العراق

"أمها حيل متأذية".. حياة رهام من التوهّج إلى اغتيالها

رحمة حجة
20 أغسطس 2020

يطغى الأسى على منشورات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد اغتيال الشابة رهام شاكر يعقوب، من مدينة البصرة جنوب البلاد.

واغتيلت رهام (30 عاماً)،  أمس الأربعاء،  برصاص مجهولين أثناء تواجدها في سيارتها.

يقول أحد أفراد عائلتها الذي تحفّظ على اسمه، لـ"ارفع صوتك": "كانت عائدة من الجيم (النادي الرياضي الذي تُديره) برفقة أختها وصديقتها الدكتورة (نتحفظ على اسمها)، خارجة من شارع الجزائر باتجاه حيّ الرضا لإيصال صديقتها، أختها أصيبت في يدها بزجاج السيارة المتكسر، وهي في المستشفى حالياً، بينما أصابت رصاصة يد الدكتورة معها".

ومكان حصول الجريمة، تقاطع الجمهوريه في الشارع التجاري بمدينة البصرة، حسب قريبها. 

 لقطة من خرائط غوغل توضح طريق رهام ومكان اغتيالها

ويقول قريب رهام الذي حضر جنازتها اليوم الخميس، إن عدد المشاركين فيها بالعشرات مضيفاً "لكننا فوجئنا بالمئات في انتظارنا عند مقبرة السلام في النجف" 

 

ويصف لـ"ارفع صوتك" حال ذويها بالقول "أبوها وأمها ما اعرف شلون اوصف حالهم.. بس امها حيل متأذية".

وعن نفسه يقول "المرحومه رهام أقرب قريباتي عندي، يعني هية قريبة علي من صغري، أنا جنت دايماً عدهم.. هي المحبوبة عند الكل بحيث خوالي كلهم تعبت نفسيتهم.. قلبها طيب، وأي شخص يحتاج مساعدة تلكاها (تجدها) أول شخص توكف (تقف) وياه".

"بس هيه البنيه الوحيده اللي عندي من أتصل بيها أرتاح" يضيف قريب رهام، متابعاً "يعني هيه كانت كل فترة تجينه وتجيب (تحضر) خواتها وأنا آخذ خواتي ونروح نطلع نفتر (نتجوّل) جانت صديقتي مو بس قريبتي".

ويتذكّر بحزن "أكثر كرايبنه (أقاربنا) يشبهوني بيها، يكلولي (يقولون لي) أنتم تشبهون بعض".

"والله ما اعرف شكول تفكيري مشتت" يقول قريبها الفتى الذي لم يبلغ العشرين من عُمره، في نهاية حديثه لنا. 

وتركت رهام ثلاثة إخوة وثلاث أخوات مع أبيها وأمها، مفجوعين لرحيلها، والجريمة التي لا يُعرف فاعلها.

ويرجّح الكثير من العراقيين أن مرتكب جريمة القتل بحق خبيرة التغذية رهام يعقوب، هم عناصر ميليشيا مموّلة من إيران. 

 

رائدة التوعية الصحيّة في مدينتها

كان لطالبة الدكتوراة والمدربة الرياضية مديرة النادي الرياضي "Dr Fit" في البصرة، بصمة واضحة في حياة النساء والتوعية بأهمية الرياضة والتغذية السليمة، وهو ما بدا جلياً في الصور وفيديوهات البث المباشر التي كانت تنشرها عبر صفحاتها في فيسبوك وإنستاغرام، ويتابعها عليها أكثر من 80 ألف شخص.

مسيرة الأمس #فخر_مملكتي قطعنا مسافة 12.73👣 .. 8.6KM .. من العباسية للجسر الايطالي ذهاب واياب وكانت محطتنه الاخيرة كورنيش البصره(القصور الرئاسية)

Posted by ‎د.رهام يعقوب‎ on Wednesday, August 21, 2019

 

 

وليس من المستغرب كل هذا الأسى والحزن حتى لمن لم يلتقها أو يعرفها في حياتها، على مقتلها، فنشاطها وطاقتها المتوهجة وثقتها العالية بنفسها، وإبداعها في الترويج للصحة البدنية، كانت محط إعجاب الآلاف، ليس من البصرة فحسب، بل في محافظات عراقية أخرى أيضاً. 

وربما أكثر نشاط لافت كانت تقوم به، هو حث نساء البصرة على المشي من أجل صحة أفضل، في شوارع البصرة، حيث سارت مئات النساء معها.

في مقابلة إذاعية سابقة مع د. رهام، قالت إن فكرة المشي في الشوارع كانت تخيف النساء من النظرة السلبية أو الاختطاف، لكن لاقت إقبالا كبيراً بسبب الثقة المتبادلة بينها (رهام) وبينهن وأهاليهن، بالإضافة لاحترامهن الشوارع التي يمشين فيها. 

وفي نفس المقابلة، أكدت د. ريهام أهمية العلم والبحث العلمي في كسب الثقة والإقناع بجدوى التمارين الرياضية والتغذية السليمة، فرسالة الماجستير التي أعدتها، ارتكزت على إجراء تدريب ومتابعة مع 60 امرأة لمدة ستة شهور، لإثبات فرضيتها حول أسباب السمنة العديدة خصوصاً الخلل في النظام الهرموني، بالإضافة إلى الضغط النفسي وأسلوب التغذية، والوصول إلى حلول عملية للحد من مشاكل السّمنة في العراق.

كمتا حرصت على نشر ثقافة النظام واحترام القانون والمواءمة بين الحق الفردي والحق العام، من أجل تغيير  إيجابي في المجتمع، دون الدخول في معارك معه.

وأعربت عن طموحها في أن تتولى وزارة الشباب والرياضة في بلدها، بينما كان هدفها المرحلي إقامة ناد رياضي أكبر من الذي تديره، لكي تستوعب أعداداً أكبر من النساء، لكن حلمها بقي معها، حيث أبعدها عنه رصاص القتلة.

صورة من تويتر لأخ رهام

 

#شهيده_الوطن_رهام_يعقوب

في تويتر، تصدّر وسم "شهيدة الوطن رهام يعقوب" تغريدات العراقيين الذين شاركوا حزنهم ويأسهم إزاء الجريمة التي ارتكبت بحق الشابة التي نشرت في حياتها الطاقة والحيوية، والابتسامة أيضاً على وجوه الكثيرين، ونعاها أصدقاؤها ومعارفها على صفحتها في فيسبوك، بينما زاد متابعوها خلال أقل من 24 ساعة على مقتلها لأكثر من 15 ألفاً في إنستاغرام.

 

 

 

"لنا رب عادل"

كانت هذه العبارة جواباً على رسالة أحد أصدقاء رهام، يخبرها فيها عن التحريض ضدها عبر وكالة أنباء إيرانية. 

خية رهام دطلعي تگلي لنا رب عادل ولج متگليلي شنو ذنب اهلج ياساقطين مالگيتوا غيرها هاي رهام تعرفوها شگد ادمية؟؟؟؟ لو متعرفون؟ لاحول ولا قوة الا بالله راحت يم الرب العادل على يد ناس مايعرفون العدالة

Posted by Omar A. Faraj on Wednesday, August 19, 2020

 وفي سبتمبر عام 2018، نشرت وكالة "مهر" الإيرانية للأنباء، تقريراً بالعربية عنوانه "دور القنصلية الأمريكية في البصرة في تحريك الشارع العراقي"، تحرّض فيه على عدد من نشطاء البصرة في احتجاجات ذلك العام، التي اندلعت قبل شهرين من نشر التقرير، بسبب سوء الخدمات الأساسية المقدمة للمدينة النفطية في العراق. 

صورة من تقرير الوكالة الإيرانية

ومن بين الأسماء المذكورة بالصور كانت رهام، حيث كُتب عنها "رهام يعقوب، إحدى الفتيات العراقيات الناشطات في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي خريجة علوم التغذية، ولديها العديد من المتابعين على حساباتها الاجتماعية، إلا أن منشوراتها لا تتعلق بأمور التغذية فقط بل تقود مظاهرات نسائية في المدينة تحت عناوين رياضية وتعليم وغيرها، إلا أن في الواقع أثرت عن طريق العديد من الأوسمة على أحداث البصرة مثل #نساء_مدينتي و #فخر مملكتي".

والمتابع لهذين الوسمين اللذين استخدمتهما رهام، يلاحظ أنها كانت تروّج عبرهما للنشاطات الرياضية فقط. 

وكانت شاركت في الاحتجاجات 2018، وظهرت في إحدى المقابلات تركز على سلمية المتظاهرين وتؤكد حقهم في المطالبة بتحسين الخدمات في محافظتها، محتجة ومبدية غضبها إزاء قتل المتظاهرين السلميين.

"كنت أتمنى أن تشرب وزيرة الصحة من ماء البصرة لتعرف معاناتنا" فيديو قديم للناشطة رهام يعقوب المصدر: قناة سكاي ميشكان

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Wednesday, August 19, 2020

يقول أحمد العلي، وهو أحد الناشطين في احتجاجات البصرة 2018 و2019 حتى الآن، إن واقعة اغتيال رهام حصلت على مقربة من مكان اعتصامهم، أمس الأربعاء، وحين علم به هرع إلى المكان مع بعض رفاقه، وكانوا أخذوا جثتها إلى المستشفى.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "عام 2018 رأيتها في ميادين الاحتجاج، لكن في ثورة أكتوبر ٢٠١٩ لم أرها، إنما كانت على تواصل مع أصدقائنا".

في هذا السياق، يقول أحمد العايدي، وهو أحد المقرّبين من عائلتها لـ"ارفع صوتك": "رهام كانت مهددة منذ 2018 بسبب صور لها مع القنصل الأميركي بمناسبات معينه مثل يوم المرأة العالمي وندوة ثقافيه وفطور رمضاني، باعتبارها ناشطه وشابة فاعلة في المجتمع البصري، وتحمل شهادة عالية مع خبرة بالإضافة لعملها الإذاعي".

لكن "السبب الرئيسي لقتلها ليس صورها في القنصلية الأميركية طبعاً، هذه مجرّد حجة حتى يغتالونها، ولكن السبب لأنها خرجت ضد الأحزاب والحكومة في مظاهرات 2018" يقول أحمد.

ويتابع "أنا متأكد أن أحد الأحزاب عرف أن صوتها مسموع وأنها مؤثرة على نساء البصرة، فبحث عنها وحرّض ضدها لكي يتسنّى له قتلها".

مرّ عامان على نشر الوكالة الإيرانية لتقريرها التحريضي، فهل هو السبب فعلاً لاستهدافها؟ 

يقول الصحافي منتظر بخيت، وهو صديق الراحلة رهام، لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنه تقرير قديم، لكنه كان جزءاً من حملة إلكترونية تحريضية من قبل الجيوش الإلكترونية في مواقع التواصل، استمرت طيلة العامين الماضيين".

ويؤكد "حتى الأسبوع السابق لاغتيال رهام تم تداول هذا التقرير والتحريض ضدها بوصفها عميلة أميركية، كما أخبرتني رهام أكثر من مرة عن الضغوط التي تعيشها بسبب تداول مثل هذه الأخبار".

ويتابع منتظر "الصور في احتفالية القنصلية الأميركية لم تكن سراً، نشرتها القنصلية ورهام نفسها، في يوم المرأة العالمي، وتمت بمشاركة جهات عديدة من وجوه البصرة والإعلاميين وقيادة الشرطة والحكومة المحلية، ليس نشطاء فقط، لكن الجيوش الإلكترونية استخدمتها في حملة ضد رهام بسبب نشاطها في احتجاجات البصرة".

ويقول "وبسبب التهديد المستمر لرهام، ابتعدت عن البصرة لشهور عام 2018 ثم عادت حين هدأت الأوضاع، وتفرغت للعمل في النادي الرياضي والدراسة لنيل شهادة الدكتوراة، ونأت بنفسها عن احتجاجات 2019 (ما عرف بثورة أكتوبر)".

وعن واقعة الاغتيال أمس الأربعاء، أكد منتظر "شرطة النجدة كانت على بعد 50 متراً تقريباً من إطلاق الرصاص، لكنها لم تتحرك".

"استقرت ثلاث رصاصات في جسد رهام، الأولى في رقبتها واثنتين في الصدر، وحين فقدت السيطرة على مقود السيارة ضربت سيارتها الرصيف" يوضح منتظر.

ويختم حديثه لـ"ارفع صوتك" بالقول "كل ما فعلته رهام أنها أرادت رؤية مدينتها جميلة تنعم بحياة أفضل، عبر نشاطاتها الرياضية والتوعوية، فقتلوها.. صعب جدًا أن تفقد صديقين يملكان هذا الفكر والإنسانية والتأثير الكبير في ظرف أسبوع واحد..."

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.