العراق

تحقيق: في العراق... صيدليات وهمية ودواء خارج السيطرة

02 نوفمبر 2020

بغداد - أسعد زلزلي:

داخل أزقة مدينة الصدر الضيقة في العاصمة بغداد وبعيدا عن كل ضجيج انتشار جائحة كورونا وإجراءات الحظر المطبقة لإيقاف العدوى، يسير الطفل اليتيم حيدر محمد (11 عاما) ممسكا بيد أخيه الصغير حمزة (٩ أعوام) بعد أن حرمه أحد أصحاب محال بيع الأدوية المعروفة "بالصيدليات الوهمية" من نعمة النظر.

عقب زرق صاحب المحل لحيدر بحقنة لعلاج الإنفلونزا قبل عامين، رفض حتى المستشفى الحكومي استقباله بسبب صعوبة حالته الصحية جراء مضاعفات تلك الحقنة.

يروي حيدر حكايته قائلا "كان عمري تسع سنوات عندما أصبت بالإنفلونزا وكنت أسكن في القطاع السابع بمدينة الصدر، فأخذتني أمي إلى القطاع ثمانية المجاور حيث كانت هناك صيدلية وهمية لبيع الأدوية وحقن الإبر وصف لي صاحب المحل "إبرة خبط" (خلطة من المضادات الحيوية) وقال لي سأحقنها لك وتشفى".

حقن الصيدلي الوهمي حيدر وبعد لحظات "بدأ جسمي وكأنه يحترق"، يصف الطفل، مضيفا "ذهبت إلى المستشفى الأول لم يستقبلني خوفا من أن تتعكر حالتي وأموت، فتتحمل إدارة المستشفى مسؤولية ذلك. وعندما استقبلني المستشفى الثاني، كنت قد فقدت النظر".

حالة حيدر ليست حالة فردية، بما أن العديد من الحالات المشابهة تحدث يوميا في مدينة الصدر والمناطق الشعبية العديدة في بغداد ومحيطها، حيث يستشري الفقر وتنتشر معه المحال غير المجازة لبيع الأدوية والبسطات في الشوارع من دون وجود أي دور للجهات الصحية والرقابية لإيقاف انتشار هذه الظاهرة.

وهو ما تؤكده لقاء العبودي، مديرة دار النور لرعاية الأيتام وهي الدار التي احتضنت حيدر منذ وفاة أبيه قبل خمسة سنوات موضحة، "في مدينة الصدر، عندما يمرض شخص، يتم التوجه إلى محال غير مرخصة، متخصصة في بيع الدواء وحقن المرضى وهذا ما حصل مع حيدر، حيث تم حقنه بدواء غير مناسب لحالته، فبدأ جسمه بالاحتراق وفقد على إثر ذلك البصر".

ورغم وعي العبودي بخطورة اللجوء إلى هذه الصيدليات الوهمية، زارت إحداها ذات يوم عندما تعكرت حالتها الصحية في منتصف الليل، واشترت منها علاجا، ولكن بعد أخذها العلاج، "فوجئتُ بحدوث حساسية في الدم كادت تفقدها حياتها"، تتذكر بحسرة.

تذمّرت صاحبة دار الأيتام من غياب سلطة القانون والمحاسبة، بقولها"لا توجد محاسبة للأسف الشديد، فالحكومة تتبرأ من القيام بواجبها".

مواطنون يشتكون

ويوثّق هذا التحقيق تسرّب الأدوية المدعمة من وزارة الصحة العراقية من المستشفيات الحكومية ليتم بيعها بطريقة غير شرعية في صيدليات وهمية وعلى أرصفة الشوارع، مما يتسبب في نقص كبير في العلاجات وتضرر للمواطنين ولميزانية الدولة، في ظل غياب الرقابة الحكومية.

على أبواب مدينة الطب، أكبر المستشفيات الحكومية في العراق، يقف المراجعون متذمرين بعد فشلهم في الحصول على العلاج عقب مراجعتهم للطبيب، كما هو الحال مع أبو موسى (٤٨ عاما) الرجل الضرير الذي التقاه هناك معد التحقيق.

تحدث الرجل عن الصعوبات التي تعترضه للحصول على علاج لابنه المصاب بالسرطان، خاصة وأن هذا الأخير يحتاج لجرعات دورية من العلاج.

ويقول "ابني يعاني من ورم خبيث ولا أستطيع جلبه إلى المستشفى إلا بعد أن يتبرع لي الناس بأجرة التاكسي. وعندما أصل إلى المستشفى، لا أجد هناك علاجا، فأضطر إلى شرائه من خارج المستشفى".

على مقربة من أبو موسى، يقف أبو مهدي (٥٧ عاما) وهو الآخر عاد خائبا بعد أن انتهت رحلة تشخيص مرضه الطويلة بورقة صغيرة كان يحملها بيده، كتبها له الطبيب لأجل أن يحصل على علاجه من خارج مستشفى مدينة الطب لعدم وجوده في مخازنها.

هكذا وجد أبو مهدي نفسه في حيرة، نظرا لعدم امتلاكه القدرة المالية لشراء الدواء، يقول بحزن: "ليس لدي المال لشراء كل الأدوية التي وصفها الطبيب لي، لذلك سأشتري ما أستطيع منها بما أمتلكه من نقود وأترك الباقي. ليس بيدي حيلة".

يحصل هذا في حين تُظهر وثائق رسمية حصل عليها معد التحقيق، صادرة عن المخازن التابعة لوزارة الصحة، استلام مستشفيات مدينة الطب وقبل أيام قليلة من لقائه بأبي موسى وأبي مهدي، حصص الادوية كاملة لشهر آب دون نقص ومن مختلف أنواع الدواء المطلوبة.

ويؤكد المستشفى في نفس الوثائق اكتفائه من حصص الدواء لمراجعيه دون نقص، عند سؤال المخازن له عن احتياجاته.

أدوية على قارعة الطريق

غير بعيد عن مبنى وزارة الصحة، على أرصفة الطرقات في سوق الميدان وسط العاصمة بغداد، وجد معد التحقيق أناسا يفترشون الأرض ويبيعون أصنافا مختلفة من الدواء، بل إنهم يقومون، دون أي تخصص طبي أو صيدلاني، بتشخيص العلاجات للأمراض لفائدة من يقصدهم من الزبائن وأغلبهم من الفقراء الذين لا يمتلكون المال لشراء الدواء من الصيدليات.

والملفت، أنه ورغم انتشار وباء كورونا وفرض إجراءات الحجر الصحي، يواصل هؤلاء عملهم.
يجلس أصحاب تلك البسطات على الرصيف بمنتهى الثقة ولا تظهر عليهم أية بوادر خوف أو قلق من مداهمة الجهات الصحية والرقابية لهم، فيما يبعد مركز للقوات الأمنية عنهم أمتارا قليلة.

أراد معد التحقيق اختبارهم، فأخبر أحدهم بتعرضه للإصابة بفيروس كورونا وحاجته إلى علاج، وكان الأخير يضع أنواعا بسيطة من الأدوية فوق البسطةـ أما أسفلها، فيوجد كيس كبير يُخرج منه أنواع أخرى مختلفة.

وصف البائع لي مسكنات وأدوية حساسية وأخبرنا بكيفية وأوقات تعاطيها، للتخلص من أعراض الفيروس.

كرّر معد التحقيق التجربة مع صاحب بسطة آخر، أبدى ثقة كبيرة بنفسه وادعى بأنه مساعد جراح وأن التقاعد أجبره على الجلوس هنا.

وبعد قياسه لضغط الدم عندي ضغطنا، ذكر الأعراض الشبيهة بأعراض كورونا ووصف لنا شرابا للسعال ومسكنات.

وعند سؤالنا له إذا ما كنا نحمل حقيقة أعراض الوباء، أنكر وجود وباء أسمه كورونا وأعتبره "مجرد كذبة".

 سري

ظاهرة بسطات الرصيف لا تقتصر على سوق الميدان، وحسب بل إنها تنتشر في أغلب المناطق الشعبية في العاصمة بغداد.

ذهب معد التحقيق إلى سوق "مريدي" الذي يقع في مدينة الصدر بالعاصمة وهو من أكبر أسواق العراق الشعبية، وهناك يكثر وجود تلك البسطات ومرتاديها كما تغيب تماما أي ملامح لإجراءات الوقاية من جائحة كورونا.

وبين زحام السوق المكتظة بالناس كان هناك الكثير من البسطات تُباع فيها الأدوية معها أدوات الوقاية من فيروس كورونا كالكمامات والقفازات، في وقت تُعاني فيه الكوادر الطبية من صعوبة الحصول عليها.

أطفال وشباب يبيعون أصناف الدواء والمستلزمات الطبية دون أية معرفة علمية.

كررنا تجربة السؤال عن علاج لأعراض كورونا، فتلقينا نفس الإجابات السابقة، حيث وصف لنا البائع مسكنات لأعراض الوباء المنتشر.

وتحدث معنا وكأنه طبيب قائلا "بعد العشاء، خذ حبة "فلوآوت" وكبسول التهابات وإذا شعرت بارتفاع درجة الحرارة أو صداع، فتناول حبة "بندول".

بعد هذه الجولة على بسطات الدواء بين سوق الميدان وسوق مريدي، قام معد التحقيق بشراء كمية منها ليكتشف أن خمسين بالمئة من الأدوية التي اقتناها منتهية الصلاحية.

استغلال وباء كورونا

ومع استمرار تفشي جائحة كورونا في العراق، وجد باعة بسطات الدواء في المناطق الشعبية والفقيرة وأصحاب الصيدليات الوهمية، أنفسهم أمام فرصة مثالية للحصول على مزيد من الأموال، خاصة وأن الاقبال عليهم قد زاد.
يوضح أسعد عبد العباس (٤١ عاما) وهو من سكان مدينة الصدر كيف لاحظ "اصطفاف الناس في طوابير على أبواب تلك الصيدليات مع بدء تفشي الوباء وازدياد الهلع والخوف من الإصابة به".
ويضيف أنه هو نفسه تردد على هذه المحلات طمعا في الحصول على علاج يحميه ولكن ذلك لم يجد نفعا وانتهى به الأمر بأن أصيب بدوره بالعدوى.
يقول أسعد "كنت أرتاد يوميا إحدى تلك الصيدليات الوهمية في منطقتي لشراء أدوية من أجل حماية نفسي وعائلتي من الإصابة. وفي كل مرة، كان صاحب المحل يصف لي دواء مختلفا، بالإضافة إلى فيتامينات ومقويات. ورغم ذلك أصبت بالوباء ولم تنفعني أي من تلك العلاجات التي كلفتني الكثير من الأموال".
شهادة أسعد جاءت لتُؤكّد ما صرّح لنا به سيف البدر، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، بأن الوزارة عانت كثيرا من الصيدليات الوهمية التي ادعت امتلاكها العلاج لفيروس كورونا، وهو ما دفعها للتحرك وغلق البعض منها.

إنفاق حكومي وخسائر كبيرة

تُعاني المستشفيات الحكومية والبالغة عددها قرابة الـ 240 مستشفى، إلى جانب 2808 مركز صحي و314 عيادة شعبية في عموم البلاد، حسب احصائيات وزارة الصحة، من عدم وجود الدواء اللازم للعلاج.

بالمقابل، فأن نحو المليارين ونصف المليار دولار من الموازنة الحكومية تُخصّص لوزارة الصحة سنويا، وفقا لديوان الرقابة الحكومية.

ويُخصّص أكثر من 70٪ بالمئة من هذا المبلغ، لاستيراد الدواء لفائدة المستشفيات الحكومية، بحسب المتحدث باسم وزارة الصحة.

ويقدر وزير الصناعة والمعادن العراقي  الذي تعود تبعية شركات صناعة الدواء الحكومية لوزارته، حجم استيراد الدواء سنويا للقطاع الخاص والحكومي بمليارات الدولارات، تغطي مجتمعة ما تستورده وزارة الصحة وكذلك المذاخر والشركات الخاصة.

وتُشكّل نسبة الدواء المستورد للقطاعين الحكومي والخاص من الخارج أكثر من 92٪ من حاجة البلاد.

رغم ذلك، تجد وزارة الصحة أن هذه التخصيصات لا تمثل إلا نسبة قليلة من حاجياتها في هذا المجال، وهو ما يفسر النقص في الدواء بالنسبة للمراجعين في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية.

ويوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، سيف البدر أن الوزارة خصّصت ملياري دولار في العام الماضي لشراء الدواء، وهو مبلغ يتغير من سنة إلى أخرى، مبينا "أن حاجة العراق تتجاوز أضعاف هذا المبلغ"، دون أن يبين حجمها.

ويضيف أن "الوضع يزداد تعقيدا خاصة وأن ميزانية ٢٠٢٠ لم يتم إقرارها بعد من قبل مجلس النواب".

ولا يتفق بعض الخبراء في مجال الاقتصاد مع الأرقام الرسمية لحجم استيراد الدواء من قبل الدولة، موضحين أن العراق يُنفق سنويا، بقطاعيه الحكومي والخاص، ما بين أربعة إلى ستة مليارات دولار، في هذا المجال.

فضلا عن "ارتفاع سنوي في حجم استيراد الدواء، بخمسة عشر في المئة"، حسبما يوضحه الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن المشهداني.

ويؤكد أن الخسائر المالية التي تتكبدها الدولة في مجال الأدوية، ما بين التسرب الدوائي والفساد والإهمال، تُعادل أكثر من ملياري دولار سنويا مجتمعة ما بين القطاع الحكومي والخاص.

استمع
الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني

"سموم قاتلة"

تخشى الكوادر الطبية بصفة عامة من الحديث عن ظاهرة الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الأدوية خوفا من الملاحقات العشائرية من ذوي أصحابها، بالإضافة إلى سطوة الجماعات المسلحة في تلك المناطق.

لكن الدكتور علي عبد الرزاق، وهو رئيس قسم الجلدية السابق في مستشفى الكرامة الحكومي في بغداد لا يتردد في أن يُصرّح لمعد التحقيق بأن "بيع الأدوية في هذه الأماكن يعني بيع سموم قاتلة. وشخصيا اعتبره بمثابة عمل إرهابي في حق المجتمع".

من جهته، يؤكد نقيب الصيادلة، الدكتور مصطفى الهيتي حتمية وجود تأثيرات مضرة بصحة المواطنين عند الحصول على أدوية من تلك البسطات التي لا يُراعى فيها أي شرط من الشروط الصحية، موضحا أن "الدواء الذي يباع في البسطات بلا فاعلية، بسبب وجوده على الأرض وتعرضه لدرجة الحرارة التي تصل الى 50 درجة مئوية في الصيف، بالتالي لا يمكن إلا أن يُمثّل خطرا على صحة المواطن".

وبحسب نقابة الصيادلة، هناك أكثر من ألفي صيدلية وهمية منتشرة في عموم العراق، ضمنها إقليم كردستان.

وتوجد خاصة في الأحياء التي تقع في أطراف بغداد أو بالقرب من مركزها.

الحصول على الدواء

لفهم أسباب انتشار "الصيدليات الوهمية" وكيفية حصولها على الأدوية، استطاع معد التحقيق إقناع أحد أصحابها بالحديث معه.

يعمل هذا الأخير كمعاون طبي في إحدى العيادات الحكومية بمناطق أطراف بغداد، إلى جانب امتلاكه سابقا لصيدلية وهمية، عمل فيها لسبع سنوات، قبل أن يغلقها مؤخرا، بعد وفاة أحد الأشخاص نتيجة تشخيص علاج له من قبل صيدلية وهمية أخرى بالقرب من محله.

يعزو الرجل فتحه الصيدلية إلى "الحاجة المادية بسبب ضعف الراتب الحكومي للعاملين في المؤسسات الصحية، والذي لا يتجاوز الخمسمائة ألف دينار عراقي شهريا (400 دولار)".

ويقول "بسبب حاجتي المادية، افتتحت صيدلية غير مرخصة قبل سبع سنوات، وكنت أمارس دور الطبيب والصيدلاني والممرض وأقوم بصرف العلاجات والتزود بالأدوية من المذاخر الحكومية والخاصة عن طريق المعارف فيوفّرون لي الدواء الذي أبيعه".

ويضيف بأنه كان يحصل على 70% من احتياجات محله من المذاخر الدوائية التابعة للقطاع الخاص والتي تبيع الدواء لكل شخص يمتلك المال وعلى صلة بأحد معارف أصحابها.

أما الباقي، فيأتي من المستشفيات والعيادات الحكومية عن طريق بعض الأشخاص من المحتالين الذين يدعون المرض، للحصول على أدوية بسعر مدعوم من الحكومة وبيعها لأصحاب الصيدليات الوهمية والبسطات.

ويعينهم في ذلك، العاملون في المستشفيات الذين غالبا ما يكونون منتمين لأحزاب وجماعات مسلحة، فيخشى الجميع محاسبتهم.

ويقول المعاون الطبي "هذه الصيدليات الوهمية تشتري الأدوية من الناس وتقوم ببيعها بأسعار أعلى من تلك المدعمة. وهو أمر خطير. كما أن الشخص المتحيّل الذي يدعي المرض ليستلم دواءً من العيادة الحكومية يُصادر حق غيره ويُساهم في نفاذ الأدوية من المستشفيات الحكومية".

ولتوضيح الفرق بين الاسعار في المذاخر الحكومية وخارجها، لا يدفع المُراجع سوى ألف دينار عراقي (٨٠ سنت أميركي) عن مراجعة المركز الصحي ويستلم الدواء مجانا مهما كان نوعه.

وعلى سبيل المثال، يبلغ سعر شريط "الباراسيتامول" وهو الدواء الشائع المقدم في المذاخر الحكومية، مائة دينار عراقي (9 سنت أميركي) بينما يُباع في الصيدليات بخمسمائة دينار (42 سنت)، أي 5 أضعاف السعر المُدعّم.

يؤكد رئيس قسم الجلدية السابق في مستشفى الكرامة الحكومي، الدكتور علي عبد الرزاق مسألة تسرب الأدوية من المذاخر الحكومية، ويضيف أنه يتم إتلاف بعضها على أساس انتهاء صلاحيتها، لكنها تباع بعد ذلك في الأسواق.

ويوضح "الكثير من الأدوية تصل إلى قرب نهاية صلاحيتها وتُتلف على هذا الأساس، لكن في الواقع، فإنها تُؤخذ وتُباع ويتم إبدال تواريخ إنتاجها وانتهاء وصلاحيتها. بالتالي، يمكن اعتبارها سموما".

في شارع السعدون وسط مركز العاصمة بغداد، حيث تنتشر مذاخر الأدوية، يبين لنا ر. ح (الاسم بناء على طلبه) وهو صاحب مذخر، أن "الرقابة على المذاخر ضعيفة، إذ لا توجد جهة رقابية تراجع الوصولات أو تشترط الاحتفاظ بنسخة من إجازة البيع للمشتري".

صاحب المذخر أعلمنا أيضا أن عددا كبيرا من المذاخر لا يمتلك إجازة لشراء وبيع الأدوية، وإنما يستورد أصناف الدواء عبر الاتفاق مع مذاخر أخرى لديها إجازة مقابل مبلغ مادي، ناهيك عن اقتناء الدواء المهرب الذي يدخل بصورة غير رسمية إلى البلاد.

ويوضّح أن هناك "نوعان من المذاخر، المرخصة وغير المرخصة. والعاملون في الأخيرة يستوردون الدواء أيا كان مصدره أو فاعليته أو تاريخ صلاحيته، مُستفيدين من غياب الرقابة التي لا تتوجه لهم ولا تُدقّق في الأدوية التي يبيعونها لأي راغب في شرائها".

وقد قام جهاز الأمن الوطني بتاريخ 28 يونيو 2020 بإلقاء القبض على صاحب أحد المذاخر الخاصة وبحوزته ١٠ آلاف حبة من الدقيق، كانت تُباع في الصيدليات على أنها "فيتامين سي".

تبادل الاتهامات

ينص قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 40 لسنة 1970 المعدل في (المادة 50) منه، على أنه " يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على 300 دينارا أو بكلاهما، كل من زاول مهنة الصيدلة بدون إجازة أو حصل على إجازة بفتح محل بطريقة التحايل مع الحكم ببطلان الإجازة المذكورة".

ورغم سريان مفعول هذا القانون، لكنه لا يُطبّق وسط انتشار الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الادوية في الكثير من مناطق وشوارع العاصمة بغداد.

وتقع مسؤولية متابعة عمل الصيدليات ومحاسبتها بالأساس على عاتق ثلاث جهات: اثنان منها تحددان المخالفين وهما نقابة الصيادلة التي تمنح اجازة ممارسة مهنة الصيدلة ولديها لجان تقوم بطلعات تفتيشية لمراقبة سير عمل الصيدليات واحترامها للشروط الصحية، والثانية هي وزارة الصحة العراقية المسؤولة عن مراقبة كل المرافق الصحية والدوائية والغذائية في البلاد وتحديد المخالفين.

أما الجهة الثالثة فهي الجهة التنفيذية التي تستند على تقارير الجهتين السابقتين وتتمثل في مديرية الجريمة الاقتصادية التي تضطلع بمهمة غلق واعتقال المخالفين للقوانين.

توجه مُعدّ التحقيق إلى تلك الجهات بما توصل إليه من حقائق.

وكانت البداية من نقابة الصيادلة، التي أكدت أن محاسبة الصيدليات الوهمية لا تدخل ضمن نطاق سلطتها أو واجباتها التي تنص على مراقبة عمل الصيدليات المجازة رسميا فقط.

ويُذكر أن اللجان التفتيشية التابعة للنقابة قامت في عام 2019 بأكثر من 2000 جولة تفتيشية في بغداد وحدها شملت الصيدليات المرخصة.

بالتالي فإن النقابة حمّلت مسؤولية انتشار ظاهرة الصيدليات الوهمية لوزارة الصحة، حيث يقول الدكتور مصطفى الهيتي، نقيب الصيادلة العراقيين، "هذه مسؤولية وزارة الصحة التي لديها ما يعرف بموظفي الصحة العامة المُكلّفين بمراقبة الصيدليات ومحلات بيع الأدوية وكذلك المطاعم والمقاهي وكل ما يتعلق بالمجال الصحي".

ينتقد الدكتور علي عبد الرزاق تبريرات النقابة، معتبرا أن "السبب الحقيقي لانتشار ظاهرة الصيدليات الوهمية هو أن نقابة الصيادلة لم تقم بواجبها في متابعة كل الصيدليات والإشراف عليها والتأكد من حيازتها لإجازة الفتح الرسمية".

من جانبها، لم تنف وزارة الصحة انتشار ظاهرة الصيدليات الوهمية والبسطات، لكنها بيّنت أن المسؤولية مشتركة بينها وبين نقابة الصيادلة.

كما حمّلت المواطنين أنفسهم جزءا من المسؤولية بسبب تعاملهم مع تلك المحلات الوهمية وعدم الإبلاغ عنها.

ويشير المتحدث الرسمي لوزارة الصحة أن "الوزارة تقوم يوميا بغلق وسجن ومحاسبة المخالفين، لكن في نفس الوقت يوجد أناس يعاودون نشاطهم بعد انتهاء فترة العقوبة أو يمارسون المهنة في مكان آخر، ولذلك أعتبر أن ردعهم هو مسؤولية مشتركة بين وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، وكذلك المواطن الذي لا يقوم بدوره في الإبلاغ عن هذه المحلات ويواصل التعامل معها".

لم يحدّد البدر العدد الكلي للمخالفات التي تم رصدها من قبل الوزارة واكتفى برد غير دقيق على سؤالنا حول هذه النقطة.

حاولنا من جهتنا، الحصول على هذه المعلومة من دائرة التفتيش في وزارة الصحة التي أكّدت أنها أغلقت في الفترة ما بين أيار إلى آب الماضيين، 60 صيدلية و24 مذخرا دوائيا، منها الحاصل على رخصة ومنها الغير مرخص، دون إعطاء أكثر تفاصيل.

ورفض مدير دائرة التفتيش، عبد الأمير الحلفي، تحميل وزارة الصحة مسؤولية إيقاف الصيدليات الوهمية وبسطات بيع الدواء، معتبرا أنه على الأجهزة الأمنية المختصة اتخاذ الإجراءات بحقها وتنفيذ قرارات الغلق، "لا التغاضي عن ذلك".

حاول معد التحقيق على مدى شهر كامل، الاتصال بمديرية الجريمة الاقتصادية المسؤولة عن تنفيذ قرارات وزارة الصحة ضد المخالفين، لأخذ رد منها على هذه الاتهامات، ولكنه لم يتمكن من الحصول على الموافقة للقاء أحد مسؤوليها.

هكذا، تبقى ظاهرة الادوية المنفلتة مستشرية في العراق وتحصد في كل عام أرواح الفقراء ممن عجزوا عن مراجعة المستشفيات الحكومية لخلوها من العلاج المسكن لآلامهم، وسط ارتفاع مؤشرات الوفاة جراء الأمراض المختلفة.

وتشير إحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية، أن ما بين 2015 و 2018 توفي أكثر من ١٧٠ ألف عراقي جراء الإصابة بأمراض متعددة.

وفي عام 2018، صرح مكتب المفتش العام لوزارة الصحة (الذي تم حله بقرار من البرلمان العراقي فيما بعد)، بأن العراقيين من المقتدرين "ينفقون بين خمسة الى ستة مليون دولار شهريا للعلاج خارج العراق، بينما لا يجد الفقراء من سبيل لتجاوز شحة الدواء الحكومي سوى اللجوء إلى باعة الأدوية على الرصيف وأصحاب الصيدليات الوهمية.

أنجز هذا التحقيق بالتعاون مع الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام (CFI) تحت إشراف حنان زبيس.

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".