العراق

رجل يتحدّث: جرّبت أن أكون امرأة عراقية ليومين

23 يوليو 2020

بغداد- أحمد محسن

تزداد وتيرة السجال النسوي هذه الأيام بين جمهور من النساء الشابات الثائرات على واقع الحال الاجتماعي المفروض عليهن بين قبل الأسرة والأعراف، وهو سجال لا يخلو من الجدل، ولا الرجال، أحياناً.

أتابع الشد والجذب في الحوار على مواقع التواصل بصمت، فأنا لستُ امرأة ولا أرى أنّ من حقي أن أكون متآمراً آخر على نساء قد لا يملكن من الحرية أكثر من مساحاتهن الخاصة على مواقع التواصل.

ولكن، استوقفني تعليق إحداهن على جملة كررتها غالبية الشابات، ومن بينهن النساء في أسرتي حول وضع الرجال والشباب أثناء حظر التجوال وهو "صار الرجال حالهم من حالنا"، مشيرات إلى القعود في البيت.

إلا أن هذه الشابة رفضت المقارنة، وقالت "ماكو مقارنة. الولد يطلعون يروحون يجون ويا أصدقاءهم. احنه حتى هاي ماكو! عدا انّه  نتحمل عصبيتهم لأن كاعدين بالبيت!". 

أقنعني الحديث بأن أجري تجربة اجتماعية مع نفسي: سأكون امرأة لعدة أيام. نعم، قررت اليوم التخلي عن رداء الذكر العراقي بكل ما يملكه من امتيازات وأولويات اجتماعية، وأن ارتدي شخصية الفتاة العراقية وأتعايش مع الظروف اليومية التي تواجهها. كان تغييراً ذهنياً فقط، فلن أستطع إخفاء ملامحي الجسدية أو التظاهر، ولو تمثيلاً، بأنّي أنثى فذلك سيعرضني للقتل المحتم!

خلاصة التجربة أن أضع نفسي مكان الفتاة في البيت والشارع والسوق ومكان العمل، وأن أتصرف مثلها وفق معرفتي بما تتعايش معه بشكل يومي من أنواع التضييق والمضايقات.  

 

"بنات الناس ميطلعون بليل"

أدركت فوراً أنني سأفشل من اليوم الأول للتجربة، إذ تواعدت مع صديق لي للخروج مساءً، لكني قررتُ الاستمرار في الدور، فاستأذنتُ من والدتي إن كانت تسمح لي بالخروج.

نظرت أمّي إليّ دون تعليق، وعادت إلى مشاهدة برنامجها المفضّل على جهاز "الآيباد". حين كررتُ السؤال أجابتني "روح منو لازمك؟ ماريد شي"، فقد ظنّت أنني أسألها إن كانت تريد مني شيئاً ولم يخطر على بالها أنني أطلب موافقتها.

ماذا لو كنت فتاة؟ لا حاجة للتفكير كثيراً، سيكون جوابها بلا شك "بنات الناس ميطلعون بالليل". اتصلت بصديقي لأبلغه بأنّني لا أستطيع الخروج، فارضاً على نفسي قيداً وهمياً لن أعيشه لكوني رجلاً. 

في عصر اليوم التالي كنت خارجاً للتسوّق ولفتت انتباهي سيدة متقدمة في السن وبكامل صحتها تسير في حرارة الصيف مرتدية ملابس كثيفة وعباءة. كانت نقطة أخرى لم أنتبه لها، فأنا خرجت من البيت أرتدي "تي شيرت" وبنطلون خفيف، لم تصدر أي ردة فعل من الناس في المنطقة التي أسكن فيها وأنا أسير، ولكن ماذا كان سيحدث لو كنتُ فتاة ترتدي "تي شيرت" أو أي شيء يخفف من قساوة شمس تموز ونزلتُ إلى السوق؟

ربما ستتوجه إليّ نظرات الناس مستغربة، دون أن تخلو من الامتعاض، ولن يقتصر الأمر على النظرات فقط، بل قد يتحول إلى تنابز بالألفاظ البذيئة لإدانة ملابسي، وربما يصل الأمر إلى التحرش الجسدي.

نفس التساؤل تكرّر وأنا أستقل وسيلة النقل الرخيصة "الكيا"، حيث تتجنّب كثير من الفتيات استخدامها في العراق خوفاً من التحرّش، كما لا تستقل سيارة أجرة (تاكسي) إن كانت وحدها، فقد  تقع ضحية نوايا صاحبها السيئة.

كنت مخلصاً للتجربة، لذلك وفي اليوم الثاني ارتديتُ قميصاً طويل الأكمام، وكان هذا بمثابة "حجابي".

اعتدتُ السير يومياً مسافة لا تتجاوز 15 دقيقة بين آخر محطة للكيا ومحل عملي، وكاد الحر أن يوقعني. مجرّد تخيلي بأنّي أرتدي أكثر أو أغطي رأسي ورقبتي كاد يخنقني.

يقع مكتبي في شارع عام مزدحم يضم سوقاً وعيادات وصيدليات، ولا يكون خالياً أبداً. استعجلت السير ومررتُ من بين العشرات من الرجال كي أصل مكان العمل، حيث جهاز تبريد للخلاص من حرارة الجو وقساوة الأكمام الطويلة في شهر تموز! وتكرّر السؤال ذاته: لو كنت فتاة، هل سأستمكن من شق الطريق بسهولة دون التعرّض للمضايقات؟ على الأرجح، لو كنت فتاةً مضطرة للسير وسط سرب من الذكور، لطأطأت رأسي وسرت قريباً من الجدار، لا أرفع عيني عن الأرض ولا أجيب الكلمات التي تتوجه إليّ،  فالدفاع عن نفسي قد يعرضني للضرب، والاتهامات ستوجّه ضد ما أرتديه حتى لو كنت في كامل الستر.

وهنا، تذكرتُ كيف يوصف الشاب الذي يرد باللكمات على من يخطئ بحقه بأنّه "بطل ميخاف شي"، بينما الفتاة التي ترد على المتحرش بها لفظياً، توصف بأنها "جسرة". 

تقول د.ح (24 عاماً): "أنا محجبة وملابسي طويلة صيفاً وشتاء وأتعرض يومياً للتحرش في طريقي إلى العمل لفظياً أو جسدياً".

كما أكدت أ.س (20 عاماً) لي أيضاً أنها تتعرّض "يومياً اللفظية والجسدية ولا تستطيع الرد بشيء لأن الناس سيقولون إنها (وكحة) أو (لو هي شريفة كان سكتت)" . 

عجزتُ عن إتمام التجربة لأكثر من يومين تخللهما الكثير من "الغش" الذي مارسته كوني ذكراً.

لم أتطرق في تجربتي إلى القضايا العميقة، فلم أخض مثلاً تجربة خطوبة أو زواج قسري، لم أسمع من المجتمع شروطاً يجب تحقيقها لكي أعتبر "طبيعية"، مثل الزواج المبكّر وطاعة الزوج في كل شيء حتى إن كان عنيفاً، كما لم يُسلب خلال هذين اليومين حقي في إكمال الدراسة أو تقرير مستقبلي، ولم يضربني أخي لأنه يمرّ بوقت عصيب، ولم يذبحني أبي لأنّي مارستُ حقي في الحب.

حاولتُ أن أكون فتاة عراقية ليومين، فحرمتُ نفسي من التنزّه على الدراجة الهوائية مثلما اعتدت أن أفعل، ولم أخرج مساءً مع أصدقائي، ولم أسهر، وارتديتُ ملابس لا تناسب الصيف. كانت هذه أقصى تضحياتي وهي في الحقيقة أقلّ همومهنّ!

بالتأكيد لا يوجد تعميم، فهناك فتيات حظينَ بأسر متفهمة ولديهن مساحة حرية أوسع من الحالة العامة، ولكن النسبة الأكبر من نساء العراق مقيّدات في زوايا الخجل والخوف والانصياع طوعاً لما وجدنَ عليه الأمهات والجدّات.

ومن تطالب بحقها في الحرية تصطدم مع الحرس القديم الذي يضم أيضاً نساءً يدافعن عن الأنظمة الربوبية الذكورية تحت مسميات مثل "الشرف". 

حاولتُ أن أكون فتاة عراقية، ولم أنجح. فأنا لا أملك صبر نساء العراق ولا ثباتهنّ، ولكني مدينٌ بأن أكون حليفاً لهن.

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".