العراق

الكوادر الطبية في العراق تدق ناقوس الخطر.. كورونا واعتداءات

14 أغسطس 2020

يواجه الأطباء والعاملون في القطاع الصحي بالعراق ضغوطا كبيرة في ظل انتشار فايروس كورونا المستجد، وما يفاقم أزمتهم ارتفاع حالات الاعتداء التي تطالهم، ما دفع منظمات صحية ونقابات إلى دق ناقوس الخطر.

ورصدت نقابة الأطباء العراقيين خلال الفترة القليلة الماضية ارتفاع حالات الاعتداء التي تتعرض لها الكوادر الطبية على يد مرضى ومراجعين للمراكز الصحية والمستشفيات. 

وأحدث حالة اعتداء، كانت ضحيتها طبيبة في محافظة بابل، الأمر الذي دفع وزارة الصحة إلى إدانة الحادث دون إعطاء تفاصيل أكثر، إلا أنها أكدت اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المعتدي. 

وكان عدد من كوادر مستشفى الهاشمية جنوب بابل نظموا وقفة احتجاجية إثر تعرض إخصائية النسائية والتوليد إلى اعتداء الخميس الماضي، حين طعنها شخص بآلة جارحة خضعت على إثرها لعملية جراحية.

وقالت وزارة الصحة، في بيان، أنها لن تتهاون في مكافحة ما وصفته بالظاهرة الغريبة، ودعت المؤسسات الأمنية والقضائية إلى محاسبة المعتدين.

وفي هذا السياق، قال نقيب الأطباء العراقيين، عبد الأمير محسن، لراديو "سوا" إنه لا يكاد يمر يوم دون حدوث اعتداء لفظي أو جسدي على الأطباء أو على الكوادر الصحية. 

ويعزو نقيب الأطباء العراقيين تزايد حالات الاعتداء على الأطباء والكوادر الصحية إلى الضغط النفسي الكبير الذي يعاني منها الأطباء والمواطنون على حد سواء، من جراء فايروس كورونا وتردي الخدمات الصحية. 

وفي بيان مشترك، استنكرت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر أعمال العنف والترهيب التي تطال العاملين في الرعاية الصحية. 

وحث البيان على احترام جميع الكوادر الطبية وعدم المساس بسيارات الإسعاف والمنشآت الصحية في هذا الوقت الحرج، الذي يمر به النظام الصحي في العراق في ظل الوضع الطارئ المتمثل بانتشار فيروس كورونا المستجد.

وكشفت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق، سحر توفيق، قالت لـ"سوا" أن البيان المشترك جاء بعد رصد العديد من حوادث الاعتداء على الكوادر الصحية في المحافظات العراقية. 

أما رئيس المرصد الصحي العراقي، ستار السامر، فقال أن الاعتداءات على الكوادر الصحية تزداد في المحافظات ذات الطابع العشائري أكثر من المدن. 

وأشار إلى أن الأطباء يواجهون تحديات كبيرة في عملهم اليومي، تتمثل بنقص العلاجات والأسرة وأجهزة التنفس الاصطناعي. 

إلا أن ذلك لا يبرر الاعتداءات على الكوادر الطبية وفق توفيق، التي قالت إن "الحل ليس في مهاجمة الأطباء والكوادر الصحية"، مشيرة إلى أن "المواطن هو أول المتضررين من هذه الهجمات والاعتداءات". 

يُذكر أن قانون حماية الأطباء لسنة 2013 ينص على معاقبة كل من يعتدي على طبيب بعقوبة من يعتدي على موظف أثناء الواجب، لكن هذا القانون لم يحول دون استمرار حوادث الاعتداءات على الأطباء. 

وتشير المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق الى أن الاعتداء على الأطباء والكوادر الطبية والصحية في المستشفيات العراقية ليست بالجديدة. 

وتلفت توفيق إلى إقامة العديد من الحملات حول خطورة عرقلة عمل الكوادر الصحية، مؤكدة استمرار دعم المنظمة الدولية للعراق وللمؤسسات الصحية لمنع انتشار فايروس كورونا وضمان الحصول على خدمات وتقديم رعاية صحية بشكل غير منحاز. 

ومنذ أيام يسجل العراق آلاف الإصابات الجديدة بفايروس كورونا المستجد، حيث وصل مجموع الإصابات في البلاد لغاية الأربعاء الماضي إلى أكثر من 160 ألف إصابة، في حين أن عدد الراقدين في العناية المركزة تجاوز 592 مصابا، بينما الوفيات بالفايروس وصلت إلى 5531 وفاة. 

الفايروس يواصل انتشاره ايضا في صفوف الكوادر الطبية والصحية، ويؤكد نقيب الأطباء العراقيين، عبد الأمير محسن، لراديو "سوا" إصابة نحو 1300 طبيب ووفاة 32 طبيبا بفايروس كورونا. 

ويشير عبد الأمير إلى أن أكثر إصابات الأطباء بفايروس كورونا سُجلت في محافظات بغداد والبصرة والديوانية وبابل. 

من جهتها، أكدت نقيبة ممرضات العراق، سحر صالح، إصابة نحو 2000 من الكوادر التمريضية بفايروس كورونا، مشيرة الى أن هذه الكوادر تواصل عملها الإنساني في خط الصد الأول لمواجهة جائحة كورونا. 

سحر بيّنت أن حالات الاعتداء على الممرضات من قبل عائلات المصابين بفايروس كورونا ترتفع عند وفاة أقاربهم أو تدهور حالتهم الصحية. 

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، كان لدى العراق في 2017، أكثر من تسعة أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، أي أقل بثلاث مرات من دولة الكويت المجاورة، وحتى أقل بضعفين من ليبيا.

نقلا عن موقع الحرة

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لامرأة عراقية تجلس قرب قبر أحد أقاربها- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية لامرأة عراقية تجلس قرب قبر أحد أقاربها- أرشيف فرانس برس

 رغم حاجتها الملحّة إلى المال، قررت أم نور التراجع عن إقامة دعوى ضد إخوتها بعد بيعهم عقارات والدها المتوفى دون منحها استحقاقها من الإرث.

 أسبابها في ذلك كما تقول لـ"ارفع صوتك": "تهديدهم لها بالقطيعة وعدم السماح لها برؤية والدتها في حال قامت بالمطالبة قانونياً بنصيبها من الإرث".

تحكي عن حاجتها كأنها تبرّر مطالبتها بحقوقها "تَعرّض زوجي الذي يعمل بأجر يومي إلى حادث فأصبح غير قادر على العمل والإنفاق على البيت. لديّ أطفال بحاجة للرعاية ولا أعرف ماذا أفعل".

 ورغم وضعها "الصعب الذي يعرفه إخوتها الخمسة" إلا أنهم "قرروا التصرف بالأملاك وعدم مساعدتها ولا حتى بجزء من المال كي تنفق على أبنائها وزوجها المريض، حتى يتحسن وضعه ويعود للعمل"، بحسب ما تروي أم نور.

إضافة لموقف إخوتها، تضيف أم نور "شقيقتيّ أيضاً تنازلتا عن حقهما في الميراث، لأن الوضع المادي لزوجيهما جيد ولديهما مصالح مع إخوتي ولا ترغبان بوقوع أي خلاف بينهم".

"كما أنهما اتصلتا بي لحثّي على عدم المطالبة بحصّتي لأنه (عيب) برأيهما!"، تتابع أم نور.

 الأمر ذاته حصل مع عراقية أخرى اطلّع "ارفع صوتك" على قصتها مع الإرث، مفضّلة عدم ذكر تفاصيل هويّتها، حيث جرى  استبعادها مع والدتها من الإرث لتضطر إلى العمل من منزلها في بيع الخبز والطعام، إلا أنها في الحقيقة كما تقول "متمكنة مادياً وصاحبة أملاك من إرث والدها مع وقف التنفيذ".

وما يمنعها من تقديم شكوى للحصول على إرثها من والدها "رغبة والدتها بالإبقاء على علاقتها الودية مع أبنائها الذكور" وفق تعبيرها.

 

الأعراف مقابل القوانين

 خلال لقائنا بالحالتين، بدا واضحاً تأثرهما بالأعراف والتقاليد التي تمنع المرأة من التقدم بشكوى في المحكمة ضد إخوتها باعتبار أنها "تنهي العلاقة الأخوية" معهم، وهذا"ناتج عن مجتمع قاس وأعراف تمنع المرأة من المطالبة بحقها تحت ذريعة العيب" كما يقول المحامي خليفة الربيعي.

يشرح لـ"ارفع صوتك": "المشكلة تكمن في الأعراف والتقاليد وليس في القانون، فالقانون يمكنه أن يعيد حق النساء المحرومات من الإرث عائليا. لكن ما يحصل على أرض الواقع أن النساء وتحت الضغوط والتهديدات بالمقاطعة العائلية والحرمان من التواصل مع بقية أفراد العائلة يخضعن في النهاية وينسحبن، حتى لو كنّ في حال من العوز".

حالات عديدة مرت بالربيعي تتعلق بحرمان النساء من الإرث، يقول "كثرة القضايا لا تتعلق بالشرع أو القانون فلدينا أفضل التشريعات في المحيط الإقليمي التي تتعلق بمثل هذه القضايا. لكن لدينا أيضاً إرثاً اجتماعياً ثقيلاً يساعد على استمرار ظلم المرأة واضطهادها".

في السياق نفسه، يبيّن المحامي جعفر إسماعيل أن "الحرمان من الإرث لا يتعلق في كثير من الحالات بالنساء فقط، فهناك حرمان للفئات الضعيفة في المجتمع مثل الأطفال وكبار السن، وذلك لا يمنع أن يكون الثقل الأكبر في هذه القضايا على المرأة أولاً وقبل جميع تلك الفئات".

أما أكثر الطرق المتبعة لحرمان النساء من الإرث، كما يوضح الربيعي فتأتي من خلال "استبعادهن من التقسيم الشرعي للإرث عن طريق رفع الاسم من القيد العائلي، حيث أن البيوت الموروثة لا يتم بيعها أو التصرف بها إلا بحضور جميع الورثة".

يتابع: "حين يتم توزيع التركة على الأبناء تستند المحكمة على قيود العائلة التي تأتي من دائرة النفوس، ومن لا يأتي اسمه ضمنها لا يُعتبر وريثاً، وتلتزم المحكمة بالأسماء التي ترد في قيد النفوس حصرياً".

أغلب تلك الحالات، بحسب الربيعي "تكون عندما يترك الأب إرثاً لا يعرف بوجوده بقية أفراد الأسرة فلا يسألون عنه، وفي حال اكتشفت الابنة هذه الحالة، يمكنها وفق القانون رفع دعوى تطلب تصحيح التقسيم وفق المادة (294) من قانون العقوبات، إذ يحاسب عليها القانون بسبب التزوير، سواء كان ما تم الاستيلاء عليه أموال أو عقار أو راتب تقاعدي وغيرها".

ويشير إلى طرق أخرى لحرمان النساء من الإرث تتمثل في "توزيع الأب لأملاكه قبل وفاته بين أولاده الذكور دون الإناث"، وفي هذه الحالة "حتى لو تم رفع قضية من قبل الإناث أو أي شخص آخر، لا يحصل على شيء لأن الإنسان حر في التصرف بأملاكه خلال حياته".

بالنسبة لإسماعيل ووفق خبرته القانونية، فإن "أهم أسباب الحرمان من الإرث يقف خلفها استغلال الجهل بالقانون أو استغلال الشخص قوته في العائلة أو العشيرة، حيث أن أغلب النساء لا يمكنهن رفض تصرّف العائلة بمال الإرث لأنهن تحت سطوة الأب أو الأخ ذي الشوكة عليهن".

يضيف "هذه الحالات لا نراها كثيرا عندما تكون المرأة متعلمة ومثقفة، أو عاملة ولها إمكانية الاستقلال المالي ولديها اطلاع أكثر من بقية النساء".

 

تعويضات زهيدة

تؤكد المحامية علياء الحسيني أن حرمان المرأة من الإرث "حالة شائعة في العراق ومنتشرة في جميع أنحاء البلاد ولا تقتصر على منطقة دون أخرى. إلا أنها تبدو واضحة أكثر ضمن سياقات اجتماعية معينة".

 وفي كثير من الأحيان، كما تشرح الحسيني "نرى الأب ينقل ملكيته إلى أبنائه الذكور دون الإناث قبل وفاته، لأنه لا يريد لزوج الابنة وأبنائها من غير صلبه أن يرثوه".

وهي حالة لا تقتصر على وفاة الأب فحسب، إذ شهدت المحامية العراقية أنواعاً أخرى متعددة من قضايا حرمان النساء من الإرث، منها "الزوجة إذا توفي عنها زوجها، إذ تحاول العائلة حرمانها من إرث الزوج عبر تمشية معاملات القسام الشرعي دون ذكرها".

 تضرب مثلاً آخر عن "حالات مقتل الزوج في الحرب"، حيث يحاول ذووه "الاستحواذ على حقوقه كما شهدنا حالات معاكسة مثل الزوجة التي تحاول منع أم الشهيد من الحصول على حقوقها المكفولة قانوناً من تركة ابنها" بحسب الحسيني.

 وتلفت إلى أن "وقوف القانون بجانب المرأة إذا أرادت الحصول على حقها في الميراث. لكن، ما يقف بوجه الحقوق أنها إذا تقدمت بشكوى ستتعرض لمشاكل كثيرة وقد تتعرض للعنف أو تقاطعها عائلتها".

توضح الحسيني: "تخاف النساء من ردود أفعال الأهل، وتتراجع الكثير منهن عن تحصيل الإرث خوفاً من ردة فعل الأهل، فيُبلغننا مثلاً أنهن لا يرغبن بفقدان عوائلهن كما فقدن حقوقهن في الميراث، ويفضلن الإبقاء على هذه الصلات".

تُكمل "هناك حالات قليلة يتم فيها منح المرأة مبلغاً مالياً زهيداً ولا يعادل 5% من حقها".

 

آثار اجتماعية

من خلال خبرتها وتعاطيها مع حالات مماثلة، تقول الباحثة الاجتماعية نور خليل، إن الأمر لا يقتصر على حرمان بعض النساء من الإرث حيث يعاني أبناؤهن أيضاً "وكان يمكن أن يعيشوا في وضع مالي أفضل لو تم منح والدتهم حقوقها بدل العيش في ذلّ الفقر" وفق تعبيرها.

تلقي الباحثة باللوم على "المجتمع الذكوري واعتقاداته بأن توريث الإناث يؤدي إلى تشتيت أملاك العائلة، على اعتبار أنهن سيتزوجن، بالتالي يستفيد أبناء من غير صلب الأب (الجد) في ميراث الأسرة".

وترى خليل أن هناك أسباباً أسهمت في انتشار الظلم منها "جهل الكثير من النساء بما لهنّ من حقوق وخضوعهن واستسلامهن لضغوط العائلة والعشيرة والمجتمع، ورضاهن بما تمليه عليهن الأعراف والتقاليد".

تشرح لـ"ارفع صوتك": "هناك آثار اجتماعية كبيرة في ما يتعلق بحرمان المرأة من الإرث، منها مثلاً إذا كانت دون مصدر مالي يعيلها، لأنه يعني وقوعها تحت خط الفقر. وإذا كانت متزوجة ولها أطفال فهذا يؤدي إلى أضرار نفسية كبيرة لهذه العائلة التي كان يمكن أن تترك خط الفقر لأن لها حقوقاً مالية، لكن في المقابل لا تتمكن من ذلك لأسباب اجتماعية".

 ويؤدي الأمر أيضاً في كثير من الأحيان إلى "مشاكل عائلية وبث الأحقاد والضغائن ونصل أحياناً إلى ارتكاب الجرائم لهذا السبب. فضلاً عن انعدام الثقة بين أفراد العائلة وامتداداتهم"، بحسب خليل.

ولا تبدو متفائلة في ختام حديثها، قائلة "هذا الوضع سيبقى إذا لم تتغير ثقافة المجتمع القائمة على حرمان المرأة من حقوقها بذريعة أحقيّة الذكور على الإناث في الإرث".