تفاقم أزمة الدواء في لبنان.. المرضى "يدفعون ثمن الحكم الفاسد"
جاب محمد ظريف (29 عاماً) حوالي 20 صيدلية في بيروت بحثًا عن أدوية موصوفة لالتهاب المفاصل لدى والدته، ولم يجد مبتغاه في جميعها!
الألم الذي تشعر به الأم كان يدفعها للصراخ والبكاء، ومحمد ما زال يبحث، حتى وجد الحل في سوريا، حيث اشترى أحد معارفه نسخًا إيرانية من الأدوية وأرسلها إليه.
الصناديق القليلة التي تمكن من توفيرها لوالدته ستنفد قريبًا، وهو يخشى المستقبل ومن أين سيحصل بعد ذلك على ما تحتاجه. يقول: "نحن نتجه نحو سيناريو فنزويلا بسبب الأشخاص الذين يحكموننا".
"محمد ليس وحيداً" تقول صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في تقريرها الذي نشرته قبل أيام.
وتضيف "هذا الصراع الذي يواجهه المرضى اللبنانيون في الحصول على الأدوية الحيوية، يوضح بشكل صارخ مدى خطورة الأزمة الاقتصادية".
أما مرضى السرطان، فيكافحون للحصول على الأدوية، وبعضهم تمكن عبرمن ذلك، عن جلبه من دول أخرى من خلال أفراد العائلة أو الأصدقاء.
في الوقت نفسه، يتحسّر الصيادلة على نقص أدوية أساسية، مثل "البنادول" الذي يستخدم عادة للتخلص من آلام الرأس.
نفاد الأدوية
أزمة نقص الأدوية في لبنان، واحدة من تبعات الأزمة الاقتصادية الكبرى المتعلقة بشح الدولار، الذي تبعه شحّ الليرة اللبنانية أيضاً في السوق المحلي، وهو ما أدى لانعدام القدرة الشرائية لدى موردّي الأدوية وأصحاب الصيدليات.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُصاب فيها قطاع الأدوية والصحة العامة بأزمة، حيث حصل شيء مشابه في يونيو الماضي، ولكن بشكل أقل حدة، وأكثر ارتباطاً بالأدوية المستوردة، لكن منذ أوائل أكتوبر الفائت، تطوّر الوضع على نحو خطير.
وفي السابع من نوفمبر الجاري، صرّح نائب رئيس مجلس الوزراء السابق في لبنان، غسان حاصباني خلال لقاء مع محطة "ام تي في" المحليّة، أن هذه الأزمة يمكن حلها من خلال تصنيف البنك الدولي للبنان كـ"دولة منخفضة الدخل".
وقال "ذلك يساعدنا على الحصول على المساعدات في عام 2021 وعلى دعم أسعار الأدوية. وسيضع لبنان بين الدول المتعثرة المهددة بالجوع".
عبر #mtv: لماذا لم تصدر وزارة الصحة لائحة بالادوية الأساسية الضروري دعمها لأن #مصرف_لبنان لا يستطيع ان يقرر أي دواء يدعم، وبهذا الاجراء نخفض اقله 500 مليون دولار مما يساهم باستمرار الدعم على الدواء لوقت اطول@MTVLebanonNews#غسان_حاصباني
— Ghassan Hasbani (@GhassanHasbani) November 7, 2020
وفي تقريرها، تشير "فايننشال تايمز" إلى أن وزارة الصحة اللبنانية طلبت من الصيادلة، مؤخراً، الحد من كمية الأدوية التي يبيعونها للعملاء في محاولة وقف الشراء بدافع الذعر، مدفوعة بتحذير أطلقه مصرف لبنان المركزي بشأن النقص المتوقع في العملة الصعبة للواردات الحيوية، بما في ذلك الأدوية، بحلول نهاية العام.
وكان أن قام المرضى وتجار الجملة بتخزين الأدوية، مما ساهم في حدوث نقص واسع النطاق.
قالت وزارة الصحة: "طلبنا بيع صندوق واحد فقط لكل شخص، والسلطات تجبر بعض المستوردين الذين لديهم أدوية مخزنة على إرسال البضائع إلى الصيادلة".
ويمر البلد، بأسوأ أزمة اقتصادية له منذ 30 عامًا، وقدّر بنك "جولدمان ساكس" في سبتمبر الماضي، أن إجمالي احتياطيات العملة الصعبة انخفض إلى 20 مليار دولار بحلول أغسطس، وينخفض بمقدار ملياري دولار شهرياً.
حالات #كورونا تتخطى المعقول والدولة ساكنة لا تتكلم وكانها مسؤولة عن شعب بلاد الواق واق ومش عن شعب #لبنان ،لا معدات ، لا اماكن بالمستشفيات،لا مستلزمات طبية ، الادوية مقطوعة، وتاركينا على الله ،،،وين بي الكل ؟وين رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب مما يحصل؟ هيك نحن ايتام بلا اهل او شو؟
— Andre Dagher (@AndreDagher1) November 7, 2020
وقال البنك الاستثماري إن الاحتياطيات قد تنفد في غضون 12 شهراً دون اتخاذ إجراءات علاجية. بينما يكافح مصرف لبنان لحماية احتياطياته المتناقصة، حسب الصحيفة، التي عنونت تقريرها بـ"مرضى لبنان يدفعون ثمن الحكم السيء عبر شحّ الدواء"
وفي محاولته لحماية السلع الأساسية من التضخم المرتفع، أعطى البنك المركزي الأولوية لتخصيص الدولار بسعر الصرف الرسمي للمستوردين في قطاعات مثل الأدوية والوقود والغذاء.
"حقائب العلاج"
في نفس السياق، قال المدير المسؤول عن الدعم في مصرف لبنان، نعمان نادور لـ"فايننشال تايمز" إنه لا يستطيع التنبؤ بمدى استمرار دعمه للواردات.
وقال إن المؤسسة خصصت بالفعل مليار دولار لواردات الأدوية حتى الآن في عام 2020، رافضاً شكاوى المستوردين من بطء الحصول على الدولارات وإعاقة قدرتهم على جلب الأدوية.
من جهته، رئيس نقابة مستوردي الأدوية كريم جبارة، أن "مستويات المخزون محدودة ولم يتم تصنيعها لتغطية هذا النوع من الطلب المرتفع"، لافتاً إلى أن "الذعر" هو مصدر هذا النفاد، حيث تضاعف الطلب على الأدوية ثلاثة أضعاف المعتاد.
ويستورد لبنان معظم أدويته من دول مثل ألمانيا. لكن في الوقت الحالي، يجلب اللبنانيون الذين يسافرون إلى بيروت حقائب مليئة بالعلاجات للأصدقاء والعوائل، حسب المرضى وسماسرة الأدوية، كما ينصح الأطباء المرضى بالبحث عن بدائل لوصفاتهم الطبية.
وبسبب النقص الكبير الحاصل في الأدوية، أدى هذا لتضاعف أعراض المرض لدى الكثيرين من أصحاب الأمراض المزمنة في لبنان، يقول رئيس قسم الطوارئ في مستشفى رفيق الحريري الجامعي نبيل شاشا، لـ"فايننشال تايمز": "في الشهرين الماضيين تفاقمت أعراض قصور القلب".
وحسبما نقل موقع "لبنان 24" في تقرير له أكتوبر الماضي، فإن مرضى القلب في لبنان يشكون من فقدان نوعين من الأدوية بشكل أساسي، وهما: "لازيكس" (lasix)، وهو دواء يُصنّع محلياً برخصة من معمل فرنسي، وله بديل (جنريك)، ولكنّ البديل مفقود من الأسواق أيضاً؛ و"سنتروم" (sintrom)، ولا يوجد له في لبنان أي بديل".
ويؤدي التوقف عن تناول الأول إلى "احتقان في الرئة وأزمة رئوية حادة" والثاني قد يعرّض مرضى القلب الذين يضعون صماماً معدنياً إلى الجلطات، وفق الموقع نفسه.
وفي تصريح رئيس المؤسسة اللبنانية لسرطان الثدي ناجي الصغير للصحيفة البريطانية، قال إن الأدوية التي تمنع تكرار المرض، بما في ذلك عقار تاموكسيفين، غير متوفرة"، مضيفاً "المرضى يدفعون ثمن سوء الإدارة والفساد".
ويرى رئيس نقاية مستوردي الأدوية، كريم جبارة، أن "مهرّبي الأمتعة" وراء تفاقم نقص الأدوية، حيث يستفيدون من سعر الصرف المواتي الذي يقدمه البنك المركزي للمستوردين، وكذلك قواعد الشراء المتساهلة لبيع الأدوية في الخارج من أجل الربح، حسب الصحيفة البريطانية.
وقالت قوى الأمن الداخلي اللبنانية، في وقت سابق، إن 18 شخصا اعتقلوا في أكتوبر الماضي، في مطار بيروت، للاشتباه في تهريب أدوية.
