العراق

ما تأثير أزمة كورونا على ذوي الاضطرابات النفسية في العراق؟

12 أكتوبر 2020

أدت الإجراءات الوقائية والصحية التي فرضت لاحتواء أزمة تفشي فيروس كورونا في البلاد إلى تزايد القيود القسرية واستمرارها أكثر من السابق على المصابين بمشكلات الصحة النفسية والعقلية، حيث لجأت عوائلهم الى استخدام القوة وعزلهم في المنازل لمنعهم من التواصل مع الآخرين.

سميرة عبد (44 عاما) ولديها مشكلة في الصحة العقلية، تعيش محتجزة من قبل عائلتها في غرفة بمنزلهم منذ تفشي الوباء.

تقول أم سميرة، لـ " ارفع صوتك" إن "حجزها تم بأوامر من شقيقها خشية انتقال عدوى الفيروس إليها".

واعتبرت الأم أن هذا الأنسب لابنتها، موضحة أنها "لن تدرك حجم المعاناة التي ستطالنا في حال إصابتها بالوباء، خاصة أن مسألة اصطحابها للمستشفى للعلاج "مرفوضة" نهائياً.

وحجز النساء اللواتي لديهن مشكلات في الصحة النفسية والعقلية ليس أمرا جديدا، فهو متداول بسبب وصمة "العار" في المجتمع العراقي. 

لكن مع انتشار عدوى الفيروس، أصبحت العوائل تتحجج بعزلهن لمنع إصابتهن، وباتت مسالة حرمانهن من تلقي العلاج في مستشفيات خاصة الأمراض النفسية والعقلية مقبولة، نتيجة للنقص الحاصل في خدمات الصحة العقلية.

 

منظمة الصحة العالمية

وكان استطلاع أجرته منظمة الصحة العالمية، في اليوم العالمي للصحة النفسية، السبت 10 أكتوبر، أظهر أن خدمات رعاية المرضى النفسيين ومرضى الإدمان، اضطربت في مختلف أنحاء العالم خلال جائحة كوفيد-19 ومن المتوقع أن يتسبب كورونا في مزيد من الشقاء لكثيرين.

وجاء في نتائج الاستطلاع الذي شمل 130 دولةأن منها (7٪) فقط كانت "خدمات الصحة النفسية تعمل بالكامل" بينما (93٪) من الدول المتبقية قالت إن "الخدمات تقلصت لأصحاب أمراض مختلفة".

وقالت مديرة إدارة الصحة النفسية ومعاقرة مواد الإدمان، ديفورا كستل، "نحن نعتقد أن هذا جانب منسي من جوانب كوفيد-19، وبشكل من الأشكال فإن جزءا من التحديات التي نواجهها أن هذا مجال لم يحظ على مر السنين بالتمويل الكافي".

كما كشف الاستطلاع أن (17٪) فقط من الدول عملت على توفير تمويل إضافي لتنفيذ الأنشطة الداعمة لاحتياجات الصحة النفسية المتزايدة خلال الجائحة.

وأضافت كستل: "نحن نقدر، كما توضح لنا المعلومات الأولية، أنه ربما كانت هناك زيادة تحتاج للرعاية في عدد المصابين بحالات نفسية وعصبية ومعاقرة مواد الإدمان"، لكنها أوضحت أن "المنظمة ليست لديها بيانات عن عواقب الحالات بما في ذلك ارتفاع معدلات الانتحار وزيادة نوبات الصرع أو تعاطي المخدرات بما قد يؤدي إلى تناول جرعات مفرطة".

وأفادت المنظمة العالمية في تقييمها الأوّلي بأن دولا كثيرة خاصة من الدول ذات الدخل المنخفض حافظت على استمرار خدمات الصحة النفسية في المستشفيات العامة التي ظلت مفتوحة، لكن الكثير من المرضى واجهوا تحديات أخرى.

 

قلق الناس

وعلى مدى الأشهر الماضية، أكد مدير مستشفى ابن رشد لعلاج الأمراض النفسية الدكتور اسامة عباس الساعدي، تزايد أعداد المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية، فضلاً عن الذين يعانون أصلا، ووفق متخصصين، من مشكلات نفسية وعقلية.  

وأشار مدير المستشفى إلى أن جائحة كورونا، أصابت كثيرين بأعراض الوسواس القهري، وحالات (الذهانية) بسبب قلق الناس من الإصابة بالوباء. 

وليس بالإمكان تحديد عدد من طلبوا المساعدة للتخلص من معاناتهم النفسية، بينما تستمر أعداد المصابين بالوباء في أنحاء البلاد، لكن بعد إجراء الفحوصات اللازمة بداخل مستشفى ابن رشد تكتشف إصابتهم بالوباء أيضا. وهو ما يستدعي علاجهم بشكل سريع، وغالبا ما يستجيبون للعلاج السريع.

 

الوضع الراهن

في نفس السياق، يرى المتخصص بالأمراض النفسية والعصبية الدكتور زهير كريم، أن ثمة نقص في عدد المستشفيات المتخصصة بالعلوم النفسية والعصبية والإدمان، رغم أن كل المستشفيات غير المختصة تحوي على قسم بسيط للأمراض النفسية.

ويقول لـ " ارفع صوتك": "لا يكفي لعلاج الأمراض النفسية والعقلية وجود (ابن رشد، والرشاد) كمستشفيين اثنين فقط في البلاد كافة، لأن الوضع الراهن إثر تفشي الفيروس يفرض الكثير من المخاوف والضغوط النفسية".

ويضيف كريم "لهذا، فهما لا يستوعبان تزايد أعداد المرضى، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الكثير من الناس ترفض فكرة العلاج النفسي سواء عبر العيادات النفسية أو المستشفى". 

وبتوجيه من صحة بغداد الرصافة تم تشكيل فريق عمل لباحثين نفسيين من مستشفى الرشاد لتنفيذ واجبات تقديم الدعم النفسي لمصابي فايروس كورونا في المستشفيات والمراكز المخصصة لاستضافتهم.

ولكن كريم يشير إلى أن تزايد أعداد الذين يعانون من مشكلات نفسيةوعقلية يؤثر بشكل مباشر على قدرة المستشفى في مواجهة الأزمة الحالية، خاصة أن خدمات الصحة عموماً والنفسية خصوصاً تعاني أصلاً من قلة التخصصات المالية. 

 

أكثر عرضة للوفاة

وكانت دراسة حديثة لجامعة ييل الأمريكية توصلت إلى أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية هم أكثر عرضة للوفاة، في حال إصابتهم بفيروس كورونا.

فالأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بحالات نفسية تتراوح بين القلق إلى الخرف وإيذاء النفس أكثر عرضة بنسبة 42% إلى 2.4 مرة للوفاة من الفيروس، فمن بين 1685 مريضاً تم نقلهم إلى المستشفى بسبب الفيروس، كان لدى 473 مريضاً تاريخ مع المشاكل النفسية، وهو ما يمثل نحو 28% من إجمالي المرضى.

و في المجموع، لم يتمكن ما يقرب من 20% من جميع المرضى في المستشفى من العودة إلى منازلهم، وخلال فترة الدراسة مات 318 منهم.

ومن بين الوفيات، كان 144 مريضاً من بين الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بأمراض نفسية سابقة، و 174 لم يكن لديهم تاريخ مع الأمراض النفسية، و كان التفاوت بين مخاطر الوفاة مختلفاً بشكل ملحوظ، اعتماداً على المدة التي قضاها المرضى في المستشفى.

وبعد أسبوعين من دخول المستشفى بسبب الفيروس، توفي 35.7% من المرضى الذين عانوا من القلق أو الاكتئاب أو الخرف أو الذهان وغيرها من مشاكل الصحة العقلية، في حين توفي 14.7% من المرضى الذين لم يسبق أن عانوا من هذه المشاكل. 

وبحلول الأسبوع الرابع من الدراسة، كانت معدلات الوفيات متوازنة إلى حد ما، وتوفي 44.8% من الذين يعانون من أمراض نفسية، مقابل 31.5% من الذين ليس لديهم تاريخ طبي نفسي.

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".