العراق

"مرتكبو جرائم الميراث".. هل يفلتون من القضاء العراقي؟

06 أكتوبر 2020

لا تستغرب الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي من إعلان مديرية مكافحة إجرام بغداد قبل أسابيع قليلة، إلقاء القبض على شاب قتل والده بعد الاتفاق مع شقيقته وأحد أصدقائه رغبة في الاستيلاء على الميراث، لأن جرائم الميراث، كما تقول "لا تعد سابقة في القضاء العراقي". 

ولكن ما يدعو إلى قلق الصالحي هو أن جرائم الميراث تشير  إلى أبعد من التورط بارتكابها.

توضح لـ"ارفع صوتك" أن"الخطورة لا تكمن في فعل الجريمة وتمتع مرتكبها بأموال الميراث التي استولى عليها فقط، إنما في المحرّك الأساس لارتكابها، ويرتبط بالأسرة، أو بالأحرى بالعنف الأسري".

وتقول د. الصالحي إن "العنف الأسري كشف بالأدلة في أنه يتيح الفرص المقنعة لوقوع المزيد من جرائم القتل على يد أحد أفراد الأسرة".

وتتابع: "هناك فئة من مرتكبي جرائم الميراث لا يعاقبون قانونياً، لأنهم يستغلون مسميات (غسل العار) في قتل المرأة للهيمنة على حصتها من الميراث، سواء من قبل زوجها أو أخيها أو أحد أفراد عشيرتها، فالقانون يتسامح مع مرتكبي جرائم ما يُسمّى الدفاع عن الشرف".

وعلى نفس الشاكلة، تقول الخبيرة إن "الدفاع عن الشرف في كثير من الأحيان يستخدم كوسيلة ضغط على المرأة للتنازل عن حقها في الميراث".

 

إرث زوجها

في المقابل، تتذكر وداد جاسب (47 عاماً) حالها بعد عام من رحيل زوجها، حين قضت المحكمة بأحقيتها في إرث زوجها، بخلاف ما كانت تفرضه عائلته.

تقول لـ "ارفع صوتك": "فوجئت بعد رحيل زوجي بحادث إرهابي عام 2016 باتهامي بخيانته وإصرار عائلته على أنني لا أستحق إرثه، خصوصا أن ملكية المنزل كانت مسجلة باسمي".

لذا اتجهت وداد، وهي أم لثلاثة أطفال بتقدم بشكوى ضد عائلة زوجها أمام المحكمة، بعد أن تعرضت لتهديدات أمام الجيران بفضحها وحرمانها من أطفالها لإرغامها على التنازل عن الميراث. 

وتؤكد وداد "بعد النظر في الشكوى والاستماع إلى الشهودحكم القاضي بأحقيتي في ملكية المنزل وكذلك الميراث".

 

"بحجة الوصاية"

من جهتها، تقول المحامية سهاد مصطفى، إن "بعض جرائم الميراث قد تُمكن مرتكبيها سهولة الإفلات من عقوبة القانون، نظرا لارتباطها بلجان طبية نفسية وعصبية، وهو ما يعني الحصول على الميراث بشكل يبدو مقبولاً بنظر المجتمع والقانون". 

وتضيف سهاد في حديثها لـ "ارفع صوتك" أن "بعض جرائم الميراث تكون مبررة، عندما يثبت قانونياً أن هذا الفرد بحاجة لوصاية لأنه فاقد للأهلية ولا يحق له التصرف بحصته في الميراث".

وتمثل الوصاية أو القيمومة برأي المحامية، وسيلة تستغل من أحد أفراد الأسرة للاستيلاء على حصة غيره في الميراث، إذ تكون موجهة عادة للذي لم يبلغ سن الرشد والمجنون والمعتوه وكذلك الأصم والأبكم أو الأعمى وخرف الشيخوخة، فضلا عن الغائب والمفقود.

والوصاية تنص وفق القوانين النافذة ذات العلاقة بشؤون القاصر وأحواله الشخصية في المادة "96" من القانون المدني العراقي على أن الصغير دون سن السابعة ممنوع من مباشرة أي تصرف في ماله لأن الصغار يحتاجون إلى من يقوم مقامهم ويساعدهم على تدبير شؤونهم الاجتماعية، ويباشر أعمالهم عنهم وليهم.

كما تقضي المادة "94" من القانون المدني بإيقاع الحجر على المجنون أو المعتوه من قبل المحكمة المختصة وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في القانون، أما المادة "104" فتنص على أنه إذا كان الشخص أصما أبكما أو أعمى أصما أو أعمى أبكما جاز للمحكمة أن تنصب عليه وصياً، ويلحق بهؤلاء من أصيب بخرف الشيخوخة كما ورد في نص المادة "82" في الفقرة (3) من قانون رعاية القاصرين. 

 

نفي النسب

ولكن، لو استبعدنا كل هذه الأسباب التي تدفع لارتكاب جرائم الميراث، ستبرز مشكلة إنكار النسب، أو ما يطلق عليها في المحاكم العراقية قضايا "نفي نسب"، حسب المستشارة القانونية إيمان علي.

وتقول إيمان لـ "ارفع صوتك"، إن "السبب وراء الكثير  من هذه القضايا استغلال وفاة الأب من قبل إخوته وأهله، طمعاً في حصة أبنائه في الميراث".

ورغم وجود اختبار الحامض النووي في معهد الطب العدلي الذي تستعين به المحاكم لإثبات النسب من عدمه، إلاّ أن هناك قضايا لا يمكن حسمها بسهولة، خاصة بعد موت الأبوين معاً.

وتوضح إيمان أن "القضايا بهذا الشكل دائماً ما تأخذ وقتاً طويلاً، حتى تلجأ المحكمة إلى فتح قبر الأبوين بقرار يشترط ذلك، للحصول على عينات من عظامهما، وإيجاد أدلة كافية لإثبات النسب من عدمه".

لكن هذا لا يمنع من التآمر لتزوير الأدلة ودفع الرشاوى مقابل تسهيل مهمة الحكم لصالح المشتكي آملاً في الاستيلاء على الميراث، على حد تعبير المستشارة القانونية.

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".