له، وبأمر من زعيم تنظيم داعش الأسبق "أبو عمر البغدادي"، تم تكليفه بشغل منصب والي ولايات الشمال (جنوب الموصل والموصل والجزيرة وكركوك).

•    نهاية عام ٢٠١١ التقى بزعيم داعش السابق "أبو بكر البغدادي" في أطراف محافظة بغداد وكلفه الأخير بشغل منصب أمير التصنيع والتطوير.

•    كُلّف بعدها من قبل البغدادي بالذهاب إلى سوريا وعمل مصانع أسلحة ومتفجرات وكواتم لتجهيز الولايات.

•    بعد حدوث انشقاقات بالتنظيم وانشقاق جبهة النصرة عن داعش تم تكليف قرداش بمنصب والي الشرقية (الحسكة ودير الزور والرقة).

•    شغل بعدها بأمر من البغدادي منصب والي البركة وبعد إعلان الخلافة كلف بمنصب نائب أمير اللجنة المشرفة، وبعدها أميرا اللجنة، ثم نائبا للعدناني وأميراً للجنة المفوضة بعد مقتل الأخير، إضافة إلى تكليفه كنائب للبغدادي.

•    كان المشرف الأول عن معركة كوباني والسيطرة على مدينة تدمر وحلب ودمشق ومعارك الباب، وله دور كبير في أحداث بلدة الباغوز الأخيرة، التي اتخذها داعش آخر معاقله.

•    مسؤول عن صناعة وتطوير غاز الخردل الذي استخدام باستهداف القوات العراقية داخل العراق.

•    كان دوره بارزا في أغلب المفاوضات التي جرت بين التنظيم والفصائل والمجاميع الأخرى، ومشرفا على كافة المفاصل الإدارية ومفاصل التصنيع والتجهيز.

خلية الاعلام الامني ============ قيادات داعش في قبضة ابطال العراق مِن رجال الظل في جهاز المخابرات الوطني العراقي...

Posted by ‎خلية الإعلام الأمني‎ on Wednesday, May 20, 2020

مرحلتا التحالف والانتخاب

ورغم اختلاف القيادات التكفيرية المتعاقبة على تنظيمات القاعدة وداعش في العراق، فإن قادة داعش الجدد، ومنذ ظهورهم ككوادر وسطية في عهد الزرقاوي 2004 وحتى صعودهم على رأس هرم القيادة عام 2019، يعدون من أهم القيادات الأيديولوجية التي برزت بشكل تراتبي متنامي على ساحة الجماعات التكفيرية الجهادية.

ويفصل الخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي مراحل القيادة لتنظيمي القاعدة وداعش في دراسة، خصّ موقع (ارفع صوتك) بنسخة منها.

ووفقا لأبرز ما جاء في الدراسة، فإن التحالفات الجهادية لتنظيم القاعدة في العراق وفروعه بعد عام 2004 شهدت مراحل وتطورات عكست في جوهرها عدة اجتهادات فقهية بين:

- الانفتاح المرتبط بالزرقاوي (2004- 2006)، ويتيح هذا الانفتاح مشاركة الفصائل السلفية الجهادية ضمن مجلس شورى يرسم السياسات ويخطط العمليات وينسق الأدوار على أرض الواقع.

- التطور إلى مرحلة الانتخاب الذي يرتبط بمنهجية أبو عمر البغدادي  (2006 – 2010)، حيث ينتخب بعض الفصائل من السلفية الجهادية لتنسيق القليل من عمليات الميدانية المشتركة وبشرط تكون الريادة والقيادة بيدهم فهم يستعملون تلك الفصائل ولا يعطوها القيادة.

- التوحد المرتبط بمنهجية البغدادي (2010-2019) ويعتمد "كل من لا يبايع فهو خارجي أو مرتد أو عدو فيلزم بالبيعة أو القتل".

وأصحاب تيار الانفتاح على الجماعات التكفيرية يتصلون بمنهجية الزرقاوي في ضرورة جمعها بمجلس شورى ضمن منظمة واحدة يخرج قرارها موحدا.

وهؤلاء يطلق عليهم جماعة مجلس الشورى أو مجلس العمل الجهادي الموحد، وهم يتفقون أيضا مع تيار الانتخاب في اعتماد سياسة تنسيق مشروطة، فـ"العلاقة تنسيقية محدودة".

مرحلة إعادة التكوين

وفي فترة سيطرة تنظيم داعش على الساحة الجهادية التكفيرية في العراق، قهر التنظيم كل الفصائل الجهادية وحتى المتحالفة معه مثل (أنصار السنة وكتائب أبي بكر الصديق وجماعة جيش المجاهدين قاطع نينوى)، حيث ألزم البغدادي كل تلك الجماعات إلى أن تكون بيعتهم وولائهم ومرجعيتهم العقائدية والفقهية والتنظيمية والمنهجية أساسا له.

أمّا اليوم، فإن تنظيم داعش في مرحلة المراجعة وإعادة التكوين يبحث عن بيئة حاضنة أو حليف محلي، بشرط أن يكون تحالفه مع من يعتقد صحة إسلامه ولو "شكليا".

وهذه مسألة ضرورة بالنسبة له بعد كل هزيمة واسعة، ومطلب تنظيمي يحتمه مبدأ الولاء لبيعة الخلافة.

وقد تحالف الزرقاوي مع الجماعات السلفية والإخوانية والصوفية العراقية التي يصنفها (بالبدعية).
وتحالف أبو عمر البغدادي (2006-2010) مع أنصار الإسلام وكتائب أبو بكر السلفي والجماعة السلفية المقاتلة رغم أنه يعتبرهم جماعات خارجة عن تنظيم القاعدة في العراق آنذاك.

وقد أشارت استخبارات الشرطة الاتحادية العراقية ذلك في مناطق شمال بغداد، وجنوب صلاح الدين.

ورصدت عودة تنظيم داعش للعمل بمعونة عناصر تتبع بقايا أنصار الإسلام شمال وشرق ديالى.
والتحقيقات القضائية أكدت أنه في شرق صلاح الدين يعتمد على بقايا القاعدة من جناح الظواهري.

وفي شمال غرب الموصل رصد التحالف الدولي مصالحة وتنسيق لداعش مع مجموعة صغيرة من تنظيم حراس الدين.

وقد تلجأ قيادة داعش الجديدة بقيادة أبو إبراهيم القرشي، إلى مراجعة علاقاتها مع الفصائل المسلحة وإحداث مصالحة مع المجتمع السني، وهذا يؤكد ميل اللجنة المفوضة الجديدة (أعلى لجنة تنفيذية في الهيكل التنظيم لداعش) بقيادة "حجي عبد الله قرداش"، ويشاركه بهذا الرأي كل من القيادات التنفيذية العليا الجديدة في داعش "حجي جمعة البدري وحجي تيسير العراقي وأبو سعد الليبي وأبو مالك التميمي الجزراوي" لتنفيذ هذا الخيار مع مجلس الشورى.

التكيف قبل الهجرة

ورصدت دوائر المعلومات المختصة أن تنظيم داعش في ولايتي العراق والشام أخذ يتكيف مع الهزيمة ويطور خططه من أجل البقاء أطول مدة ممكنة في المنطقة دون الاضطرار إلى هجرها بشكل كلي تجاه ولايتي (غرب أفريقيا وشرق آسيا).

وهذا لن يكون حتى يعتمد على مبدأ جديد في العلاقات مع البيئات التي يتستر فيها.
والمبدأ الجديد هو "تحالف محلي مع تدمير وإبعاد عيون القوات الأمنية من الموارد البشرية المتعاونة مع دوائر الاستخبارات".

وهذا واضح منذ انطلاق حملة اغتيالات متسلسلة ومنظمة للمختارين في القرى والمناطق التي يتواجد فيها فلول التنظيم.

الاستراتيجية القادمة

وتعد قيادة داعش الجديدة من أهم الكوادر الوسطية والميدانية.

وبعد إعلان البيعة لأبي إبراهيم القريشي خليفة للبغدادي، تم رصد بداية عهد جديد يعتمد جملة من الخطوات المنهجية والتنظيمية والاستراتيجية القادمة، منها:

- الحرص على ارتباط التنظيم بأبو مصعب الزرقاوي، المعروف بكونه الأشدّ دموية بين أقرانه من القادة.

- إطلاق مرحلة جديدة وهي "قتال اليهود".

- "ساحات المعارك" المقبلة، وهي العراق، واليمن، والشام، وسيناء، وليبيا، والصومال، وخراسان، وباكستان، والهند، والقوقاز، وغرب ووسط أفريقيا، وتونس، والجزائر.

- البدء بقبول المصالحة مع المجتمعات السنية، ومنحها فرصة للتوبة، وتحذيرهم من أن "الحساب قادم والفاتورة طويلة".

- حرب ال‘نهاك المجهد الدائمة التي تقوض الاستقرار، فالنظام السياسي لا يمكن أن يكون مستقرا مع الأزمات الأمنية التي تستهدف الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

التحديات التي تواجه صمود قادة داعش الجدد:

- إرث الهزيمة الثقيل الذي تركه البغدادي لهم، وفقدانهم الحاضنة المنسجمة معهم عقائديا ومنهجيا.

- إحياء نموذج الصحوات "الحشد العشائري والمناطقي وحشد الدفاع"، التي مثلت صدمة لقادة القاعدة وداعش في العراق، وذلك لعدم القدرة على الاختباء منها.

- التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها المناطق السنية في العراق، وصعود عدد من القوى السياسية المتحالفة مع الأحزاب السياسية الشيعية القريبة من إيران.
 

علي قيس

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".