العراق

"جسد سياسي للثورة".. ما هو مستقبل الاحتجاجات العراقية؟

رحمة حجة
08 أكتوبر 2020

مضيّ عام على انطلاقة ثورة تشرين العراقية  لم يمحُ الآثار الدامية أو يخفف مصاب المفجوعين بالفقد، أو يتكلل بتحقيق أيّ من الأهداف المعلنة للاحتجاجات.

كما أن كل ما حدث لم يقيّد من سطوة المليشيات باستهدافها النشطاء عبر القتل والخطف والتعذيب وبث الرعب في نفوس البقيّة، أمام عجز الحكومة في صدّها.

وعلى الرغم من عودة حذرة للتظاهرات السلمية في العاصمة بغداد وعدة محافظات جنوبية، إلا أن المتظاهرين تعرّضوا للقمع على يد القوات الحكومية،  الثلاثاء، في محيط مرقد الإمام الحسين، إذ يحيي المئات شعائر الأربعين.

وإثر ذلك، نشر زعيم التيار الصّدري مقتدى الصّدر، بياناً يهدّد فيه المتظاهرين، وهو المتهم في أحداث عنف سابقة، تسبب بقتل وجرح وتعذيب العشرات من النشطاء العراقيين خلال الاحتجاجات وما بعدها.

ولم يتوقف الصّدر عند هذا الأمر، بل دعا العشائر لمساندته في التصدّي للمتظاهرين، عبر منشور له، الأربعاء، وصفه البعض بأنه تحريضي ويدعو للتعامل بلغة العنف.

 

وفي حين نُشرت وثيقة يؤكد فيها زعماء العديد من العشائر رفضهم لأحداث كربلاء باعتبار المتظاهرين "مخرّبين" على يبدو نزولاً عند رغبة الصّدر، تم تداول رد الشيخ حسين علي آل خيون، بشكل واسع، حيث رفض بشكل قاطع التقاطع مع أهداف الصّدر.

 

هذا وما سبقه من مواقف وأحداث، جعل العشرات وربّما المئات، من العراقيين -خصوصاً الشباب- الذين شاركوا في صناعة الثورة، أو أيّدوها عن بُعد،  يعيدون النظر في مستقبلها، والبحث عن أساليب أكثر جدوى لتحقيق الأهداف الأساسية. 

وفي نفس الوقت، ظلّ قسم آخر متمسك بشعارات الفداء والتضحية من أجل العراق، والمواظبة على تكرار الاعتصامات والتظاهرات، حتى أن منهم دعا إلى تنظيم تظاهرة باتجاه الحيّ الدوليّ (المنطقة الخضراء) حيث مقر الحكومة والجيش. 

وبين هذا الرأي الأول والثاني، الكثير من العراقيين قررّوا الوقوف على الحياد، رغم مشاركتهم العام الفائت في التظاهرات، وآثروا النأي بأنفسهم عن جدل وساحات لم تعد تمثلهم، كما قال بعضهم عبر منشورات في مواقع التواصل. 

 

العمل السياسي

وجّه "ارفع صوتك" أسئلة لعدد من النشطاء الذين شاركوا ميدانياً في الاحتجاجات، تتعلّق بمستقبل الثورة وملامح المرحلة المقبلة، فانقسم بعضهم بين الانتقال للعمل السياسي والآخر لاستمرار الوضع على ما هو عليه. 

معمّر الزاخولي، شاب ثلاثيني لم يغادر ساحة التحرير وسط بغداد منذ أكتوبر 2019، ويساهم في تأمين المساعدات الغذائية للشباب الذين بقوا في الخيم طيلة هذه المدة.

يقول معمّر لـ"ارفع صوتك" إنه يؤيّد الانتقال نحو العمل السياسي، وهو "ما يتم العمل عليه حالياً من قبل أبرز النشطاء في ساحات التظاهر داخل بغداد ومدن جنوبية بالفعل، حيث يجري انتخاب ممثلين عن كل الساحات بواقع 15-20 شخصاً من بغداد، وخمسة أشخاص من ساحة الحبّوبي في الناصرية، واثنين من كل ساحة أخرى".

يوضح "يجب تشكيل جسد سياسي للثورة، قد نسميه حزباً أو جبهة أو كياناً، إذ يجب ألا نحصر الثورة بمربّع جغرافي أو ساحة بعينها، وهذا الكيان عليه أن يعبّر عن طموحات وأهداف جيل الثورة".

وحول التصعيد المُرتقب للمتظاهرين في 25 أكتوبر الجاري، يقول معمّر "الكثير من الخيم انسحبت بعد الأول من أكتوبر، في نيّتها العودة للتصعيد. لكن توقعاتي أن هذا التصعيد سيقتصر على احتجاجات داخل الساحات ولن يكون أكبر من ذلك".

ويستدرك الدعوات لدخول المنطقة الخضراء في 25 أكتوبر (يوافق ذكرى سنة على انطلاقة الموجة الثانية من الاحتجاجات)، معلقاً "الذهب للخضراء يعني منح الشرعية للدولة بقتلك (المتظاهر) هذه حقيقة".

ويؤكد معمّر "علينا أن نكون واقعيين وعمليين، والانتقال للعمل السساسي ليس خياراً جباناً كما يدّعي البعض. لا نريد المزيد من القتل والموت".

وعن ملامح الكيان السياسي قيد التكوين، يقول معمّر لـ"ارفع صوتك": "سيضم أفراداً من مختلف القوميات والديانات، للتأكيد أولاً أن الثورة هي ثورة جميع العراقيين لا ثورة شيعة ضد حكم الشيعة كما يروّج البعض، وهدفنا جميعاً إنقاذ البلاد من الجهل ومنع بقائها الحديقة الخلفية لإيران والحد من سطوة المليشيات للتحوّل إلى دولة مؤسسات".

ويرفض معمّر أي دعوة توجه الشباب لحتفهم، وهو المصير الذي لاقاه المئات قبل عام، وسيتكرر في حال تكرار نفس الطريقة بالتعامل مع الوضع القائم. يقول "طريق الكفاح السياسي طويل لكنه مثمر على المدى البعيد". 

الناشطة  نور زيدان، ترى أن العمل السياسي هو سمة المرحلة المقبلة، أيضاً.

وتشارك نور في الاحتجاجات منذ عام 2011، تقول "كما شاركت في بداية أحداث تشرين عام 2019، رغم انعدام الأمل بعد تجربتنا في صيف 2018 خلال احتجاجات البصرة، خصوصاً أنها كانت نقلة نوعيّة لشكل الاحتجاج وبمثابة انتفاضة، لكن لم يتغير شيء بعدها".

وبسبب القمع الشديد للمتظاهرين بداية أكتوبر 2019 (راح ضحيته نحو 160 شخصاً) وقطع الإنترنت، لم تتمكن نور من الاستمرار، لتعود في الموجة الثانية 25 أكتوبر، حسب قولها.

وتلخص نور لـ"ارفع صوتك" التجربة: "كان عليّ الخروج حينها للمشاركة، ولم تمض أيام حتى استشهد صديقي المقرّب صفاء السراي، لأستمر في الاعتصام يومياً حتى آذار (مارس) 2020، وكان الانسحاب بسبب جائحة كورونا، إضافة لافتقار الاحتجاجات إلى التنظيم ووحدة الصف".

تقول "يجب أن يقوم الشباب بتنظيم أنفسهم ويتعاملوا بجديّة مع موضوع الحراك السياسي، فالثورة والاحتجاج فعل سياسي أساساً.

التنظيم السياسي ودخول المنافسة الانتخابية مع الأحزاب الكبيرة المسيطرة على المشهد العام في العراق، هو ما تجده نور أمراً ضرورياً، تقول "واقعياً، لا طريق للتغيير سوى صندوق الاقتراع، أما عودة الاحتجاجات إلى الشارع، فهو بلا جدوى ومجرد استنزاف وقت وجهد وطاقة وأرواح ناس أبرياء".

وماذا عن تصعيد 25؟ تقول نور "أنا لست مع أي تصعيد يذهب بسببه ضحايا كما أن لا جدوى منه، لكنّي مع  تنظيم حملات ضغط لإتمام تشريع قانون الانتخابات ومحاكمة قتلة المتظاهرين".

 

"خيبة أمل"

"خيبة أمل" هي عنوان مختصر لقصة الشاب محمد فؤاد، أعرب عن جزء منها في تغريدة له على تويتر، كتب فيها: 

 

يقول محمد، الطالب في كلية هندسة تقنيات الحاسبات لـ"ارفع صوتك" إنه مثل أي عراقي خرج قبل عام للمشاركة في الاحتجاجات وعاش "أياماً صعبة وبشعة" وتعرّض للقمع والتهديد ولحظات ضعف وخيبة أمل كبيرة من "الشعب الذي تركه وغيره مستضعفين أمام القوة الحاكمة.. الشعب غدر بينا" وفق تعبيره.

ويتابع "أنا شخصياً واجهت الرصاص الحيّ والغاز المسيل للدموع، منتهي الصلاحية، وعانيت إثره من التهابات حاده في المجرى التنفسي، كما تدهورت صحتي النفسية بعد إصابة صديقي برصاصة في كتفه، إلا أن ذلك جعلني مصرّاً على الاستمرار في التظاهر، قرابة 110 أيام".

ويرى محمد أنه كان الأجدر بالشباب الذي شارك في الاحتجاجات داخل بغداد البقاء في ساحة التحرير، إلا أن الغالبية "تركتها بسبب الخوف أو العودة للدراسة".

"تُركنا للشتائم وتشويه السّمعة.. كل شخص لديه خط أحمر يأمره ولا يخالف له أمراً" يضيف محمد.

ويعتقد أن العودة للتظاهر ما هي إلا جلب لنتائج مشابهة، حيث سيُترك المتظاهرون مجدداً وحدهم، يقول محمد "سيخذلنا الشعب من جديد، وسنخسر المزيد من الأرواح لأجل لا شيء... شعبنا يفتقد حُرية الذات ومفهوم العيش الكريم وصنع القرار لنفسه".

ما البديل أو طريق التغيير الجديد برأيك إذن؟ يجيب محمد "التوعيه بمفاهيم الحريه و تحقيق العيش الكريم والكرامه العامة وليس الفردية فقط، لكن في ظل وجود المجاميع المسلحه غير الشرعية، وهي جزء من الدولة، سيبقي الخطوط الحمراء قائمة لدى الشعب، فمصلحتها ألا يكون العراق بخير".

 

"تصحيح الأخطاء"

في نفس السياق، وبشكل مغاير لوجهات النظر السابقة، يؤكد علي (18 عاماً) وهو لا يزال على مقاعد الدراسة الإعدادية على دعمه لاستمرار الاحتجاجات بالشكل المعتاد لكن مع "التنظيم وتصحيح الأخطاء".

يقول علي لـ"ارفع صوتك": "حاولت الأحزاب والمليشيات اختراق الساحة والتشويش على رأي الثوار سابقاً، لذا يجب طرد العصابات والأشخاص التابعين للأحزاب من الساحات، ويجب على القوات الأمنيه حماية الثوار داخل وخارج الساحة (التحرير) بالإضافة لزيادة التنسيق بين عمل الساحات جميعها".

ويعتقد بأهمية "رفع الخيم جميعها من الساحة لمنع سيطرة الأحزاب والجماعات عليها، وإبقاء الاحتجاجات والمسيرات اليومية".

أما السبيل لإحداث التغيير في العراق، فليس عبر العمل السياسي أو صناديق الاقتراع لأنها "مشوبة بالتزوير غالباً وأضعف من هيمنة المليشيات" إنما "بالإصرار والاستمرار في التظاهر  رغم التهديدات والاغتيالات وفاءً لدماء الشهداء الأبرار "، على حد تعبير علي.

 

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".