العراق

"أمها حيل متأذية".. حياة رهام من التوهّج إلى اغتيالها

رحمة حجة
20 أغسطس 2020

يطغى الأسى على منشورات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي، بعد اغتيال الشابة رهام شاكر يعقوب، من مدينة البصرة جنوب البلاد.

واغتيلت رهام (30 عاماً)،  أمس الأربعاء،  برصاص مجهولين أثناء تواجدها في سيارتها.

يقول أحد أفراد عائلتها الذي تحفّظ على اسمه، لـ"ارفع صوتك": "كانت عائدة من الجيم (النادي الرياضي الذي تُديره) برفقة أختها وصديقتها الدكتورة (نتحفظ على اسمها)، خارجة من شارع الجزائر باتجاه حيّ الرضا لإيصال صديقتها، أختها أصيبت في يدها بزجاج السيارة المتكسر، وهي في المستشفى حالياً، بينما أصابت رصاصة يد الدكتورة معها".

ومكان حصول الجريمة، تقاطع الجمهوريه في الشارع التجاري بمدينة البصرة، حسب قريبها. 

 لقطة من خرائط غوغل توضح طريق رهام ومكان اغتيالها

ويقول قريب رهام الذي حضر جنازتها اليوم الخميس، إن عدد المشاركين فيها بالعشرات مضيفاً "لكننا فوجئنا بالمئات في انتظارنا عند مقبرة السلام في النجف" 

 

ويصف لـ"ارفع صوتك" حال ذويها بالقول "أبوها وأمها ما اعرف شلون اوصف حالهم.. بس امها حيل متأذية".

وعن نفسه يقول "المرحومه رهام أقرب قريباتي عندي، يعني هية قريبة علي من صغري، أنا جنت دايماً عدهم.. هي المحبوبة عند الكل بحيث خوالي كلهم تعبت نفسيتهم.. قلبها طيب، وأي شخص يحتاج مساعدة تلكاها (تجدها) أول شخص توكف (تقف) وياه".

"بس هيه البنيه الوحيده اللي عندي من أتصل بيها أرتاح" يضيف قريب رهام، متابعاً "يعني هيه كانت كل فترة تجينه وتجيب (تحضر) خواتها وأنا آخذ خواتي ونروح نطلع نفتر (نتجوّل) جانت صديقتي مو بس قريبتي".

ويتذكّر بحزن "أكثر كرايبنه (أقاربنا) يشبهوني بيها، يكلولي (يقولون لي) أنتم تشبهون بعض".

"والله ما اعرف شكول تفكيري مشتت" يقول قريبها الفتى الذي لم يبلغ العشرين من عُمره، في نهاية حديثه لنا. 

وتركت رهام ثلاثة إخوة وثلاث أخوات مع أبيها وأمها، مفجوعين لرحيلها، والجريمة التي لا يُعرف فاعلها.

ويرجّح الكثير من العراقيين أن مرتكب جريمة القتل بحق خبيرة التغذية رهام يعقوب، هم عناصر ميليشيا مموّلة من إيران. 

 

رائدة التوعية الصحيّة في مدينتها

كان لطالبة الدكتوراة والمدربة الرياضية مديرة النادي الرياضي "Dr Fit" في البصرة، بصمة واضحة في حياة النساء والتوعية بأهمية الرياضة والتغذية السليمة، وهو ما بدا جلياً في الصور وفيديوهات البث المباشر التي كانت تنشرها عبر صفحاتها في فيسبوك وإنستاغرام، ويتابعها عليها أكثر من 80 ألف شخص.

مسيرة الأمس #فخر_مملكتي قطعنا مسافة 12.73👣 .. 8.6KM .. من العباسية للجسر الايطالي ذهاب واياب وكانت محطتنه الاخيرة كورنيش البصره(القصور الرئاسية)

Posted by ‎د.رهام يعقوب‎ on Wednesday, August 21, 2019

 

 

وليس من المستغرب كل هذا الأسى والحزن حتى لمن لم يلتقها أو يعرفها في حياتها، على مقتلها، فنشاطها وطاقتها المتوهجة وثقتها العالية بنفسها، وإبداعها في الترويج للصحة البدنية، كانت محط إعجاب الآلاف، ليس من البصرة فحسب، بل في محافظات عراقية أخرى أيضاً. 

وربما أكثر نشاط لافت كانت تقوم به، هو حث نساء البصرة على المشي من أجل صحة أفضل، في شوارع البصرة، حيث سارت مئات النساء معها.

في مقابلة إذاعية سابقة مع د. رهام، قالت إن فكرة المشي في الشوارع كانت تخيف النساء من النظرة السلبية أو الاختطاف، لكن لاقت إقبالا كبيراً بسبب الثقة المتبادلة بينها (رهام) وبينهن وأهاليهن، بالإضافة لاحترامهن الشوارع التي يمشين فيها. 

وفي نفس المقابلة، أكدت د. ريهام أهمية العلم والبحث العلمي في كسب الثقة والإقناع بجدوى التمارين الرياضية والتغذية السليمة، فرسالة الماجستير التي أعدتها، ارتكزت على إجراء تدريب ومتابعة مع 60 امرأة لمدة ستة شهور، لإثبات فرضيتها حول أسباب السمنة العديدة خصوصاً الخلل في النظام الهرموني، بالإضافة إلى الضغط النفسي وأسلوب التغذية، والوصول إلى حلول عملية للحد من مشاكل السّمنة في العراق.

كمتا حرصت على نشر ثقافة النظام واحترام القانون والمواءمة بين الحق الفردي والحق العام، من أجل تغيير  إيجابي في المجتمع، دون الدخول في معارك معه.

وأعربت عن طموحها في أن تتولى وزارة الشباب والرياضة في بلدها، بينما كان هدفها المرحلي إقامة ناد رياضي أكبر من الذي تديره، لكي تستوعب أعداداً أكبر من النساء، لكن حلمها بقي معها، حيث أبعدها عنه رصاص القتلة.

صورة من تويتر لأخ رهام

 

#شهيده_الوطن_رهام_يعقوب

في تويتر، تصدّر وسم "شهيدة الوطن رهام يعقوب" تغريدات العراقيين الذين شاركوا حزنهم ويأسهم إزاء الجريمة التي ارتكبت بحق الشابة التي نشرت في حياتها الطاقة والحيوية، والابتسامة أيضاً على وجوه الكثيرين، ونعاها أصدقاؤها ومعارفها على صفحتها في فيسبوك، بينما زاد متابعوها خلال أقل من 24 ساعة على مقتلها لأكثر من 15 ألفاً في إنستاغرام.

 

 

 

"لنا رب عادل"

كانت هذه العبارة جواباً على رسالة أحد أصدقاء رهام، يخبرها فيها عن التحريض ضدها عبر وكالة أنباء إيرانية. 

خية رهام دطلعي تگلي لنا رب عادل ولج متگليلي شنو ذنب اهلج ياساقطين مالگيتوا غيرها هاي رهام تعرفوها شگد ادمية؟؟؟؟ لو متعرفون؟ لاحول ولا قوة الا بالله راحت يم الرب العادل على يد ناس مايعرفون العدالة

Posted by Omar A. Faraj on Wednesday, August 19, 2020

 وفي سبتمبر عام 2018، نشرت وكالة "مهر" الإيرانية للأنباء، تقريراً بالعربية عنوانه "دور القنصلية الأمريكية في البصرة في تحريك الشارع العراقي"، تحرّض فيه على عدد من نشطاء البصرة في احتجاجات ذلك العام، التي اندلعت قبل شهرين من نشر التقرير، بسبب سوء الخدمات الأساسية المقدمة للمدينة النفطية في العراق. 

صورة من تقرير الوكالة الإيرانية

ومن بين الأسماء المذكورة بالصور كانت رهام، حيث كُتب عنها "رهام يعقوب، إحدى الفتيات العراقيات الناشطات في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي خريجة علوم التغذية، ولديها العديد من المتابعين على حساباتها الاجتماعية، إلا أن منشوراتها لا تتعلق بأمور التغذية فقط بل تقود مظاهرات نسائية في المدينة تحت عناوين رياضية وتعليم وغيرها، إلا أن في الواقع أثرت عن طريق العديد من الأوسمة على أحداث البصرة مثل #نساء_مدينتي و #فخر مملكتي".

والمتابع لهذين الوسمين اللذين استخدمتهما رهام، يلاحظ أنها كانت تروّج عبرهما للنشاطات الرياضية فقط. 

وكانت شاركت في الاحتجاجات 2018، وظهرت في إحدى المقابلات تركز على سلمية المتظاهرين وتؤكد حقهم في المطالبة بتحسين الخدمات في محافظتها، محتجة ومبدية غضبها إزاء قتل المتظاهرين السلميين.

"كنت أتمنى أن تشرب وزيرة الصحة من ماء البصرة لتعرف معاناتنا" فيديو قديم للناشطة رهام يعقوب المصدر: قناة سكاي ميشكان

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Wednesday, August 19, 2020

يقول أحمد العلي، وهو أحد الناشطين في احتجاجات البصرة 2018 و2019 حتى الآن، إن واقعة اغتيال رهام حصلت على مقربة من مكان اعتصامهم، أمس الأربعاء، وحين علم به هرع إلى المكان مع بعض رفاقه، وكانوا أخذوا جثتها إلى المستشفى.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "عام 2018 رأيتها في ميادين الاحتجاج، لكن في ثورة أكتوبر ٢٠١٩ لم أرها، إنما كانت على تواصل مع أصدقائنا".

في هذا السياق، يقول أحمد العايدي، وهو أحد المقرّبين من عائلتها لـ"ارفع صوتك": "رهام كانت مهددة منذ 2018 بسبب صور لها مع القنصل الأميركي بمناسبات معينه مثل يوم المرأة العالمي وندوة ثقافيه وفطور رمضاني، باعتبارها ناشطه وشابة فاعلة في المجتمع البصري، وتحمل شهادة عالية مع خبرة بالإضافة لعملها الإذاعي".

لكن "السبب الرئيسي لقتلها ليس صورها في القنصلية الأميركية طبعاً، هذه مجرّد حجة حتى يغتالونها، ولكن السبب لأنها خرجت ضد الأحزاب والحكومة في مظاهرات 2018" يقول أحمد.

ويتابع "أنا متأكد أن أحد الأحزاب عرف أن صوتها مسموع وأنها مؤثرة على نساء البصرة، فبحث عنها وحرّض ضدها لكي يتسنّى له قتلها".

مرّ عامان على نشر الوكالة الإيرانية لتقريرها التحريضي، فهل هو السبب فعلاً لاستهدافها؟ 

يقول الصحافي منتظر بخيت، وهو صديق الراحلة رهام، لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنه تقرير قديم، لكنه كان جزءاً من حملة إلكترونية تحريضية من قبل الجيوش الإلكترونية في مواقع التواصل، استمرت طيلة العامين الماضيين".

ويؤكد "حتى الأسبوع السابق لاغتيال رهام تم تداول هذا التقرير والتحريض ضدها بوصفها عميلة أميركية، كما أخبرتني رهام أكثر من مرة عن الضغوط التي تعيشها بسبب تداول مثل هذه الأخبار".

ويتابع منتظر "الصور في احتفالية القنصلية الأميركية لم تكن سراً، نشرتها القنصلية ورهام نفسها، في يوم المرأة العالمي، وتمت بمشاركة جهات عديدة من وجوه البصرة والإعلاميين وقيادة الشرطة والحكومة المحلية، ليس نشطاء فقط، لكن الجيوش الإلكترونية استخدمتها في حملة ضد رهام بسبب نشاطها في احتجاجات البصرة".

ويقول "وبسبب التهديد المستمر لرهام، ابتعدت عن البصرة لشهور عام 2018 ثم عادت حين هدأت الأوضاع، وتفرغت للعمل في النادي الرياضي والدراسة لنيل شهادة الدكتوراة، ونأت بنفسها عن احتجاجات 2019 (ما عرف بثورة أكتوبر)".

وعن واقعة الاغتيال أمس الأربعاء، أكد منتظر "شرطة النجدة كانت على بعد 50 متراً تقريباً من إطلاق الرصاص، لكنها لم تتحرك".

"استقرت ثلاث رصاصات في جسد رهام، الأولى في رقبتها واثنتين في الصدر، وحين فقدت السيطرة على مقود السيارة ضربت سيارتها الرصيف" يوضح منتظر.

ويختم حديثه لـ"ارفع صوتك" بالقول "كل ما فعلته رهام أنها أرادت رؤية مدينتها جميلة تنعم بحياة أفضل، عبر نشاطاتها الرياضية والتوعوية، فقتلوها.. صعب جدًا أن تفقد صديقين يملكان هذا الفكر والإنسانية والتأثير الكبير في ظرف أسبوع واحد..."

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".