العراق

حجر الكورونا بعيون عراقيات من حبيسات المنازل

رحمة حجة
12 يونيو 2020

"هدوء.. صمت.. ملل.. أشتاق للشغل وللأصدقاء.. أشتاق أمر على المقهى اللي أحبّه أشتري كوب قهوة وأتمشى شوية.. أشتاق للمدينة" تسمع هذه الكلمات بصوت الفنانة العراقية زهراء غندور، في أول الفيلم القصير "أحلم".

حجرٌ داخل حجرٍ داخل حجر

#أحلم فيلم قصير للمخرجين العراقيين زهراء غندور وطارق تركي، يوثّق بطريقة فنية حجر النساء الأزلي في مجتمعات كثيرة ----- للمزيد من التفاصيل: https://bit.ly/2yQaf5A #خطيرة #Khateera Zahraa Ghandour / زهراء غندور

Posted by ‎خطيرة Khateera‎ on Sunday, May 31, 2020

 

تقول صاحبة العمل إلى جانب المخرج طارق تركي، في مقال على موقع "خطيرة"  إن الفيلم "يوثّق بطريقة فنية حجر النساء الأزلي في مجتمعنا العراقي، وغيره من المجتمعات التي تضطهد النساء، وتسلبهن أبسط حقوقهن، حق الخروج من المنزل بحرية".

الشابة العراقية غفران (22 عاماً) تعاني من هذا الحجر، تعقب على الفيلم القصير جداً بقولها "اسمه يمثلني حرفياً، فأنا أحلم في اليقظة يومياً، فأتخيّل نفسي أتمشى على شاطئ نهر دجلة أو في شارع من شوارع بغداد الحلوة".

وتتابع لـ"ارفع صوتك": "أحلم أنني أذهب لشارع المتنبي يوم الجمعة، أو أخرج لمتنزه في العيد، وهما أمران ممنوعان عنّي من أهلي، والسبب الازدحام".

من جهتها تقول ميم، وهو اسم مستعار اختارته صاحبته العشرينية "كلش لمس قلبي هالفيلم" مضيفة أنها تلعن دوماً كلمة "ممنوع ولا". 

"اليوم أنا خارج السجن نوعاً ما،  لكن هذا أخذ من عمري سنوات طويلة، عشت فيها داخل دائرة الذنب.. هذا الفيلم لخص شعوري".

عَزل غفران

"ولدت وعشت في محافظة ديالى لمدة ١٥ سنة، وفي الصف الثالث الابتدائي، كان الأمر: ممنوع الخروج، لقد كبرتِ".

تروي غفران لـ"ارفع صوتك" حكايتها المستمرة إلى الآن مع الحجر المنزلي، مستذكرة أول مرة خرجت فيها بعد المنع وهي لا تزال طفلة "خرجتُ حينها بعلم والدتي، ورغم ذلك ضربني أخي لأنني خرجت. هذا الموقف أثربي كثيراً، لا أنساه".

"في المتوسطة درست بمدرسة مختلطة، فكان والدي يأتي لاصطحابي، ويقف عند باب المدرسة حتى أخرج ويراقبني إن كنت أتكلم مع أولاد، فكنت أشعر بالإحراج أمام صديقاتي، والحزن أيضاً لأنه لا يثق بي" تقول غفران.

الانتقال من ديالى إلى بغداد لم يغيّر شيئاً في حياة غفران، تقول "خلال فترة الجامعة حياتي بينها والبيت فقط، وها أنا متخرّجة منذ سنتين، ولم أخرج سوى مرات معدودة".

وعن أثره عليها، تصفه بأنه "مؤذ جداً ومتعب نفسياً"، مضيفةً "وحين كنت أبكي بسبب هذا الحجر أذهب للحديقة أو للحمام. ليس لي غرفة خاصة".

كيف تواجهين هذه العزلة منذ سنوات؟ "بالأمل في المستقبل" تقول غفران، التي تعتقد أن الوظيفة ستُنجيها من الحجر، على الرغم من شرط الأهل "عمل حكومي فقط" وهو ما يصعب عليها إيجاده.

وأكثر ما تخافه، أن تتزوج بشكل تقليدي، كما هو المتوقع بالنسبة لحالتها، ومن شخص يشبه إخوتها، حيث لن يكون الخروج من عزلة العائلة سوى عزلة جديدة مجهولة المعالم.

"حالياً أحاول شغل نفسي بقراءة الروايات وتعلم اللغة الإنجليزية عبر يوتيوب" تقول غفران.

وتوضح لـ"ارفع صوتك" أن أحد إخوتها الذي يكبرها 12 عاماً هو الأكثر تساهلاً، وسمح لها باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ما عدا فيسبوك، كما تتم مراقبة حساباتها بحيث تُمنع من نشر صورها الشخصية أو المراسلة مع أحد خصوصاً الذكور.

وكانت حصلت على الهاتف النقال فترة دراستها الجامعية، لتسهيل التواصل والاطمئنان عليها من قبل أهلها.

قصّة ميم

تبلغ ميم  22 عاماً أيضاً، وتعيش في بغداد.

تقول إنها عاشت هذه العزلة شهوراً، قبل أن تحل العزلة على العالم بسبب فيروس كورونا، لكنها منذ سنوات قليلة نجت منها.

توضح ميم لـ"ارفع صوتك": "كان أبي حين يمر بأزمة عمل، يفرّغ طاقته السلبية في وإخوتي، كبرنا مع ذلك وتعايشنا معه. مثلاً كان يمنع عنا أي شيء ونُحرم الخروج من المنزل، أحياناً كانت ثلاثة شهور تمر دون أن نرى الشارع".

فترة الطفولة والمراهقة، حسبما تروي ميم، كانت وإخوتها "محرومين من أشكال الحياة التي يعيشها غيرهم"، تقول "شراء ملابس العيد ممنوع، زيارة الجيران ممنوعة، فقط نأكل ونشرب داخل هذا البيت، وحديقته هي أقصى حدودنا".

كما كان إخوتها يتعرّضون للعنف الجسدي، تقول ميم "كان أبي يضربهم ويربطهم وحتى يعرّضهم للحرق ويقص شعورهم، وغير ذلك الكثير...".

وتضيف "كنت أعتقد حينها، أن الزواج سيكون طوق نجاتي، وكنت أتلهف لتلك اللحظة، لكن الحمدلله أنها لم تحصل".

وعن الآثار النفسية للحبس المنزلي، تقول ميم "كنت فاقدة للثقة بالنفس، أشعر أنني متخلفة عن صديقاتي، لا أعرف كيف أنسق ملابسي، إذ لا أعرف اختيارها، فقد كنت محرومة من التسوّق، وكنت أرى الجميع سعداء إلا أنا..."

في المدرسة وجدت ميم حياة أخرى، صار لها مكان تنتمي إليه، وصديقاتها هناك أصبحن عائلتها الجديدة، وهو الأمر الذي استمر معها في الحياة الجامعية.

تقول "صرت أعتمد على نفسي، ولا أحتاج أحداً من عائلتي، واليوم تغيّر كل شيء، إذ كبرنا في بيئة فرقتنا، وكان جمعنا تحت سقف واحد إجبارياً، لذا وجد كل منا حياته بمفرده، لا أهمية لاجتماعنا، فما يُسمّى جو العائلة، شيء لا نحنّ إليه ولا نحبّه".

حبس الكورونا؟!

"بصراحه ما أشوف الناس محبوسين خلال الحظر لأن الإنترنت وحده يخلي الشخص متصل بالعالم الخارجي يمكن أكثر من أهله اللي عايش معهم" تقول ميم.

وترى أن الشخص داخل بيته أثناء فترة حظر التجوّل، يمكنه ممارسة هواياتها عبر الإنترنت، بالإضافة للتواصل مع من يحبهم.

"الحبس الحقيقي هو اللي يفتقد لأي وسيلة ترفيه أو تواصل مع الناس.. ما عشته كان يخلو من ذلك سوى التلفزيون..." تقول ميم.

وتعبّر عن الحبس "الحقيقي" بقولها "ذاك الذي يجرّد الإنسان من إنسانيته، الذي تدرك فيه أن لا سبب إلا الاضطراري القوي الذي يُخرجك منه"

أما غفران، فترى أن حظر التجوّل الذي يجبر الناس على البقاء في المنزل خوفاً من عدوى كوفيد-19 يشبه كما لو أن أحدهم ضربها على وجهها متسبباً بصدمة مفاتحتها بالحقيقة التي تعيشها، وفق تعبيرها، وحينها تبكي.

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".