العراق

هذا هو داعش .. حقيقة التنظيم يكشفها قرداش ج2

علي قيس
29 مايو 2020

في أحد السجون العراقية المشددة الحراسة، يحاور الخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي، القيادي في تنظيم داعش طه عبد الرحيم الغساني، المعروف باسم "حجي ناصر قرداش"، والذي اعتقله جهاز المخابرات العراقي بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية داخل سوريا.

كشف قرداش تفاصيل كثيرة عن حقيقة التنظيم، نتناولها في سياق سلسلة مقالات عن حقيقة داعش التي لم يكشف عنها لليوم.

يساهم فيها الهاشمي الذي خصّ (ارفع صوتك) بتفاصيل الحوار.

نشأة داعش

عام 2012، عادت معسكرات الجماعات التكفيرية باعتبارها ردة فعل على تردي العلاقات بين قيادات حكومة المالكي والعشائر السنية في المنطقة الشمالية والغربية.

وفي نهاية ذلك العام، ظهرت منصات الاحتجاج والتي عرفت بـ"الحراك السني الشعبي"، وهي خليط من البعثية والصوفية والاخوان والسلفية الجهادية والعشائرية وعوام المدن والقرى ذات الأغلبية السنية.
وبسبب احتدام الصراع بين المالكي ورافع العيساوي على تعزيز التوزيع العادل للسلطة والنفوذ، فقد تداعى عدد من شيوخ العشائر وائمة المساجد وعلماء الافتاء السني وقادة الأحزاب في المناطق السنية للإطاحة بطموح المالكي بولاية ثالثة.

النواة الصلبة من تنظيم القاعدة في غرب العراق استثمرت هذه البيئة الغاضبة على الحكومة وبدأت تنتشر في مدن وخيم الاعتصامات وتعقد مجالس لأخذ البيعة للبغدادي فحققوا هناك الانتشار والتوسع الكبير والسريع، بعد أن انحسر نفوذهم عدا مناطق حوض الثرثار وغرب نينوى ووادي حوران وجزيرة راوة وبعدد أقل من 1000 إرهابي في كل العراق، وبإمكانيات اقتصادية ضعيفة.

في تلك الفترة نشأت داعش في الحدود الغربية العراقية والشرقية السورية، بحسب شهادة عبد الناصر قرداش.

يقول الأخير "صادف خروج أبو علاء العفري من السجن، واجتماع أبو مسلم التركماني، وحجي عبد الله أمير قرداش، وإهمال بغداد ودمشق التقارير الاستخبارية حول توسع ومباركة البعض من أبناء عشائر لأفكار تنظيم داعش في تلك الجغرافية، وكان البعد الطائفي والقومي هو الدافع الكبير وراء ذلك".

كُلف عبد الناصر قرداش في نشر فكر تنظيم داعش واخذ البيعة للبغدادي في الشرق السوري عام 2011، وقد نجح في ذلك بمعية كبار قادة التنظيم في ذلك الوقت.

يقول قرداش "إن البعد الطائفي يجب أن يطغى في التعامل مع مرحلة صعود وتأسيس تنظيم الدولة، فهي ضد بغداد ودمشق وتزعم أنها مع السنة لذا كان السكوت عليها وعدم انتقادها طيلة عام 2013 من غالبية السنة، وبغداد كانت لا تهتم للكيفية التي تعامل بها مفارز ومجموعات التنظيم أهالي تلك البيئة وتعتقد هو شأن يخصهم وشرها يقع على خصوم بغداد، والولايات المتحدة والخليج يعتقدون هذا صراع داخلي".

ومن خلال الاقتباس أعلاه من الحوار مع قرداش، يمكن أن نوضح مستويين من الدعم الذي حصلت عليه داعش في منطقة غرب العراق، هما:

- السرية واللامبالاة وغض البصر من قبل بعض العشائر في تلك المناطق، عن ممارسات التنظيم من أخذ الإتاوة وقطع الطريق الدولي والهجمات على قوات حرس الحدود والثكنات العسكرية والمراكز الأمنية ونهب دوائر الدولة.

- المستوى العسكري والراديكالي، المتمثل بالمعسكرات الخاصة بالتدريب ومخازن السلاح، بالنسبة إلى المستوى العقائدي فأن غالبية عناصر داعش درسوا وتربوا فكرياً في تلك البيئة منذ 2010-2013 في مدارس يديرها أبو علاء العفري وحجي عبد الله قرداش.

يقول عبد الناصر قرداش "كانت محاضرات أبو علاء العفري تشكل مرجعية فكرية للتنظيم، بل أكثر من ذلك، شكلت هذه المحاضرات نظاماً داخلياً وهادياً أساسياً لهم، فهي تتكون من 8 بنود تمثل بمجموعها منظومة تعاليم وأسس الولاء والبراء والتعريف بالأخر ومسائل الجاهلية ونواقض الإسلام وأحكام الدور وأحكام الجهاد وأحكام الغنائم وتوحيد الحاكمية وتكفير علماء السلاطين ونقد المرجئة الجدد ومسائل الجاهليَّة وكسر الحدود وكفر القومية والوطنية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية ووسائلها، واصبحت خارطة الطريق التي تنفذها داعش في جغرافيا الحدود بين العراق وسورية، وهي ما يأتي:

1- الدين الوحيد لتلك المناطق هو الإسلام السني كما يؤمن به البغدادي والعفري.

2- المنهج العملي يقوم على فقهيات انتخبها العفري والبغدادي والهيئات الشرعية قائمة على أن العمل ركن في الأيمان وفقاً لمناهج غلاة الفقهاء.

3- تكفير كل من يخالف عقيدة ومنهج التنظيم من الجماعات والحركات والتنظيمات الجهادية سواء كانت سلفية أو قاعدية وبشكل متساوٍ.

4- اجتثاث كل الزعامات الدينية والحزبية والحكومية والقومية والوطنية وعدم احترام نسيج سكان مناطق الحدود.

5- لا ذمة ولا عهد لكل من لا يبايع البغدادي، ومن يبايع يضمن حماية أرواح عائلته وأمواله وتوفير الأمن والأمان لهم.

6- تعمل لجنة الحسبة والتحقيقات وإقامة التعزيرات والحدود بكل قواها في تلك الجغرافيا.

7- المحكمة الشرعية للتنظيم والاحتساب هي المهيمنة والمسيطرة على المساجد والمنابر والتربية والتعليم، ويقضي القضاة وفق تعاليم البغدادي والعفري، وأنيطت هذه المناصب إلى الأشخاص الذين يتمتعون بالبيعة والتاريخ التكفيري الجهادي.

8- توزيع المناصب والمسؤوليات الإدارية والمالية والأمنية والعسكرية في قرى الحدود يتم على أساس ولاء الأشخاص لخلافة البغدادي."
 

علي قيس

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".