العراق

إهمال إجراءات الوقاية من كورونا يهدد بعودة الإغلاق في العراق

11 نوفمبر 2020

تعتقد العراقية سلامة هاشم (58 عاماً) ، أن وجود الكمامة لا يحمي من الإصابة بفيروس كورونا، لذا لا ترتديها أثناء عملها في بقّالة وسط العاصمة بغداد.

والزبائن الذين يرتادون المحل، لا يلتزم معظمهم بارتداء الكمامة أيضاً، تقول سلامة لـ"ارفع صوتك": "أنا كذلك مع المعارف والجيران، ولا أنكر وجود فيروس كورونا، لكن الكمامة لا تحميني منه".

وتضيف "ربّما أصبتُ بالعدوى مع أفراد أسرتي دون أن ندري".  

 

"كدتُ أفقد حياتي"

علي صادق (46 عاماً)، لم يكن يلتزم بإجراءات الوقاية، منذ بدء تفشّي كوفيد-19، لكنه مرّ بفترة تدهورت فيها حالته الصحية جرّاء الإصابة بالحمى والسعال وضيق التنفس، قام بعدها بمراجعة المركز الصحي لإجراء اختبارات مسحة الكشف عن العدوى، فكانت النتيجة سلبية.

يقول لـ"ارفع صوتك": "كدت أن أفقد حياتي. وعانيت كثيرا من شدة الأعراض، لأفاجأ بعد أن خضعت لفحص مختبري بأنني ليست مصاباً بالفيروس".

"إذا كان لدي بعض المخاوف من احتمالية الإصابة بالفيروس، اكتشفت بعد الفحص، ألاّ حاجة إلى كل هذا القلق والخوف من العدوى، أو بضرورة الالتزام بإجراءات الوقاية".

 

عدم الالتزام

منذ بداية الوباء وخلية الأزمة بشأن فيروس كورونا تنادي على نحو متزايد بأهمية "مراعاة التباعد الجسدي وإجراءات الوقاية وارتداء الكمامات"، غير أن الكثير من العراقيين كانوا وما زالوا يستخفون بخطر الوباء، بل إن بعضهم يشكك بوجوده من الأساس.

هذا الأمر، دفع وزارة الصحة إلى الاستعداد لتطبيق خطة جديدة تتعلق بحملات التحري والفحص لتشخيص المصابين بفيروس كورونا، بحسب مدير الصحة العامة في وزارة الصحة رياض الحلفي.

وقال " الوزارة وضعت خطة، للقيام بحملات التحري الفعال عن المصابين بالفيروس، وسوف تزداد أعداد الفحوصات في الأيام المقبلة".

وأضاف الحلفي أن "وزارة الصحة تعمل على زيادة عدد الفحوصات إلى 20، ثم تضع خطة للوصول إلى 30 ألف فحص في اليوم الواحد".

ويظهر عدم الالتزام بالتعليمات الصحية في المناطق التجارية كالمولات والشوارع والأسواق والمزارات الدينية، ولا تتعدّى نسبة الالتزام بين المواطنين 5%-10% وفق مقرر خلية الأزمة جواد الموسوي.

وأضاف "على الرغم من أن إجراءات وزارة الصحة لغاية الآن جيدة، وتم تخصيص الكثير من الأسرّة الإضافية لاستيعاب المصابين، فضلاً عن توفير أغلب الأدوية اللازمة لعلاج الفيروس، إلا أنه في حالة عدم سيطرتنا على الفيروس، وإذا شهدنا ارتفاعاً في عدد الإصابات، قد نتخذ إجراءات جديدة مثل تقييد حركة المواطنين، والتشديد على الالتزام بالتعليمات الصحية".

وقال الموسوي "من المحتمل أن يكون هناك "حجر جزئي، لاسيما في المناطق التجارية والدينية والأسواق".

 

الإغلاق ليس خيارا

من جهتها، تأمل الباحثة الاجتماعية إلهام الزبيدي ألا تكون هناك خطورة من جائحة كوفيد-19 تدفع خلية الأزمة لإعادة فرض الإغلاق الشامل أو الجزئي، لا سيما أن أصحاب المهن الخاصة الأجور اليومية هم من سيتضرر أولاً. 

وتقول لـ "ارفع صوتك" إن "الحكومة ستجد نفسها من جديد في مأزق التعامل مع من فقدوا مصادر أرزاقهم بسبب ذلك".

وتشير دراسة مشركة بين البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) مؤخراً، إلى ازدياد الفقر عام 2020 بنسبة (11.7%) ليصبح (31.7%) مقارنة بما كان عليه المعدل عام 2018 والبالغ (20%)، لتضيف الأزمة الراهنة قرابة (4.5) مليون فرد إلى فقراء العراق والمقدر عددهم قبل الأزمة بقرابة (7) مليون فرد.كما وارتفعت نسبة الفقر بين الأطفال دون سن الـ (18) بـ (15.8%) ليصبح معدل الفقر بين الاطفال (37.9%).

ومع ذلك، فإن الإغلاق ليس خيارا مجدياً للحد من تفشي الوباء، بشكل خاص بسبب الذين لا يراعون التباعد الاجتماعي وإجراءات الوقاية وارتداء الكمامات، كما تؤكد الزبيدي. 

وكان رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أعلن عن تدهور الوضع الصحي العالمي مع انتشار فيروس كورونا بشكل شرس.

وقال في كلمة ألقاها: "نحن ملتزمون بحماية الناس في حالات الطوارئ الصحية، لكن جائحة كوفيد-19 لم تعد مجرد حالة طارئة، بل تجاوزت ذلك".

وأكد رئيس المنظمة أن "انتشار الجائحة يؤثر سلبا على مكافحة الأمراض المعدية الأخرى"، داعياً إلى "اعتبار اللقاح المضاد سلعة عالمية، وليس سلعة خاصة".

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".