العراق

"حب تالي العُمُر".. كاتب فلسطيني يدوّن 73 يوماً لبغداد

رحمة حجة
14 سبتمبر 2020

"كتبت سلاسل كثيرة في شؤون شتى، هنا على الفيسبوك وفي أماكن أخرى، وكان الخروج منها سهلا، كنت أتقيأ سياسة فترتاح معدتي، وأكتب في شؤون أخرى فيرتاح دماغي، وأما الخروج من بغداديات فهو صعب جدا، لأن ما فيها يستقر أبعد من العقل، إنه أصعب على قلبي من مغادرة بغداد عام 1995، كنت يومها عائدا إلى فلسطين، أما اليوم فأغادر لا أعرف إلى أين".

بهذه العبارات، اختتم الكاتب والإعلامي الفلسطيني عماد الأصفر، سلسلة يوميات عن بغداد، مؤلفة من ذكريات وانطباعات ونوستالجيا وحتى أحداث معاصرة لتوقيت كتابته (كرثاء نجم كرة القدم أحمد راضي).

وفي الوقت الذي كتب الآلاف وربما الملايين حول العالم، يومياتهم المنزلية الآنيّة مع الحجر الصحي بسبب ظروف منع التجوّل وإتاحة العمل من بعد، أو التعطّل عن العمل، استجابة لجائحة كوفيد-19، قرّر الأصفر العودة بالذاكرة للعراق، مدة 73 يوماً متواصلة، لينتقل بعدها إلى سوريا، التي وصلت يومها  السادس والستين. 

بغداديات الاخيرة محبة وشكر بعد 73 يوما من هذه المطولات البغدادية، ينتابني الشعور بالضياع، او الغرق في دوامة لا استطيع...

Posted by Emad Alasfar on Sunday, July 5, 2020

وفي 17 أغسطس الماضي، أعلن الأصفر أن "بغداديات" صارت كتاباً جاهزاً للنشر، حصل "ارفع صوتك" على نسخة إلكترونية منه.

لمّا يكون الفنان خالك . هيك بيطلع غلاف كتابك Nawaf Soliman

Posted by Emad Alasfar on Monday, August 17, 2020

 

يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك" إنه قرر نشر السلسلة على هيئة كتاب، بعد أن أقنعه أصدقاؤه بذلك، فيما صمّم الغلاف الفنان والخطاط نواف سليمان، المقيم في الولايات المتحدة.

ويضيف "أعتقد أنني سأنشر الكتاب إلكترونيا، وبعض الأصدقاء القدامى من أيام بغداد يريدون أيضا طباعة ونشر وتوزيع هذا الكتاب في دبي" آملاً أن تطبع هذه الحلقات في كتاب لتكون موجودة بين أيدي عدد أكبر من القراء العراقيين أو العرب "الذين مروا ببغداد وشربوا من مائها وشايها ودرسوا أو أقاموا فيها أو تزوجوا منها، أو خلقوا ذكريات فيها" على حد تعبيره.

زيارة خاطفة

عاش الإعلامي عماد الأصفر في العراق بين الأعوام (1983- 1995) مع غياب بسيط عنه، ثم زاره عام 2002 يوماً واحداً فقط.

"كان وضعه مزرياً جداً" يصف الأصفر العراق في ذلك العام.

ويستذكر الزيارة بقوله "نزلت في فندق ميريديان وسط العاصمة، وفي الساعة 8:00 مساء بدأت جولة من شارع السعدون، الأكثر ازدحاما كونه في قلب بغداد، لأجد معظم محلاته مغلقة، وعدد قليل من المارة كانوا يسيرون كأن على رؤوسهم الطير، بينما انتشرت الكلاب في الشارع".

صورة من أرشيف وكالة الأنباء الفرنسية لبغداد عام 2002

بدت له بغداد "مدينة مهجورة" مضيفاً "رأيت رجلا حزينا توحي لحيته وسحنته ووقفته بأنه من المثقفين،، كان يبيع مكتبته الشخصية، آلمني هذا المنظر كثيراً، خاصة وأنا أعرف طبيعة المثقف العراقي، وكيف يعتد بنفسه ويعتز بمكتبته".

ويتابع الأصفر "في اليوم التالي عدت إلى عمّان بطريق البر كما حضرت، ولم أكن قد ارتحت بعد من عناء السفر في السيارة لمدة 12 ساعة". 

 

"أشياء أحبها عن أناس أحبهم"

وعن تاريخ الأصفر مع أدب اليوميّات، خصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، التي أعطته صبغة جديدة، يقول إنه اعتاد الكتابة بشكل يومي منذ سنوات في صفحته على فيسبوك، حيث تتيح له طبيعة هذا الموقع "المرونة والحرية والتخفف من أي التزام وظيفي" بالإضافة للتفاعل مباشرة مع المتلقّي.

"أحيانا اكتب البوستات القصيرة جداً التي تتوافق مع استعجال رواد مواقع التواصل، لكنني في الغالب أتجرأ لأكتب مقالات طويلة، وواجه ذلك انتقادات وأحياناً عدم استحسان في البداية، ولكن مداومتي على الكتابة واهتمامي بشؤون الساعة، والزاوية غير التقليدية، وغير المكررة التي أتناول الموضوعات من خلالها، خلقت بعض المتابعين النوعيين. وهذا أمر يسعدني" يقول الأصفر.

وعن الموضوعات التي شكلت عناوين يوميات الأصفر قبل بغداد، يقول "واكبت انتشار وباء كورونا، وكافة مباربات كأس العالم بمقالات طويلة تتحدث عن ذكرياتي مع البلد الذي يلعب منتخبه، إن كنت قد زرته مثلا، وعن مواقفه السياسية لا سيما إزاء قضية فلسطين. كانت سلسلة يومية متعبة خاصة مع حدوث مباريتين في اليوم الواحد، لكنها كتابة متنوعة وممتعة لي ككاتب، حيث أشعر أنني حين أكتب ألقي عن ظهري أحمالا ثقيلة، وأفرغ مساحة من عقلي لتدخلها أحداث وذكريات جديدة".

ويتابع الأصفر "فعلت هذا أيضا مع إضراب الأسرى الفلسطينيين الذي طال كثيرا فألزمت نفسي بالكتابة عن الحركة الأسيرة ولكن من زوايا مختلفة، مثل أغاني الأسرى وأدب السجون والمعتقلات، وعن حالات خاصة وعن عمليات التبادل، والآن أنا منشغل في سلسلة جديدة عنوانها (سوريا التي في خاطري)".

أما "بغداديات" فكانت السلسلة الأطول، يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك": "كتبت يومياً وكنت أدقق كمّاً كبيرا من المعلومات، وأكتب بسخاء، إذ لم أكن معنياً بتجزئة السلسلة لعدد أكبر من الحلقات رغم إمكانية وسهولة ذلك، وذلك لأنني كنت أكتب أشياء أحبها عن أناس أحبهم وأعرفهم وأتقاسم معرفتهم مع عدد كبير من الأصدقاء، الذين اعتبروا أن ما أكتبه هو جزء من ذاكرتهم الشخصية".

بغداد حادة المزاج. إن أحبت، أحبت بجنون وإن كرهت كرهت بلا حدود، وإذا سادتها المشاعر القومية عقدا، تلته عقود من القُطرية، وإذا حاربت ببسالة في حرب،استسلمت لاحقاً، وإذا ثارت على طغيان داخلي، سكتت طويلا على طغيان يليه، وإذا تجاوزت فقرها وصارت غنية، ارتدّت سريعا لتصير الأفقر بين شقيقاتها (بغداديّات)

وبعض متابعي "بغداديات" اعتبرها فرصة لتجديد علاقته بزملاء قدامى، كما دعا بعضهم لتشكيل "رابطة لخريجي الجامعات العراقية في فلسطين"، حسب الأصفر.

يقول "كنت سعيداً بتفاعل كثير من العراقيين، خاصة المقيمين خارجه، وكيف أن بعضهم كان يرسل ما أكتب إلى أبنائه على أمل أن يصنع ذاكرة وطنية لهم، حيث ولدوا وكبروا بعيدين عن ثقافة بلدهم".

ويشعر الأصفر بالحزن الكبير على العراق وأهله، قائلاً "الكوارث المتوالية التي تدور على أرضهم تشغل حياتهم بحيث لا يتفرغون لتقديم المزيد من الإنجاز الثقافي  المعولم وغير الخاضع لتأثير الجغرافيا أو الواقع". 

هذه الذاكرة الخصبة، ورؤية البلد الذي أحبّه، يتداعى في البعيد، لم يكن بوحها خفيفاً دائماً، يقول  الأصفر "بكيت في بعض الحلقات وضحكت في أخرى، وفي الختام، أطلت الوقوف، واستصعبت الخروج  لكنني خرجت في النهاية حزينا ومحتارا، وكان علي أن أباشر فوراً بكتابة سلسلة جديدة لا لشيء إلا لكي أخرج من جو بغداديات، هذا الجو الذي وضعني في العراق طيلة 73 يوماً متواصلة بعد ربع قرن من الغياب". 

 

بغداد "حب تالي العُمر"

لم تكن الليلة الأخيرة للأصفر في بغداد، سوى إشارة غير معلنة على بدء تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق، ولكن كيف رآها هو طيلة تلك السنوات، وما الذي يستشرفه من مستقبلها؟

يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك": "بشأن مستقبل بغداد وغيرها من الدول العربية التي تهدمت، وقياسا بما قرأنا في التاريخ، أراه مساراً إجبارياً نحو النهوض، إذ خاضته كل الأمم قبل أن تبدأ بتحريم الاقتتال والعنف الداخلي وتلتفت إلى مصالحها".

"هو مسار محزن ويقطّع القلب، لكن الأمل معقود على هؤلاء الشبان والشابات الذين رأيناهم في ساحة التحرير وقد ألقوا عن كاهلهم كل تبعية طائفية أو حزبية، ورفعوا صوتهم عالياً ضد الفساد والمحاصصة، إذ لا يوجد أمل نعقده على غير هؤلاء، لا التدخل الخارجي ينفع ولا المصالحات الحزبية ولا الانتخابات المبنية على أسس غير ديمقراطية، فهو مسار طويل ودامٍ، لكن لا بديل" يتابع الأصفر. 

كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش مرة "كيف نُشفى من حب تونس؟"، ماذا لو أبدلناها ببغداد؟ يقول الأصفر "لا يمكن الشفاء من الحب، خاصة حب تالي العمر، فحبي لبغداد هو محصلة وحاصل جمع محبة أماكن وناس وعمر ومشاعر وأحلام....".

ويختم حديثه بمقطع من أغنية لسعدون جابر، كتبها فالح  حسون الدراجي:

"انا بهذا العمر حبيت واشكيلك اجيت اعتب

هوى تالي العمر كتال واكثر من هوى ايام الصبا يعذب

يا مرافق زغري وايامي ومعاشر صحوي واحلامي

شلون الحاجب ينسى العين وشيفارق ولفين اثنين

الحبك والراد اشواقك يهواك بوصلك وفراقك

حبيناك شقد مانحب وشقد ما بالعالم حب

ولا تقدر تنساك الروح تريد تظل تريد تروح"

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.