العراق

صحافيون عراقيون: الحكومة غير جادة في حمايتنا من المليشيات

دلشاد حسين
17 يوليو 2020

اغتيالات واختطافات وتهديدات بالتصفية تنفذها مليشيات مسلحة تابعة لإيران ضد الصحفيين والناشطين العراقيين، وتحذيرات من جهات أمنية عراقية للعديد من الصحفيين بإمكانية استهدافهم من قبل المليشيات.

وتسببت تصاعد التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون والمدونون والناشطون العراقيون من قبل المليشيات المسلحة التابعة لإيران وعملية اغتيال الخبير الأمني والاستراتيجي العراقي هشام الهاشمي الى اثارة مخاوف هذه الفئة من المجتمع العراقي الأمر الذي تسبب في تغيير الكثيرين منهم لعناوين سكنهم من خلال التنقل للعيش في مدن عراقية أخرى أو محاولة الهجرة الى خارج البلاد لنجاة بأنفسهم وعائلاتهم من إرهاب المليشيات الايرانية.

إسماعيل كاظم (اسم مستعار)، وهو صحافي عراقي من بغداد اضطر خلال الأشهر الماضية إلى تغيير عنوان سكنه عدة مرات ما بين بغداد ومدن إقليم كردستان والعاصمة اللبنانية بيروت، تفاديا لعملية استهدافه من قبل المليشيات بعد تغطيته للاحتجاجات الشعبية التي انطلقت أكتوبر 2019 وتشهد حالة من الهدوء النسبي.

وقال كاظم لموقع "ارفع صوتك": "حدثت غالبية عمليات استهداف الصحفيين والناشطين أثناء فترة حكومة عادل عبدالمهدي السابقة خاصة منذ انطلاقة ثورة تشرين، الحكومة السابقة متورطة باستهداف الصحفيين والناشطين والمتظاهرين".

"أما الحكومة الحالية فرغم ادعائها أنها صديقة الصحفيين وكان من المفترض عليها تأمين الحماية للصحفيين والناشطين لكنها ليست جادة حتى الآن" حسب قوله.

وأشار كاظم إلى أن الصحفيين المستقلين والباحثين والناشطين الفاعلين على الساحة العراقية تلقوا قبل عملية اغتيال الباحث والخبير الأمني هشام الهاشمي وبعده، تحذيرات من بعض الجهات المسؤولة داخل المنظومة الأمنية بضرورة توخي الحذر من التعرض للاستهداف من جماعات مسلحة إثر وجود قائمة تحتوي أسماء عدد كبير من الصحفيين المعرضين للملاحقة والاستهداف من قبل هذه الجهات المسلحة.

وأضاف "نحن نقلنا هذه التحذيرات إلى الجهات الحكومية ومن ضمنها رئاسة الوزراء ومكتب رئيس الوزراء وطالبنا بتوفير الحماية الأمنية لنا في مكاتبنا، لكن الحكومة حتى الآن ليست جادة والجهة التي تستهدف الصحفيين معروفة لدى الحكومة وأجهزتها الأمنية".

وبحسب المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب (مركز عراقي غير حكومي يسعى لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتوثيق جرائم الحرب) شهد العراق عام 2019 انتهاكات خطيرة غير امسبوقة طالت المؤسسة الصحفية وعامليها في العراق، وقد سُجلت 373 حالة اعتداء على الصحفيين والإعلاميين بينها اغتيال وتهديدات بالتصفية الجسديّة في محافظات العراق كافة.

وكشفت إحصائية للانتهاكات ضد الناشطين والإعلاميين في العراق صادرة عن المركز حصل موقع (ارفع صوتك) على نسخة منه أن "37 صحفيا وناشطا عراقيا اغتيلوا خلال الفترة الممتدة ما بين الأول من أكتوبر 2019 ونهاية يناير 2020، وبلغت حالات الاختطاف في صفوف الناشطين 41 حالة، فيما بلغت حالات تعرض الناشطين والصحفيين للقتل والاستهداف والتهديد نحو٧٣ حالة من ضمنها ٩ حالات خطف واعتقال".

وأوضح المركز أن الحكومة العراقية السابقة أصدرت نحو 130 أمر اعتقال بموجب قوانين مكافحة الإرهاب ضد الناشطين المشاركين في الاحتجاجات والصحفيين الذين يغطون التظاهرات، مبينا أن أكثر من 50 صحفيا اضطروا الى ترك عملهم في بغداد، وفروا إلى جهات مجهولة خوفا من القتل والاعتقال.

وشدد مصطفى ناصر رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق على أن اغتيال هشام الهاشمي، أثار مخاوف الكثير من الصحفيين والناشطين والمحللين السياسيين والباحثين وأصحاب الرأي، خاصة مع وجود معلومات عن توعد عدد من الجماعات المسلحة بملاحقة واغتيال مجموعة من النخب والناشطين والصحفيين بذريعة ارتباطهم بالمعسكر الغربي.

وتابع ناصر لموقع (ارفع صوتك) أن "إثارة هذه المخاوف يسكت العديد من الأصوات المعتدلة داخل الوسط الصحفي ويدفع بالعديد من الصحفيين الى تغيير أماكن عملهم وسكناهم مجددا، هذا الوضع لم يتوقف منذ العام الماضي ولحد الآن لأن رئيس الوزراء والحكومة السابقة والحالية ليست من أولوياتها حماية حرية الصحافة والتعبير بشكل عام".

واستبعد حدوث أي متغيرات في المرحلة المقبلة في ظل الصراع السياسي الذي مازال ماثلا ومسيرا على كافة مفاصل الدولة الأمر الذي قد يؤدي استمراره الى المزيد من التشنجات إذا لم يتمكن رئيس الوزراء من فرض هيبة القانون والسلطة وحماية الصحفيين فسيبقى الحال على ما هو عليه أو اسوء.

عمليات اغتيال الصحفيين والناشطين وتهديدهم وترهيبهم وتهجيرهم من مدنهم لم تكن في بغداد لوحدها بل شملت محافظات وسط وجنوب العراق التي شهدت العديد من عمليات الاغتيال.

وقال الناشط عمار سرحان، من البصرة، إن المليشيات والأحزاب "تستخدم الترهيب والقتل ضد الناشطين والصحفيين بمجرد نقلهم صوت المتظاهرين".

وأضاف لموقع "ارفع صوتك": "بمجرد نقل القناة أو المؤسسة الإعلامية لصوت المتظاهر، يتعرض مراسلها للتهديد وتوجه اتهامات للقناة والمؤسسة، ويضطر المراسل أو الموظف الى ترك هذه القناة والمدينة بعد التعرض للتهديدات والضغوطات".

وبين أنه واحد من الناشطين البصريين الذين فكروا بترك المحافظة والعيش في مدينة أخرى او السفر الى تركيا خوفا من التعرض للاستهداف، موضحا "بدأنا نتحرك بحذر شديد ونتنقل بخفية، قبل فترة من الان انا واحد أصدقائي الناشطين كنا داخل السيارة متجهين الى احدى المناطق فتعرضنا للملاحقة من قبل سيارة يقودها شخص مجهول داخل البصرة وبعد عدة محاولات نجحنا في الاختفاء منه والنجاة، وهذه واحدة من جملة مخاطر يومية نتعرض لها في البصرة لقولنا الحقيقة".

وأكد أن نتائج أي التحقيقات في حوادث مقتل الصحفيين والناشطين خلال السنوات والاشهر الماضية لم تظهر حتى الآن رغم استمرار الحكومات المتعاقبة بتشكيل اللجان عند حدوث أي حادثة، وهذا يعني أن حرية الصحافة بالعراق في خطر إثر استمرار القمع والترهيب المتواصل من قبل المليشيات والأحزاب وحتى من قبل السلطة.

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".