العراق

"حب تالي العُمُر".. كاتب فلسطيني يدوّن 73 يوماً لبغداد

رحمة حجة
14 سبتمبر 2020

"كتبت سلاسل كثيرة في شؤون شتى، هنا على الفيسبوك وفي أماكن أخرى، وكان الخروج منها سهلا، كنت أتقيأ سياسة فترتاح معدتي، وأكتب في شؤون أخرى فيرتاح دماغي، وأما الخروج من بغداديات فهو صعب جدا، لأن ما فيها يستقر أبعد من العقل، إنه أصعب على قلبي من مغادرة بغداد عام 1995، كنت يومها عائدا إلى فلسطين، أما اليوم فأغادر لا أعرف إلى أين".

بهذه العبارات، اختتم الكاتب والإعلامي الفلسطيني عماد الأصفر، سلسلة يوميات عن بغداد، مؤلفة من ذكريات وانطباعات ونوستالجيا وحتى أحداث معاصرة لتوقيت كتابته (كرثاء نجم كرة القدم أحمد راضي).

وفي الوقت الذي كتب الآلاف وربما الملايين حول العالم، يومياتهم المنزلية الآنيّة مع الحجر الصحي بسبب ظروف منع التجوّل وإتاحة العمل من بعد، أو التعطّل عن العمل، استجابة لجائحة كوفيد-19، قرّر الأصفر العودة بالذاكرة للعراق، مدة 73 يوماً متواصلة، لينتقل بعدها إلى سوريا، التي وصلت يومها  السادس والستين. 

بغداديات الاخيرة محبة وشكر بعد 73 يوما من هذه المطولات البغدادية، ينتابني الشعور بالضياع، او الغرق في دوامة لا استطيع...

Posted by Emad Alasfar on Sunday, July 5, 2020

وفي 17 أغسطس الماضي، أعلن الأصفر أن "بغداديات" صارت كتاباً جاهزاً للنشر، حصل "ارفع صوتك" على نسخة إلكترونية منه.

لمّا يكون الفنان خالك . هيك بيطلع غلاف كتابك Nawaf Soliman

Posted by Emad Alasfar on Monday, August 17, 2020

 

يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك" إنه قرر نشر السلسلة على هيئة كتاب، بعد أن أقنعه أصدقاؤه بذلك، فيما صمّم الغلاف الفنان والخطاط نواف سليمان، المقيم في الولايات المتحدة.

ويضيف "أعتقد أنني سأنشر الكتاب إلكترونيا، وبعض الأصدقاء القدامى من أيام بغداد يريدون أيضا طباعة ونشر وتوزيع هذا الكتاب في دبي" آملاً أن تطبع هذه الحلقات في كتاب لتكون موجودة بين أيدي عدد أكبر من القراء العراقيين أو العرب "الذين مروا ببغداد وشربوا من مائها وشايها ودرسوا أو أقاموا فيها أو تزوجوا منها، أو خلقوا ذكريات فيها" على حد تعبيره.

زيارة خاطفة

عاش الإعلامي عماد الأصفر في العراق بين الأعوام (1983- 1995) مع غياب بسيط عنه، ثم زاره عام 2002 يوماً واحداً فقط.

"كان وضعه مزرياً جداً" يصف الأصفر العراق في ذلك العام.

ويستذكر الزيارة بقوله "نزلت في فندق ميريديان وسط العاصمة، وفي الساعة 8:00 مساء بدأت جولة من شارع السعدون، الأكثر ازدحاما كونه في قلب بغداد، لأجد معظم محلاته مغلقة، وعدد قليل من المارة كانوا يسيرون كأن على رؤوسهم الطير، بينما انتشرت الكلاب في الشارع".

صورة من أرشيف وكالة الأنباء الفرنسية لبغداد عام 2002

بدت له بغداد "مدينة مهجورة" مضيفاً "رأيت رجلا حزينا توحي لحيته وسحنته ووقفته بأنه من المثقفين،، كان يبيع مكتبته الشخصية، آلمني هذا المنظر كثيراً، خاصة وأنا أعرف طبيعة المثقف العراقي، وكيف يعتد بنفسه ويعتز بمكتبته".

ويتابع الأصفر "في اليوم التالي عدت إلى عمّان بطريق البر كما حضرت، ولم أكن قد ارتحت بعد من عناء السفر في السيارة لمدة 12 ساعة". 

 

"أشياء أحبها عن أناس أحبهم"

وعن تاريخ الأصفر مع أدب اليوميّات، خصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، التي أعطته صبغة جديدة، يقول إنه اعتاد الكتابة بشكل يومي منذ سنوات في صفحته على فيسبوك، حيث تتيح له طبيعة هذا الموقع "المرونة والحرية والتخفف من أي التزام وظيفي" بالإضافة للتفاعل مباشرة مع المتلقّي.

"أحيانا اكتب البوستات القصيرة جداً التي تتوافق مع استعجال رواد مواقع التواصل، لكنني في الغالب أتجرأ لأكتب مقالات طويلة، وواجه ذلك انتقادات وأحياناً عدم استحسان في البداية، ولكن مداومتي على الكتابة واهتمامي بشؤون الساعة، والزاوية غير التقليدية، وغير المكررة التي أتناول الموضوعات من خلالها، خلقت بعض المتابعين النوعيين. وهذا أمر يسعدني" يقول الأصفر.

وعن الموضوعات التي شكلت عناوين يوميات الأصفر قبل بغداد، يقول "واكبت انتشار وباء كورونا، وكافة مباربات كأس العالم بمقالات طويلة تتحدث عن ذكرياتي مع البلد الذي يلعب منتخبه، إن كنت قد زرته مثلا، وعن مواقفه السياسية لا سيما إزاء قضية فلسطين. كانت سلسلة يومية متعبة خاصة مع حدوث مباريتين في اليوم الواحد، لكنها كتابة متنوعة وممتعة لي ككاتب، حيث أشعر أنني حين أكتب ألقي عن ظهري أحمالا ثقيلة، وأفرغ مساحة من عقلي لتدخلها أحداث وذكريات جديدة".

ويتابع الأصفر "فعلت هذا أيضا مع إضراب الأسرى الفلسطينيين الذي طال كثيرا فألزمت نفسي بالكتابة عن الحركة الأسيرة ولكن من زوايا مختلفة، مثل أغاني الأسرى وأدب السجون والمعتقلات، وعن حالات خاصة وعن عمليات التبادل، والآن أنا منشغل في سلسلة جديدة عنوانها (سوريا التي في خاطري)".

أما "بغداديات" فكانت السلسلة الأطول، يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك": "كتبت يومياً وكنت أدقق كمّاً كبيرا من المعلومات، وأكتب بسخاء، إذ لم أكن معنياً بتجزئة السلسلة لعدد أكبر من الحلقات رغم إمكانية وسهولة ذلك، وذلك لأنني كنت أكتب أشياء أحبها عن أناس أحبهم وأعرفهم وأتقاسم معرفتهم مع عدد كبير من الأصدقاء، الذين اعتبروا أن ما أكتبه هو جزء من ذاكرتهم الشخصية".

بغداد حادة المزاج. إن أحبت، أحبت بجنون وإن كرهت كرهت بلا حدود، وإذا سادتها المشاعر القومية عقدا، تلته عقود من القُطرية، وإذا حاربت ببسالة في حرب،استسلمت لاحقاً، وإذا ثارت على طغيان داخلي، سكتت طويلا على طغيان يليه، وإذا تجاوزت فقرها وصارت غنية، ارتدّت سريعا لتصير الأفقر بين شقيقاتها (بغداديّات)

وبعض متابعي "بغداديات" اعتبرها فرصة لتجديد علاقته بزملاء قدامى، كما دعا بعضهم لتشكيل "رابطة لخريجي الجامعات العراقية في فلسطين"، حسب الأصفر.

يقول "كنت سعيداً بتفاعل كثير من العراقيين، خاصة المقيمين خارجه، وكيف أن بعضهم كان يرسل ما أكتب إلى أبنائه على أمل أن يصنع ذاكرة وطنية لهم، حيث ولدوا وكبروا بعيدين عن ثقافة بلدهم".

ويشعر الأصفر بالحزن الكبير على العراق وأهله، قائلاً "الكوارث المتوالية التي تدور على أرضهم تشغل حياتهم بحيث لا يتفرغون لتقديم المزيد من الإنجاز الثقافي  المعولم وغير الخاضع لتأثير الجغرافيا أو الواقع". 

هذه الذاكرة الخصبة، ورؤية البلد الذي أحبّه، يتداعى في البعيد، لم يكن بوحها خفيفاً دائماً، يقول  الأصفر "بكيت في بعض الحلقات وضحكت في أخرى، وفي الختام، أطلت الوقوف، واستصعبت الخروج  لكنني خرجت في النهاية حزينا ومحتارا، وكان علي أن أباشر فوراً بكتابة سلسلة جديدة لا لشيء إلا لكي أخرج من جو بغداديات، هذا الجو الذي وضعني في العراق طيلة 73 يوماً متواصلة بعد ربع قرن من الغياب". 

 

بغداد "حب تالي العُمر"

لم تكن الليلة الأخيرة للأصفر في بغداد، سوى إشارة غير معلنة على بدء تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق، ولكن كيف رآها هو طيلة تلك السنوات، وما الذي يستشرفه من مستقبلها؟

يقول الأصفر لـ"ارفع صوتك": "بشأن مستقبل بغداد وغيرها من الدول العربية التي تهدمت، وقياسا بما قرأنا في التاريخ، أراه مساراً إجبارياً نحو النهوض، إذ خاضته كل الأمم قبل أن تبدأ بتحريم الاقتتال والعنف الداخلي وتلتفت إلى مصالحها".

"هو مسار محزن ويقطّع القلب، لكن الأمل معقود على هؤلاء الشبان والشابات الذين رأيناهم في ساحة التحرير وقد ألقوا عن كاهلهم كل تبعية طائفية أو حزبية، ورفعوا صوتهم عالياً ضد الفساد والمحاصصة، إذ لا يوجد أمل نعقده على غير هؤلاء، لا التدخل الخارجي ينفع ولا المصالحات الحزبية ولا الانتخابات المبنية على أسس غير ديمقراطية، فهو مسار طويل ودامٍ، لكن لا بديل" يتابع الأصفر. 

كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش مرة "كيف نُشفى من حب تونس؟"، ماذا لو أبدلناها ببغداد؟ يقول الأصفر "لا يمكن الشفاء من الحب، خاصة حب تالي العمر، فحبي لبغداد هو محصلة وحاصل جمع محبة أماكن وناس وعمر ومشاعر وأحلام....".

ويختم حديثه بمقطع من أغنية لسعدون جابر، كتبها فالح  حسون الدراجي:

"انا بهذا العمر حبيت واشكيلك اجيت اعتب

هوى تالي العمر كتال واكثر من هوى ايام الصبا يعذب

يا مرافق زغري وايامي ومعاشر صحوي واحلامي

شلون الحاجب ينسى العين وشيفارق ولفين اثنين

الحبك والراد اشواقك يهواك بوصلك وفراقك

حبيناك شقد مانحب وشقد ما بالعالم حب

ولا تقدر تنساك الروح تريد تظل تريد تروح"

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".