العراق

بعد ثلاثين عاماً على الحرب.. كيف هي العلاقات بين العراق والكويت؟

31 يوليو 2020

قبل ثلاثين عاماً، قرر صدام حسين دخول دولة الكويت المجاورة وأعلنها "المحافظة رقم 19" للعراق.

أما اليوم، أعاد معارضوه، الذين باتوا في السلطة العلاقات مع الجار الاستراتيجي، لكن جراح حرب الخليج الثانية لا تزال قائمة بالنسبة للكويتيين والعراقيين.

يجمع العراقيون على أن الحرب التي بدأت رحاها في الثاني من آب/أغسطس 1990 وانتهت في السادس من آذار/مارس 1991 بتدخل من تحالف دولي قادته واشنطن "كان بداية النهاية" لنظام حسين.

تقول أم سارة، وهي مدرسة متقاعدة من بغداد، إنه "منذ غزو الكويت لم نر استقراراً ولا أمناً"، إذ أن القائمة تطول بدءاً من الحصار، مروراً بأحداث 2003 والحرب الأهلية والعنف الطائفي، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش للعراق.

بدأ كل شيء بعد أربعة أيام من دخول القوات العراقية إلى الكويت. أعلنت الأمم المتحدة حينها حصاراً لم يخرج منه العراقيون إلا بعد دخول الأميركيين للبلاد في عام 2003 وإطاحة نظام صدام حسين.

"أكلنا أعلاف الحيوانات"

في مدينة الكوت بمحافظة واسط (جنوب شرق بغداد)، كان مرتب جاسم محمد الذي يعمل مدرسا في تلك الفترة يساوي "سعر دجاجة في السوق".

يتذكر محمد (44 عاما)، في بعض الأيام "أكلنا كل شيء في الحصار، حتى أعلاف الحيوانات حولناها غذاء".

ويشير محمد لوكالة الصحافة الفرنسية إلى أن "الحصار غير أخلاقيات المجتمع، وكان الخطوة الأولى لخلق الفساد المالي والإداري في البلد"، الذي يحتل مراتب متقدمة اليوم في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم.

عايش هشام محمد مرحلة تدني المستوى الطبقي لوالده، الذي كان من أهم مستوردي معدات البناء.

يقول هشام الخمسيني، "بعد دخول العراق في حصار شديد وانهيار العملة وتوقف الاستيراد بشكل تام، فقد والدي عمله التجاري وكل الأموال التي كان لديه نقداً، قرابة مئة ألف دينار، أي ما كان يساوي ثلاثة ملايين دولار، وصارت فجأة بلا قيمة".

ازدهرت حينها طبقات أخرى من المجتمع، وهي طبقة الـ"جُد بالموجود" أو "تدبّر نفسك"، وهم أولئك الذين كانوا يعرفون كيفية تجديد إطار مثقوب، أو تحويل توربينات من دون قطع غيار، والذين أعادوا استخدام قناديل الكاز بغياب الكهرباء، أو استخدام الثياب البالية لمئات المرات.

أما الجيش، فقد خسر كل شيء، وعلى مرأى من كاميرات العالم أجمع الذي كان يواكب "عاصفة الصحراء"، أولى الحروب المنقولة مباشرة على الهواء.

رأى سرمد البياتي، الذي كان ضابطاً في تلك الحقبة، جنوداً يعودون إلى العراق مشياً! وبمجرد عودتهم "كانوا يمتهنون أعمالاً صغيرة أثناء الإجازة لتغطية نفقاتهم".

الجانب الكويتي

ومع غرق العراق في الركود الاقتصادي، ازدهرت الكويت.

لكن عائلات عدة لا تزال ترثي قتلاها ومفقوديها، ولا يزال السجناء السابقون يتحدثون عن التعذيب. 

وأعيدت إلى الكويت جثث عثر عليها في مقابر جماعية في جنوب العراق.

قامت عائلة أحمد قبازرد، أحد وجوه "المقاومة الكويتية" الذي تعرض للتعذيب وأعدم، بتحويل المنزل الذي دمره العراقيون جزئياً، إلى متحف صغير لأهوال الاحتلال.

ورغم إعادة بناء المنزل اليوم، تقول ابنته شروق التي كانت في السابعة من عمرها وقتذاك "لا أستطيع أن أقول إنني متصالحة مع نفسي في مشاعري مع الشعب العراقي، ولكن هذا ليس ذنبهم. لقد اكتشفنا بعد سنوات أن العراقيين كانوا يعانون من القمع وعانوا من الطاغية صدام حسين".

غيداء العامر شعرت أيضاً بـ"فرحة" عند سقوط نظام صدام حسين في العام 2003.

فقبل 20 عاماً من ذلك اليوم شنقت أختها "بواسطة سلك كهربائي بعدما أخذتها القوات العراقية، بسبب انضمامها للمقاومة الكويتية".

الديون قائمة

سجلت الكويت كل الدمار وعمليات القتل والتعذيب والسجن، وحددت خسائرها، وقدمت الأمم المتحدة الفاتورة إلى العراق.

وخلال ثلاثين عاماً، دفعت بغداد 51 مليار دولار، ولا يزال العراق، الذي يشهد أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه اليوم، مديناً بنحو أربعة مليارات دولار.

استغرق إصلاح العلاقات بين البلدين 20 عاماً، ولم ترفع الأمم المتحدة العقوبات التي فرضتها في العام 1990، إلى في العام 2010، أي بعد سبع سنوات من سقوط صدام حسين.

ورغم ذلك، لا تزال الخلافات الحدودية قائمة، إذ أن العراق يعترف بالحدود البرية التي رسمتها الأمم المتحدة في العام 1993، لكنه يعتبر أن حدوده البحرية تمنعه من الوصول إلى الخليج، وهو أمر حيوي لاقتصاده.

ولذلك تعتقل البحرية الكويتية الصيادين العراقيين بانتظام.

أما المفقودون، فلا يزالون بالآلاف من الجانبين.

وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لم تتم إعادة سوى 215 كويتياً و85 عراقياً.

لكن بالمجمل، تحسنت العلاقات بشكل كبير بين البلدين.

وفي عام 2018 استضافت الكويت مؤتمراً للمانحين لإعادة بناء العراق، وكانت أول من ساهم بمبلغ ملياري دولار.

لكن شروق قبازرد تلفت إلى أنه "لا يمكن أن أنسى تلك الحرب".

وتضيف أن تلك "أهم مرحلة بالنسبة لجيلي، يمكن أن نتسامح ونتصالح، لكن لا يمكن أن ننسى ما حصل".

مواضيع ذات صلة:

عودة الأيزيديون إلى قضاء سنجار غرب الموصل
صورة أرشيفية لعودة نازحين إلى مناطقهم في قضاء سنجار، عام 2020

"الخدمات البلدية معدومة في سنجار ونعاني من نقص المياه الصالحة للشرب، والمساعدات الإنسانية قليلة. إذا قارنّا بين العيش في سنجار والمخيمات، العيش في المخيمات أحسن"، يقول العراقي جلال علي لـ"ارفع صوتك" وهو نازح أيزيدي عاد مؤخراً إلى سنجار.

يستدرك القول "رغم ما نعانيه من أوضاع صعبة، لكن سنجار أرضنا ومن الواجب العودة إليها".

وكانت الحكومة العراقية قررت في يناير الماضي، تحديد 30 يوليو المقبل موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية للنازحين، ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح الذي يقترب عمره من 10 سنوات.

وتحتضن محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان شمال العراق 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تضم وفق إحصائيات مكتب الهجرة والمهجرين في دهوك 25600 عائلة، بينما يعيش أكثر 38700 عائلة نازحة خارج المخيمات.

يقول مدير المكتب بير ديان جعفر، إنهم لم يتلقوا حتى الآن أي كتاب رسمي باتخاذ الاستعداد لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن "سياسة حكومة إقليم كردستان واضحة، وهي عدم إغلاق أي مخيم بشكل قسري، لذلك فإن النازحين أحرار وسوف نقوم بخدمتهم حتى يقرروا الرجوع إلى مناطقهم بمحض إرادتهم".

ومنذ تحرير سنجار وأطرافها من تنظيم داعش الإرهابي في نوفمبر 2015 حتى اليوم، لا تزال  المدينة تعاني من التجاذبات السياسية، إلى جانب سيطرة الأذرع المحلية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وعدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

هذه الأمور شكلت عائقاً أمام النازحين للعودة، خشية حصول أي تدهور أمني مفاجئ أو صدامات بين الأطراف المسلحة، عدا عن الغارات التركية التي تحدث بين حين وآخر مستهدفةً مسلحي حزب العمّال.

من جهته، يقول الناشط الأيزيدي فيصل علي، وهو يعيش في أحد مخيمات زاخو، إن النازحين وبشكل خاص نازحو سنجار "أصبحوا ورقة ضغط سياسية في وقت يواجهون  ظروف النزوح القاسية منذ 10 سنوات".

ويعتبر أن قرار إغلاق المخيمات "سياسي بامتياز" مردفاً "الضغوطات الحكومية على النازحين عالية وغير موفقة، لأن النازحين أيضاً يريدون العودة لكن بأرضية مهيّأة وباستقرار المنطقة كما يطالبون بالتعويضات".

ويوضح علي لـ"ارفع صوتك": "استعدادات الحكومة العراقية لاستقبال النازحين في سنجار غير كافية وغير مدروسة. المفروض من الحكومة قبل أن تعلن عن موعد إغلاق المخيمات وإعادة النازحين تهيئة أجواء سنجار بشكل مناسب، عبر إعادة إعمار بيوت النازحين وبناء بيوت العائدين وتخصيص تعويضات مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار".

وخصصت الحكومة مبلغ 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

هذا المبلغ "غير كاف" يقول علي، مبيّناً "يحتاج العائد إلى المدينة وقتاً طويلا حتى يستلمه، كما لا يمتلك أية أموال لإعادة إعمار منزله المدمر وتهيئته للعيش، فيما لم يعد يمتلك العديد من النازحين أي منازل للعيش فيها، وسط نقص الخدمات الرئيسية. بالتالي فإن العودة بهذا الشكل مستحيلة".

من جهتها، تجد ياسمين خيروا، وهي نازحة تعيش في مخيم شاريا بمحافظة دهوك، العودة إلى سنجار "ضرورية"، قائلةً "نطالب بالعودة وإنهاء النزوح لكننا نحتاج إلى دعم ومساندة من الحكومة في توفير الخدمات لنا عند العودة وإعادة إعمار مدينتنا بأسرع وقت".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان أصدرته قبل أسبوع، إن مخيّمات النازحين في إقليم كردستان العراق بحلول 30 يوليو ستهدد حقوق الكثير من سكان المخيمات أهالي منطقة سنجار الشمالية.

وأضافت: "لا تزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات الاجتماعية اللازمة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لآلاف النازحين الذين قد يضطرون إلى العودة قريباً".

في السياق نفسه، يرى رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أن إنهاء ملف المخيمات بهذه الطريقة "خطوة خاطئة وغير مدروسة، لأن السلطات العراقية لم تناقش القرار مع الآليات الدولية ولا مع الفاعلين الدوليين في العراق، بل أصدرته نتيجة الضغط عليها من أجل وضع حل".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الوقت غير مناسب جدا لهذا القرار، ولا توجد أرضية مهيأة في سنجار لعملية العودة السريعة، بالتالي فإن إصداره يعني أن العراق لم يوف بالتزاماته الدولية تجاه عملية إنهاء ملف النازحين".

ويصف عبد الله هذه العودة للنازحين المقررة بتاريخ، أنها "قسرية".

في غضون ذلك، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، عزرا زيا، في مؤتمر صحافي عقدته الأسبوع الماضي، في معبد لالش بمحافظة دهوك،: "شجعنا الحكومة العراقية على معالجة المخاوف بشأن المليشيات في المناطق المحررة من سيطرة داعش مثل سنجار وسهل نينوى وباقي مناطق تواجد مكونات المجتمع العراقي".

وأوضحت أن "التأثير السلبي للميلشيات على أمن المكونات واستقرارهم يمنع عودة اللاجئين ويعيق أيضاً تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقهم".

حاول موقع "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، علي عباس جهانكير، أو أي مسؤول آخر في الوزارة للحديث عن استعدادات الوزارة لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، لكن لم يتلق أي إجابة على أسئلته.