العراق

مشروع قانون عراقي: دعم نسويّ ومعارضة إسلامية

رحمة حجة
13 أغسطس 2020

العنوان القديم المتجدد، مشروع قانون مناهضة العنف الأسري في العراق، وآخر مستجد بشأنه، وصوله إلى البرلمان العراقي بعد إقراره من قبل الحكومة، إلا أنه الآن، رهن سجال.

وكانت الحكومة العراقية أعلنت في الخامس من الشهر الحالي، إقرارها قانون "العنف الأسري".

وقال المتحدث باسمها أحمد ملا طلال في مؤتمر صحفي ببغداد إن "الحكومة  أرسلت مشروع القانون إلى البرلمان لمناقشته وتمريره ليصبح نافذاً".

ويأتي إقرار مشروع القانون بعد مناشدات من منظمات محلية ودولية واسعة النطاق لسنّه، عقب تزايد وتيرة حوادث العنف الأسري خلال فترة الحجر المنزلي، حيث تجاوزت خمسة آلاف حالة مسجلة لدى الجهات الأمنية، غالبيتها ضد النساء.

 

مشروع القانون

تم تقديم مسودة القانون عام 2012  إلى الحكومة، لكن النسخة التي تم إقرارها هذا الشهر، هي المعدّلة عام 2019.

وحسب المادة الأولى منه، يعرّف العنف الأسري على أنه  "كل فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بأي منهما، يُرتكب داخل الأسرة، يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي".

وربما أبرز ما في المشروع، الفصل السادس، الذي يوضح العقوبات الجزائية للمعتدي في قضايا العنف الأسري، ونصّه:

"المادة -21- يعاقب المشكو منه على خرق قرار الحماية بالعقوبات الآتية:
أولاً- بالغرامة التي لا تقل عن (500,000) خمسمائة ألف دينار ولا تزيد على (1,000,000) مليون دينار، وفي حالة عدم الدفع تكون العقوبة الحبس البسيط مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على (6) ستة أشهر.
ثانياً- بالغرامة التي لا تقل عن (3,000,000) ثلاثة ملايين دينار ولا تزيد على (5,000,000) خمسة ملايين دينار، في حالة العود،  أو إذا ارتكبت الجريمة من الفروع على الأصول، أو إذا كان الضحية صغيراً، أو حدثاً، أو كبير السن، أو حاملاً، أو من ذوي الإعاقة أو خرق قرار الحماية باستخدام العنف ضد أي من المشمولين به، وفي حالة عدم الدفع تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن (3) ثلاثة أشهر ولا تزيد على(1) سنة واحدة. 
المادة-22-يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن (3) ثلاثة أشهر ولا تزيد على (1) سنة واحدة كل موظف او مكلف بخدمة عامة، حاول اكراه الضحية بعدم تقديم الشكوى، او أهمل في تسجيلها.
المادة-23-للمحكمة الحكم بالتعويض بناءً على طلب المتضرر، أو من يمثله قانوناً".

أما أسباب وجوبه، وفق ما جاء في نصّه "الحد من مظاهر العنف الأسري، والقضاء على أسبابه، وحماية للأسرة وأفرادها، وتحمل الدولة لمسؤولياتها، ووقاية المرأة من الأفعال التي تشكل عنفاً بأشكاله المختلفة، مما يستوجب السعي الحثيث لتجريم تلك الأفعال وملاحقة مرتكبيها، وتوفير الخدمات اللازمة، ونظراً لكون العنف ضد المرأة يعد شكلا من أشكال التمييز، وانتهاكاً لحقوق الإنسان، والتزاما بالصكوك والمعاهدات والمواثيق الدولية، التي صادق عليها العراق، وانسجاماً مع ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الأممية، وسيرا على خطى مبادئ المجتمع الدولي، وتنفيذاً لأحكام المادة (29) من الدستور".

 

منظمات أممية

في أبريل الماضي، عبرت أربع منظمات تابعة للأمم المتحدة (صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومفوضية حقوق الإنسان، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة) في بيان مشترك، عن قلقها من ارتفاع وتيرة العنف الأسري داخل العراق في ظل جائحة كورونا.

جاء فيه "مع نشر تقارير إعلامية عن العديد من حالات العنف في حينه، منها تقارير عن اغتصاب امرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة، واعتداء زوجي، وانتحار امرأة جراء العنف الأسري، و قيام امرأة بإشعال النار بنفسها للسبب ذاته، وكذلك أذية النفس بسبب الإساءة الزوجية المتكررة، والتحرش الجنسي بشخص قاصر، وغيرها من الجرائم ذات الصلة. يثير التصاعد في عدد مثل هذه الجرائم القلق، ويسلط الضوء على الضرورة الملحة لقيام البرلمان بإقرار قانون مناهضة العنف الأسري".

ودعت الأمم المتحدة في العراق السلطات إلى ضمان استمرار السلطة القضائية في ملاحقة المعتدين، وزيادة الاستثمار في خدمات الخط الساخن والخدمات عبر الإنترنت الداعمة للناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ودعم دور منظمات المجتمع المدني، وإبقاء أبواب الملاذات الآمنة مفتوحة للنساء الهاربات من العنف، ومعاقبة مرتكبي أي نوع من أنواع العنف الاسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

"إن من شأن إقرار قانون مناهضة العنف الأسري أن يضمن محاسبة مرتكبي جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي في العراق، بما فيهم أولئك مسببي الأحداث البشعة مثل تلك التي شهدناها مؤخرا" تابع البيان.

وأكد أن "العنف ضد النساء والفتيات جريمة يجب ألا تمر دون عقاب".

كما شددت على أهمية إقراره منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية، في تقرير نشرته  أبريل الماضي أيضاً.

وقالت "لا يزال العنف الأسري مشكلة خطيرة في العراق. حيث وجد مسح صحة الأسرة العراقية للفترة 2006/7، أن واحدة من كل خمس نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري الجسدي، كما وجدت دراسة أجرتها وزارة التخطيط عام 2012 أن 36% على الأقل من النساء المتزوجات تحدثن عن تعرضهن لشكل من أشكال الأذى النفسي من أزواجهن، و23% للإساءة اللفظية، و6% للعنف الجسدي، و9% للعنف الجنسي".

وتابعت المنظمة "بينما يحظر الدستور العراقي صراحة (كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة) إلا أن إقليم كردستان العراق فقط لديه قانون للعنف الأسري. ويُجرّم قانون العقوبات العراقي، الذي يسري في كل من الأراضي الخاضعة لسيطرة بغداد وإقليم كردستان، الاعتداء الجسدي، لكنه لا يذكر العنف الأسري صراحة. بل على العكس، تمنح المادة 41 (1) للزوج حقا قانونيا في (تأديب) زوجته، وحق للوالدين في (تأديب أبنائهم في حدود ما هو مقرر ... قانونا أو عرفا)".

واستنكرت ما ورد في نص قانون العقوبات "بعقوبات مخففة على الأفعال العنيفة، بما في ذلك القتل، بسبب (بواعث شريفة)، أو إذا ما وجد الرجل زوجته أو إحدى قريباته متلبسة بالزنا في علاقة جنسية خارج إطار الزواج".

وفي نفس الوقت، كان للمنظمة انتقادات لبعض المواد، مثل المادة 20، في الفصل الخامس من نص مشروع القانون.

"تتمثل إحدى المشاكل الرئيسة في أن مشروع القانون يعطي الأولوية للمصالحة على حساب الحماية وتحقيق العدالة للضحايا" قالت المنظمة.

وعلى لسان رئيسة "منظمة نساء من أجل السلام" شذى ناجي، نقلت المنظمة "ضحايا العنف الأسري في العراق نادرا ما يقدمن شكاوى جنائية من خلال الشرطة. بدلا من ذلك، تلعب الشرطة المجتمعية دور الوسيط بدلا من دور إنفاذ القانون، وتركّز على المصالحة بين الضحية والمعتدي بما يتماشى مع ممارسات المجتمع".

 

حملة إلكترونية

ما يجمع بين دعوة الأمم المتحدة وتقرير "هيومن رايتس"، هو نفسه السبب والمحرّك الأساسي للحملة الإلكترونية المستمرة منذ أربعة شهور، لإقرار مشروع القانون، وهو انتحار الشابة العشرينية ملاك الزبيدي، التي حرقت نفسها بسبب معاناة مستمرة في بيت الزوجية.

وبسبب حملة متكاتفة في مواقع التواصل ومنظمات مدنية، ولم تقتصر على صفحات العراقيين في مواقع التواصل بل امتدت لوسائل إعلام عربية، أصبحت قضية ملاك مثاراً للرأي العام وتذكيراً بكل النساء اللواتي خسرن حياتهن أو على وشك خسرانها، ويتعرضن يومياً للعنف المنزلي، بصمت.

صورة تعبيرية
كيف تحوّل حرق ملاك لقضية رأي عام في العراق؟
وظهرت والدة ملاك في مقابلة مصوّرة مع قناة الشرقية العراقية، تروي زيارة ابنتها في المستشفى، وبداية شكّها في رواية أهل زوجها، واصفة الإفادة الموقعة من ابنتها بأنها "باطلة" كون الأخيرة لا تستطيع التوقيع على الإفادة بحكم الإصابة بيديها.

 

زهراء عبدالزهرة (19 عاماً) من محافظة البصرة، المعروفة في مواقع التواصل العراقية باسم "نبتة"، هي صاحبة فكرة إطلاق وسم #تشريع_قانون_العنف_الأسري والتعداد الزمني لمرور الأيام، حيث ينشط الوسم يومياً منذ وفاة الشابة ملاك، في أبريل الماضي.

وممثلة عن "الحراك النسوي العراقي" تقول زهراء لـ"ارفع صوتك": "تشريع القانون لا يحمي المرأة والطفل فقط، فهو يحمي الرجال أيضاً، إذ توجد حالات قتل واعتداء على الزوج في مجتمعنا، لذلك القانون يحفظ حق الجميع، فعند صلاح الأسرة يصلح المجتمع".

 

 

وصحيح أن الحراك النسوي، تشكّل إلكترونياً وبقي إلى الآن في مدار الفضاء الافتراضي، إلا أنه وعبر ممثلات عنه تواصل مع مؤسسات نسوية ناشطة في العراق،  تقول زهراء "كلنا أصحاب هدف واحد، نسعى جميعاً لإقرار قانون مناهضة العنف الأسري، وسعداء بأن صوتنا وصل لصناع القرار".

وإن تم وصول القانون لمرحلة الموافقة البرلمانية ولوائح السلطات التنفيذية، فهو ليس نهاية المطاف بالنسبة للحراك، تقول زهراء "لدينا أهداف أخرى تتعلق بالمرأة والطفل على وجه الخصوص وتعديل بعض القوانين الخاصة المتعلقة بهما".

وتشكل الحراك النسوي العراقي، من مجموعة نساء ورجال، بعد ثورة أكتوبر، ينشط مؤيدوه/اته ومعارضوه/اته أيضاً في الفضاء الإلكتروني، بعصف ذهني شبه يومي في القضايا النسوية، والواقع الذي تعيشه المرأة العراقية ضمن بيئة غير آمنة سياسياً وصحياً واقتصادياً، تسيطر على مفرداتها سلطة المليشيات والعشائر، بصوت أعلى من سلطة القانون.

تقول زهراء لـ"ارفع صوتك": "نحن مجموعة مغردات عراقيات اتفقنا يوميا أن نطالب بحقوقنا بسبب ازدياد حالات العنف الأسري وكذلك إلغاء بعض القوانين، تمركزنا في تويتر، نرفع الصوت وننقل قصصاً ومعلومات حول العنف وغيره، ولدينا مطالب أخرى مثل تحرير المختطفات الأيزيديات لدى تنظيم داعش".

ويحتدم الجدل النسوي بين مؤيد ومعارض في الحيّز الرقمي، حتى أنه يصل مستوى المشادّات والتجريح اللفظي بين أطراف النقاشات والحوارات الجانبية، إلا أنه يقدّم صورة معاصرة نسبياً، عمّا يجري على الأرض، خصوصاً أن الكثير من النساء العراقيات في هذا المضمار، يجدن حرية أكبر في التعبير عبر مواقع التواصل، مثل تويتر وإنستاغرام، الشيء الذي قلّما يجدنه خارجها.

 

سجال برلماني

هذا السجال الحالي، نفسه سابقاً، الذي تسبب في التأخر منذ سنوات بإقرار مشروع قانون مناهضة العنف الأسري، وإدخاله حيّز النفاذ.

يقول نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية قصي عباس الشبكي إن "سبب ترحيله من دورات برلمانية سابقة كان بسبب الاعتراضات من بعض القوى الإسلامية في مجلس النواب" حسبما نقلت قناة "السومرية" العراقية في موقعها.

وأكد الشبكي "الجميع يعلم أن الخلاف حول القانون سياسي ويخص الشرع والدين الإسلامي في بعض فقرات القانون، الذي ترى فيه القوى السياسية الإسلامية مساساً بالشرع" لافتاً  إلى أن المشروع حتى اللحظة "لم يصل إلى مرحلة النضوج الذي يجعل الجميع يتوافقون عليه".

وفي صفحته الرسمية على فيسبوك، كتب رئيس كتلة "النهج الوطني" في البرلمان العراقي، النائب عمار طعمة الحميداوي،  أسباب رفضه للقانون. 

ونقتبس عنه "في القانون مضامين خطيرة، تسلب حق تربية وتأديب الوالدين لأولادهم وتعتبره جريمة عنف أسري، ويجعل كل خلاف عائلي وإن كان بسيطا ويسهل حلّه أسريا موردا للتحاكم والتقاضي مما يحول طبيعة علاقة الأسرة المبنية على المودة والتراحم إلى علاقة تصارع ونزاع وخصومات".

"ويجيز القانون للزوجة في حال سوء تفاهم وخلاف عائلي مع زوجها أن تذهب للشكوى والاستقرار في مركز الايواء تحت رحمة الغرباء وفي معرض الابتزاز وعلى الزوج أن يبعث لها نفقتها وهي تعيش في مركز الإيواء بعيداً عن أولادها وأطفالها" يضيف النائب عن حزب "الفضيلة الإسلامي". 

بسمه تعالى رئيس كتلة النهج الوطني عمار طعمة : مشروع قانون العنف الأسري يعارض ثوابت الإسلام والدستور العراقي ...

Posted by ‎الدكتور عمار طعمة الحميداوي‎ on Saturday, August 8, 2020

 وانتقل الجدل حول إقرار القانون، من قاعات البرلمان واجتماع لجانه، إلى مواقع التواصل. وإن كان "إقراره" مثبتاً في حملة إلكترونية أطلقتها زهراء مع رفيقاتها في الحراك النسوي، منذ أربعة شهور، فإن الوسم المتداول بين الرافضين للحشد ضده "#قانون_العنف_الأسري_مرفوض".

 

وفي تعقيبه على رفض الرافضين للقانون، كتب المحامي العراقي محمد جمعة " يقول المعارضون لتشريع قوانين العنف الأسري إنه يشجع على الانحلال،
لكن في القانون العراقي حاليا لو حرض الزوج زوجته يوميا على الزنا (ممارسة الجنس مع أصدقائه) واستخدم معها أنواع الضغوط و قامت الزوجة بضربه بآلة حادة دفاعا عن شرفها و للتخلص من تحريضه تعاقب الزوجة بالحبس أما الزوج لاعقاب له ولا جريمه عليه"

#يقول المعارضون لتشريع قوانين العنف الاسري انه (يشجع على #الانحلال) لكن في القانون العراقي حاليا لو حرض الزوج زوجته...

Posted by ‎المحامي محمد جمعة‎ on Wednesday, August 12, 2020

 

وتعقيباً على هذا الجدل،  تقول الممثلة عن الحراك النسوي العراقي زهراء عبد الزهرة لـ"ارفع صوتك": "هذه المعارضة ليست جديدة، إذ كانت هناك محاولات سابقة لتشريع القانون وتمت عرقلتها".

وتضيف "عندما تواصلت مع مسؤولة في الأمم المتحدة قالت لي حاولنا قبل التظاهرات لكن النواب كان ردهم كما اليوم أن القانون يخالف عاداتنا وتقاليدنا، وكانت المعارضة من الاحزاب الإسلامية بالأساس، فهم لم يقرأوا القانون ويفهموه جيداً".

وتختم زهراء حديثها "الأسر متفككة بهذه المشاكل بهذا القتل والذبح والحرق والضرب والحرمان، لكنهم يخافون فقدان جمهورهم يخافون تطبيق القانون الذي سيمنعهم من ممارسة قوتهم ضد الأضعف منهم في منازلهم".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.