العراق

كورونا في السجون العراقية.. مخاوف وتحذيرات

08 يوليو 2020

حذرتْ وزارة العدل العراقية، من اتساع تفشي فيروس كورونا المستجد، في السجون بعد تسجيل إصابة 31 إصابة  من أصل 600 من نزلاء سجن الأحداث بالكرخ ببغداد والذي يضم شبابا تتراوح اعمارهم بين 18 إلى 22 عاما، مؤكدة أن إمكانات مواجهة الفيروس محدودة.

وقال مدير دائرة إصلاح الأحداث في وزارة العدل كامل أمين إن "الدائرة اتخذت الإجراءات اللازمة منذ شباط الماضي بما لديها من إمكانات متواضعة لحماية الأحداث من جائحة كورونا، ولكن إصابة بعض العاملين في السجون والحرّاس الإصلاحيين نهاية حزيران الماضي، نقل العدوى إلى النزلاء، لا سيما أن أغلبهم من مناطق موبوءة بالمرض".

ودعا أمين إلى "فحص بقية النزلاء من أجل القيام بعملية العزل لعدم وجود إمكانات لنقلهم إلى المستشفيات، إذ لا توجد ردهات سجنية متخصصة بهذا الأمر".

وقال إن "الدائرة تتحرك بالفعل لتنفيذ إجراءات لتخفيف الاكتظاظ في السجن، بما في ذلك نقل السجناء السليمين إلى موقع في سجن الرشاد جانب الرصافة ضمن دفعة أولى، وتجري عملية النقل تباعا من أجل تهيئة قاعات عزل للمخالطين والملامسين بسجن الكرخ، أي تخصيصه كموقع عزل وحجز للمصابين والملامسين، فضلاً عن استمرار عمليات التعفير". 

 

بؤرة ناقلة

من جهته، يرى  الناشط الحقوقي ناجي خضر، أن إجراءات دائرة إصلاح الأحداث لن تكون كافية، لآنها تفتقر إلى القدرة اللازمة للتعامل مع الوباء".

ويقول لـ "ارفع صوتك": "عدم الإقدام منذ البداية على اتخاذ الخطوات الضرورية للحفاظ على سلامة النزلاء من حيث الطاقة الاستيعابية وكذلك الخدمات الإنسانية والصحية لن يضمن تخطي الجائحة بسهولة".

وتواجه مراكز التوقيف والاحتجاز والسجون العراقية كافة انتقادات بشأن حالات الاكتظاظ الحاصلة فيها، فضلا عن الافتقار لأبسط الخدمات هناك. 

ويشير خضر إلى أنه خلال المراحل الأولى لأزمة كورونا، كانت هناك مناشدات ومطالبات حول بيئة السجون بوصفها "بؤرة ناقلة للوباء" لكن لم يدركوا خطورة الأمر.

وكان مجلس القضاء الأعلى، أخلى منذ حوالي شهرين سبيل ما يقارب 16 ألف متهم وألف محكومة بينهم 50 حدثاً، ضمن سلسلة إجراءات وقائية للحد من انتشار فيروس كورونا.

 

المنظومة الصحية

أعربت مفوضية حقوق الإنسان، عن قلقها من أوضاع السجون العراقية في الوقت الحاضر، حيث تضرب جائحة كورونا مناطق البلاد وتتصاعد أعداد الإصابات في الموجة الثانية من الوباء.

مقابل ذلك، يخشى المحامي أسعد مهيمن من فشل السيطرة على الأزمة داخل مراكز الاحتجاز والسجون. 

ويقول لـ "ارفع صوتك" إن "المشكلة ليست في ذلك فقط، بل في احتمالية انهيار المنظومة الصحية في البلاد، وبالتالي يكون تزايد أعداد الوفيات بين السجناء أمراً طبيعياً".

ويشير مهيمن إلى أن الجميع على دراية في أن السجون العراقية لا تتوفر فيها النظافة اللازمة وكذلك الرعاية الصحية، إذ تنتشر فيها الأمراض المعدية كالسل والربو والجرب وغير ذلك.

وكان مدير صحة الكرخ جاسب الحجامي، قدم قبل أيام مقترحا بعد تسجيل إصابات بكورونا في السجون، يتضمن إصدار أوامر بخروج النزلاء الذين لا يشكل خروجهم ضرراً على المجتمع.

وأضاف "على أن يخرجوا بكفالة مناسبة ثم تتم إعادتهم لإكمال مدة محكوميتهم بعد انقضاء الجائحة". 

 

أماكن الحجر

في السياق ذاته، دعا نائب رئيس كتلة تحالف القوى رعد الدهلكي، المنظمات الإنسانية والصحية العالمية إلى زيارة أماكن الحجر الصحي للمصابين بوباء كورونا والسجون العراقية للاطلاع على فداحة الإجراءات والأوضاع التي يعيشها المتواجدين هناك.

وقال الدهلكي إن "تلك المحاجر أصبحت أسوأ من وضع السجون والمعتقلات في دول أخرى، ما تسبب بهروب البعض من المشتبه بإصابتهم أو ممن ثبتت الاصابة لديهم بالمرض من تلك المحاجر للنجاة بحياتهم والموت بكورونا بدل الموت في ذلة تلك المحاجر التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة للإنسان".

"إضافة إلى وجود عزوف من البعض في التبليغ عن حالات الاشتباه بالمرض نتيجة خشيتهم من الوضع في تلك المحاجر البائسة" يقول الدهلكي.

ولا يستغرب الناشط في مجال حقوق الإنسان محمد واثق من الآثار السلبية على أماكن الحجر.

ويقول لـ "ارفع صوتك": "من الطبيعي أن تكون أماكن الحجر للمصابين بكورنا بائسة، لأنه غالبا ما تعاني السجون ومراكز التوقيف والحجز من الإهمال والاستغلال والرشاوى وغير ذلك". 

وتوقع واثق أن أعداد المصابين بكورونا من السجناء أكثر بكثير من المصرح بها. 

ويضيف أن "هناك الكثير من المعتقلين غير محكومين ولا نعلم شيئاً عنهم منذ سنوات طويلة". 

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.