العراق

"ليس مفاجئا لكنه غير مطمئن".. تسجيل 298 حالة انتحار في العراق

19 أكتوبر 2020

طالب عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية فاضل الغراوي، الحكومة بمعالجة ظاهرة الانتحار عبر تشكيل فريق وطني لمكافحة هذه الظاهرة، وإنشاء مراكز للتأهيل النفسي وإطلاق حملة إعلامية لتسليط الضوء على مخاطر هذه الظاهرة وكيفية الحد منها. 

وتقدِّر مفوضية حقوق الإنسان، عدد حالات الانتحار منذ بداية العام الجاري  2020 بنحو 298.

وقال عضو المفوضية فاضل الغراوي، إن "عام 2020 شهد تسجيل 298 حالة انتحار، بواقع 168 ذكور 130 إناث، وفي العاصمة بغداد وحدها 68 حالة، والبصرة 39 وذي قار 33 حالة انتحار".

وتوزعت طرق الانتحار بين استخدام السم والشنق والحرق والغرق والطلق الناري.

أما الأسباب فهي "الآثار الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والبطالة والفقر وازدياد حالات العنف الأسري والاستخدام السيء للتكنولوجيا" كما يوضح الغراوي.

 

"قصص مرعبة"

النظر إلى صور الانتحار في البلاد يظهر إلى أية مرحلة من الضغط النفسي وفقدان الأمل يصلهما الشخص لإنهاء حياته، خاصة عندما نكتشف أن معظم ضحايا الانتحار لهذا العام من الشباب.

تقول المحامية نورس علاء، لـ "ارفع صوتك"، إن "انتحار الشباب تحديداً، يؤشر إلى أن هناك قصصاً مرعبة، وكذلك معقدة وراء ذلك".

وعلى الرغم من أنه دائما ما يؤخذ بعين الاعتبار أحد الأسباب المذكورة في تقرير المفوضية، إلا أن الشاب الذي لم يجد خياراً، سوى بإنهاء حياته لسبب واحد من هذه التأثيرات فحسب "ليس مقنعاً في الواقع" حسب المحامية.

توضح علاء "تلك الأسباب إذا لم تكن مجتمعة كلها، لن تخلق لدى الشاب رغبة في الانتحار، فمحاولة المواجهة والتحمل دون التسبب بأذى يحدث عندما يتعلق ذلك بأحد تلك المسببات. على سبيل المثال، فلنأخذ البطالة،  حين يتوجب مواجهة الفقر والبطالة والعنف الأسري سوياً فهو تحد كبير لفئة الشباب".

وترى أن مشكلة الشباب بكونهم "لا يستشعرون إمكانية أن يتبدل حالهم نحو الأفضل، بينما يتلقون الصفعات في الوجه من كل جانب، بحياة في بلاد لا تستحق العيش كما يعتقدون".

وتشير علاء إلى أن هذا الأمر يكشف أن "الشاب العراقي لا يتمتع أبداً بأبسط حقوقه المتاحة والبسيطة في العيش".

 

عواقب الانتحار

في تعليقها على مطالب مفوضية حقوق الإنسان، تقول الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي، لـ "ارفع صوتك"، إن "عدد حالات الانتحار (يناير- يوليو) ليس مفاجئاً لكنه غير مطمئن".

تضيف  "لا توجد أعداد دقيقة للمنتحرين في العراق، لأن ما يعلن عن الأرقام يعتمد بالأساس على التبليغات التي تلقتها وزارة الداخلية أو مديرية النجدة بشأن انتحار شخص ما".

وتوضح الخبيرة بأن أحد الأسباب هي أن فعل الانتحار في تركيبة المجتمع العراقي، حيث يعد "وصمة" للعائلة والعشيرة التي يختار أحد أفرادها إنهاء حياته، لذا نجدهم يعلنون عن موته المفاجئ بدلا من انتحاره.  

وعدم الإبلاغ عن حالات الانتحار لا يقف عند ذلك فقط، تؤكد الخبيرة، لافتة إلى أن "غالبية اللواتي كن ضحايا الانتحار في البلاد، قتلن على يد آباء وإخوة أو أزواج وأقارب من العشيرة، وهو ما يزيد الأمر تعقيداً لأنه قد لا يُكشف عن هذا الأمر أبداً".

وتستدرك الصالحي: "هذا الأمر لا يمثل دليلاً يمكننا من خلاله تفنيد ظاهرة انتحار النساء، لأنها مرتبطة عادة بالعنف الأسري الذي ارتفعت معدلاته خلال الأشهر الماضية بسبب تفشي فيروس كورونا".

وتقول  إن "عواقب الانتحار بالغة الخطورة، فضلا عن تداعياتها بالنسبة للأشخاص الذين لديهم رغبة بذلك، إذ يمكن استغلالهم وتوريطهم للانخراط في الكثير من الجرائم المنظمة والإرهابية لتدمير المجتمع".

 

قانون العقوبات العراقي

وكان قاضي محكمة الجنايات الكرخ حيدر جليل البيراوي، صرح أن "الأحداث هم عرضه سهلة إلى التحريض أو تنفيذ حالات الانتحار خاصة الفتيات القاصرات ممن يتم تزويجهن بأشخاص غير أكفاء لهن بالعمر، أو غير مناسبين اجتماعيا فتكون هذه الزيجة من الأسباب المؤدية إلى الانتحار".

"ناهيك عن التغرير بهن وابتزازهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومساومتهن لاستخدام التكنولوجيا بشكل غير صحيح، ما أدى إلى وقوعهن فريسة الابتزاز، بالتالي يشكل الانتحار ردة فعل في هذه القضايا وهو على صعيد أحدث الأسباب لعام 2020" يضيف القاضي.

وناقشت المادة (408) من قانون العقوبات العراقي رقم (11) لسنة 1969 النافذ ثلاث فقرات موضوعة التحريض على الانتحار.

إذ تنص الفقرة الأولى من المادة بأن "عقوبة المحرض على الانتحار أو الشخص المساعد كأن يقوم بتوفير أو تجهيز أدوات الانتحار أو يساعد بشكل ما على ارتكاب الحادث، بالسجن مدة لا تزيد عن سبع سنوات في حالة تمت عمليه الانتحار، وفي حال لم يتم الانتحار، وفقط تم الشروع فيه ولم يكتمل كان أطلق الضحية عيارا نارياً من مسدس ولم يصب نفسه أو انقطع الحبل وعدة أمثلة أخرى هنا تكون العقوبة الحبس من 24 ساعة إلى خمس سنوات".

بينما تناولت الفقرة الثانية من القانون أن " المنتحر في حال لم يتم الـ 18 سنة من عمره، أو إذا كان ناقص الأهلية (مصاب بمرض عقلي) فإن ذلك يُعد ظرفاً مشدداً على المحرض أي أنه ينال أقصى درجات العقوبة، التي قد تصل للسجن المؤبد".

ويؤكد القاضي  "لا عقاب على المنتحر أو من شرع بالانتحار ولكن الرأي العام والعرف المجتمعي يعاقبه بالزجر الديني والاجتماعي إضافة إلى العقوبة السماوية".

وبيّن أن "أكثر حالات الانتحار الواردة إلى المحاكم هي من قبل النساء".

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".