حجر الكورونا بعيون عراقيات من حبيسات المنازل
"هدوء.. صمت.. ملل.. أشتاق للشغل وللأصدقاء.. أشتاق أمر على المقهى اللي أحبّه أشتري كوب قهوة وأتمشى شوية.. أشتاق للمدينة" تسمع هذه الكلمات بصوت الفنانة العراقية زهراء غندور، في أول الفيلم القصير "أحلم".
حجرٌ داخل حجرٍ داخل حجر#أحلم فيلم قصير للمخرجين العراقيين زهراء غندور وطارق تركي، يوثّق بطريقة فنية حجر النساء الأزلي في مجتمعات كثيرة ----- للمزيد من التفاصيل: https://bit.ly/2yQaf5A #خطيرة #Khateera Zahraa Ghandour / زهراء غندور
Posted by خطيرة Khateera on Sunday, May 31, 2020
تقول صاحبة العمل إلى جانب المخرج طارق تركي، في مقال على موقع "خطيرة" إن الفيلم "يوثّق بطريقة فنية حجر النساء الأزلي في مجتمعنا العراقي، وغيره من المجتمعات التي تضطهد النساء، وتسلبهن أبسط حقوقهن، حق الخروج من المنزل بحرية".
الشابة العراقية غفران (22 عاماً) تعاني من هذا الحجر، تعقب على الفيلم القصير جداً بقولها "اسمه يمثلني حرفياً، فأنا أحلم في اليقظة يومياً، فأتخيّل نفسي أتمشى على شاطئ نهر دجلة أو في شارع من شوارع بغداد الحلوة".
وتتابع لـ"ارفع صوتك": "أحلم أنني أذهب لشارع المتنبي يوم الجمعة، أو أخرج لمتنزه في العيد، وهما أمران ممنوعان عنّي من أهلي، والسبب الازدحام".
من جهتها تقول ميم، وهو اسم مستعار اختارته صاحبته العشرينية "كلش لمس قلبي هالفيلم" مضيفة أنها تلعن دوماً كلمة "ممنوع ولا".
"اليوم أنا خارج السجن نوعاً ما، لكن هذا أخذ من عمري سنوات طويلة، عشت فيها داخل دائرة الذنب.. هذا الفيلم لخص شعوري".
عَزل غفران
"ولدت وعشت في محافظة ديالى لمدة ١٥ سنة، وفي الصف الثالث الابتدائي، كان الأمر: ممنوع الخروج، لقد كبرتِ".
تروي غفران لـ"ارفع صوتك" حكايتها المستمرة إلى الآن مع الحجر المنزلي، مستذكرة أول مرة خرجت فيها بعد المنع وهي لا تزال طفلة "خرجتُ حينها بعلم والدتي، ورغم ذلك ضربني أخي لأنني خرجت. هذا الموقف أثربي كثيراً، لا أنساه".
"في المتوسطة درست بمدرسة مختلطة، فكان والدي يأتي لاصطحابي، ويقف عند باب المدرسة حتى أخرج ويراقبني إن كنت أتكلم مع أولاد، فكنت أشعر بالإحراج أمام صديقاتي، والحزن أيضاً لأنه لا يثق بي" تقول غفران.
الانتقال من ديالى إلى بغداد لم يغيّر شيئاً في حياة غفران، تقول "خلال فترة الجامعة حياتي بينها والبيت فقط، وها أنا متخرّجة منذ سنتين، ولم أخرج سوى مرات معدودة".
وعن أثره عليها، تصفه بأنه "مؤذ جداً ومتعب نفسياً"، مضيفةً "وحين كنت أبكي بسبب هذا الحجر أذهب للحديقة أو للحمام. ليس لي غرفة خاصة".
كيف تواجهين هذه العزلة منذ سنوات؟ "بالأمل في المستقبل" تقول غفران، التي تعتقد أن الوظيفة ستُنجيها من الحجر، على الرغم من شرط الأهل "عمل حكومي فقط" وهو ما يصعب عليها إيجاده.
وأكثر ما تخافه، أن تتزوج بشكل تقليدي، كما هو المتوقع بالنسبة لحالتها، ومن شخص يشبه إخوتها، حيث لن يكون الخروج من عزلة العائلة سوى عزلة جديدة مجهولة المعالم.
"حالياً أحاول شغل نفسي بقراءة الروايات وتعلم اللغة الإنجليزية عبر يوتيوب" تقول غفران.
وتوضح لـ"ارفع صوتك" أن أحد إخوتها الذي يكبرها 12 عاماً هو الأكثر تساهلاً، وسمح لها باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ما عدا فيسبوك، كما تتم مراقبة حساباتها بحيث تُمنع من نشر صورها الشخصية أو المراسلة مع أحد خصوصاً الذكور.
وكانت حصلت على الهاتف النقال فترة دراستها الجامعية، لتسهيل التواصل والاطمئنان عليها من قبل أهلها.
قصّة ميم
تبلغ ميم 22 عاماً أيضاً، وتعيش في بغداد.
تقول إنها عاشت هذه العزلة شهوراً، قبل أن تحل العزلة على العالم بسبب فيروس كورونا، لكنها منذ سنوات قليلة نجت منها.
توضح ميم لـ"ارفع صوتك": "كان أبي حين يمر بأزمة عمل، يفرّغ طاقته السلبية في وإخوتي، كبرنا مع ذلك وتعايشنا معه. مثلاً كان يمنع عنا أي شيء ونُحرم الخروج من المنزل، أحياناً كانت ثلاثة شهور تمر دون أن نرى الشارع".
فترة الطفولة والمراهقة، حسبما تروي ميم، كانت وإخوتها "محرومين من أشكال الحياة التي يعيشها غيرهم"، تقول "شراء ملابس العيد ممنوع، زيارة الجيران ممنوعة، فقط نأكل ونشرب داخل هذا البيت، وحديقته هي أقصى حدودنا".
كما كان إخوتها يتعرّضون للعنف الجسدي، تقول ميم "كان أبي يضربهم ويربطهم وحتى يعرّضهم للحرق ويقص شعورهم، وغير ذلك الكثير...".
وتضيف "كنت أعتقد حينها، أن الزواج سيكون طوق نجاتي، وكنت أتلهف لتلك اللحظة، لكن الحمدلله أنها لم تحصل".
وعن الآثار النفسية للحبس المنزلي، تقول ميم "كنت فاقدة للثقة بالنفس، أشعر أنني متخلفة عن صديقاتي، لا أعرف كيف أنسق ملابسي، إذ لا أعرف اختيارها، فقد كنت محرومة من التسوّق، وكنت أرى الجميع سعداء إلا أنا..."
في المدرسة وجدت ميم حياة أخرى، صار لها مكان تنتمي إليه، وصديقاتها هناك أصبحن عائلتها الجديدة، وهو الأمر الذي استمر معها في الحياة الجامعية.
تقول "صرت أعتمد على نفسي، ولا أحتاج أحداً من عائلتي، واليوم تغيّر كل شيء، إذ كبرنا في بيئة فرقتنا، وكان جمعنا تحت سقف واحد إجبارياً، لذا وجد كل منا حياته بمفرده، لا أهمية لاجتماعنا، فما يُسمّى جو العائلة، شيء لا نحنّ إليه ولا نحبّه".
حبس الكورونا؟!
"بصراحه ما أشوف الناس محبوسين خلال الحظر لأن الإنترنت وحده يخلي الشخص متصل بالعالم الخارجي يمكن أكثر من أهله اللي عايش معهم" تقول ميم.
وترى أن الشخص داخل بيته أثناء فترة حظر التجوّل، يمكنه ممارسة هواياتها عبر الإنترنت، بالإضافة للتواصل مع من يحبهم.
"الحبس الحقيقي هو اللي يفتقد لأي وسيلة ترفيه أو تواصل مع الناس.. ما عشته كان يخلو من ذلك سوى التلفزيون..." تقول ميم.
وتعبّر عن الحبس "الحقيقي" بقولها "ذاك الذي يجرّد الإنسان من إنسانيته، الذي تدرك فيه أن لا سبب إلا الاضطراري القوي الذي يُخرجك منه"
أما غفران، فترى أن حظر التجوّل الذي يجبر الناس على البقاء في المنزل خوفاً من عدوى كوفيد-19 يشبه كما لو أن أحدهم ضربها على وجهها متسبباً بصدمة مفاتحتها بالحقيقة التي تعيشها، وفق تعبيرها، وحينها تبكي.
