العراق

تفاقم أزمة الدواء في لبنان.. المرضى "يدفعون ثمن الحكم الفاسد"

رحمة حجة
12 نوفمبر 2020

جاب محمد ظريف (29 عاماً) حوالي 20 صيدلية في بيروت بحثًا عن أدوية موصوفة لالتهاب المفاصل لدى والدته، ولم يجد مبتغاه في جميعها!

الألم الذي تشعر به الأم كان يدفعها للصراخ والبكاء، ومحمد ما زال يبحث، حتى وجد الحل في سوريا، حيث اشترى أحد معارفه نسخًا إيرانية من الأدوية وأرسلها إليه.

الصناديق القليلة التي تمكن من توفيرها لوالدته ستنفد قريبًا، وهو يخشى المستقبل ومن أين سيحصل بعد ذلك على ما تحتاجه. يقول: "نحن نتجه نحو سيناريو فنزويلا بسبب الأشخاص الذين يحكموننا".

"محمد ليس وحيداً" تقول صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في تقريرها الذي نشرته قبل أيام.

وتضيف "هذا الصراع الذي يواجهه المرضى اللبنانيون في الحصول على الأدوية الحيوية، يوضح بشكل صارخ مدى خطورة الأزمة الاقتصادية".

أما مرضى السرطان، فيكافحون للحصول على الأدوية، وبعضهم تمكن عبرمن ذلك، عن جلبه من دول أخرى من خلال أفراد العائلة أو الأصدقاء.

في الوقت نفسه، يتحسّر الصيادلة على نقص أدوية أساسية، مثل "البنادول" الذي يستخدم عادة للتخلص من آلام الرأس.

 

نفاد الأدوية

أزمة نقص الأدوية في لبنان، واحدة من تبعات الأزمة الاقتصادية الكبرى المتعلقة بشح الدولار، الذي تبعه شحّ الليرة اللبنانية أيضاً في السوق المحلي، وهو ما أدى لانعدام القدرة الشرائية لدى موردّي الأدوية وأصحاب الصيدليات.

وهذه ليست المرة الأولى التي يُصاب فيها قطاع الأدوية والصحة العامة بأزمة، حيث حصل شيء مشابه في يونيو الماضي، ولكن بشكل أقل حدة، وأكثر ارتباطاً بالأدوية المستوردة، لكن منذ أوائل أكتوبر الفائت، تطوّر الوضع على نحو خطير.

 

 

وفي السابع من نوفمبر الجاري، صرّح ‏نائب رئيس مجلس الوزراء السابق في لبنان، غسان حاصباني خلال لقاء مع محطة "ام تي في" المحليّة، أن هذه الأزمة يمكن حلها من خلال تصنيف البنك الدولي للبنان كـ"دولة منخفضة الدخل".

وقال "ذلك يساعدنا على الحصول على المساعدات في عام 2021 وعلى دعم أسعار الأدوية. وسيضع لبنان بين الدول المتعثرة المهددة بالجوع".

 

وفي تقريرها، تشير "فايننشال تايمز" إلى أن وزارة الصحة اللبنانية طلبت من الصيادلة، مؤخراً،  الحد من كمية الأدوية التي يبيعونها للعملاء في محاولة وقف الشراء بدافع الذعر، مدفوعة بتحذير أطلقه مصرف لبنان المركزي بشأن النقص المتوقع في العملة الصعبة للواردات الحيوية، بما في ذلك الأدوية، بحلول نهاية العام.

وكان أن قام المرضى وتجار الجملة بتخزين الأدوية، مما ساهم في حدوث نقص واسع النطاق.

قالت وزارة الصحة: ​​"طلبنا بيع صندوق واحد فقط لكل شخص، والسلطات تجبر بعض المستوردين الذين لديهم أدوية مخزنة على إرسال البضائع إلى الصيادلة".

ويمر البلد، بأسوأ أزمة اقتصادية له منذ 30 عامًا، وقدّر بنك "جولدمان ساكس" في سبتمبر الماضي، أن إجمالي احتياطيات العملة الصعبة انخفض إلى 20 مليار دولار بحلول أغسطس، وينخفض بمقدار ملياري دولار شهرياً.

 

 

وقال البنك الاستثماري إن الاحتياطيات قد تنفد في غضون 12 شهراً دون اتخاذ إجراءات علاجية. بينما يكافح مصرف لبنان لحماية احتياطياته المتناقصة، حسب الصحيفة، التي عنونت تقريرها بـ"مرضى لبنان يدفعون ثمن الحكم السيء عبر شحّ الدواء"

وفي محاولته لحماية السلع الأساسية من التضخم المرتفع، أعطى البنك المركزي الأولوية لتخصيص الدولار بسعر الصرف الرسمي للمستوردين في قطاعات مثل الأدوية والوقود والغذاء.

 

"حقائب العلاج"

في نفس السياق، قال المدير المسؤول عن الدعم في مصرف لبنان، نعمان نادور لـ"فايننشال تايمز"  إنه لا يستطيع التنبؤ بمدى استمرار دعمه للواردات.

وقال إن المؤسسة خصصت بالفعل مليار دولار لواردات الأدوية حتى الآن في عام 2020، رافضاً شكاوى المستوردين من بطء الحصول على الدولارات وإعاقة قدرتهم على جلب الأدوية.

من جهته، رئيس نقابة مستوردي الأدوية كريم جبارة، أن "مستويات المخزون محدودة ولم يتم تصنيعها لتغطية هذا النوع من الطلب المرتفع"، لافتاً إلى أن "الذعر" هو مصدر هذا النفاد، حيث تضاعف الطلب على الأدوية ثلاثة أضعاف المعتاد.

ويستورد لبنان معظم أدويته من دول مثل ألمانيا. لكن في الوقت الحالي، يجلب اللبنانيون الذين يسافرون إلى بيروت حقائب مليئة بالعلاجات للأصدقاء والعوائل، حسب المرضى وسماسرة الأدوية، كما ينصح الأطباء المرضى بالبحث عن بدائل لوصفاتهم الطبية.

وبسبب النقص الكبير الحاصل في الأدوية، أدى هذا لتضاعف أعراض المرض لدى الكثيرين من أصحاب الأمراض المزمنة في لبنان، يقول رئيس قسم الطوارئ في مستشفى رفيق الحريري الجامعي نبيل شاشا، لـ"فايننشال تايمز": "في الشهرين الماضيين تفاقمت أعراض قصور القلب".

وحسبما نقل موقع "لبنان 24" في تقرير له أكتوبر الماضي، فإن مرضى القلب في لبنان يشكون من فقدان نوعين من الأدوية بشكل أساسي، وهما: "لازيكس" (lasix)، وهو دواء يُصنّع محلياً برخصة من معمل فرنسي، وله بديل (جنريك)، ولكنّ البديل مفقود من الأسواق أيضاً؛ و"سنتروم" (sintrom)، ولا يوجد له في لبنان أي بديل".

ويؤدي التوقف عن تناول الأول إلى "احتقان في الرئة وأزمة رئوية حادة" والثاني  قد يعرّض مرضى القلب الذين يضعون صماماً معدنياً إلى الجلطات، وفق الموقع نفسه.

وفي تصريح رئيس المؤسسة اللبنانية لسرطان الثدي ناجي الصغير للصحيفة البريطانية، قال إن الأدوية التي تمنع تكرار المرض، بما في ذلك عقار تاموكسيفين، غير متوفرة"، مضيفاً "المرضى يدفعون ثمن سوء الإدارة والفساد".

ويرى رئيس نقاية مستوردي الأدوية، كريم جبارة، أن "مهرّبي الأمتعة" وراء تفاقم نقص الأدوية، حيث يستفيدون من سعر الصرف المواتي الذي يقدمه البنك المركزي للمستوردين، وكذلك قواعد الشراء المتساهلة لبيع الأدوية في الخارج من أجل الربح، حسب الصحيفة البريطانية.

وقالت قوى الأمن الداخلي اللبنانية، في وقت سابق، إن 18 شخصا اعتقلوا في أكتوبر الماضي، في مطار بيروت، للاشتباه في تهريب أدوية.

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".