العراق

هل من الممكن حماية المكونات ومنع التطرف في العراق؟

16 نوفمبر 2020

"لقد رأيتهم يركضون هرباً عندما أطلق عليهم النار من سيارة مسرعة. لم أتمكن من معرفة ما إذا كانوا موتى أو لاK لأني حاولت الفرار أيضا ولكن سقوط أمي التي كانت برفقتي على الأرض متأثرة بإصابتها جراء الرصاص جعلني أتوقف".

يتذكر علي كاظم، صباح أحد أيام شهر يوليو/ تموز 2006، عندما كان يبلغ من العمر 25 عاما، حين اصطف مع أمه وعشرات من الأشخاص الآخرين في طابور بالقرب من مصرف حكومي في بغداد، وهم ينتظرون دورهم لاستلام رواتبهم التقاعدية، وأطلق المسلحون النار عليهم.

ويقول علي لموقع (ارفع صوتك):" ذنبنا كان آنذاك أننا من طائفة دينية مختلفة".

بموازاة ذلك، تحولت العاصمة بغداد إلى بؤرة للقتل على الهوية الطائفية بعد الهجوم على مرقد الإمامين العسكريين بسامراء في فبراير/ شباط الماضي من العام نفسه، وقسمت المناطق بعدها إلى (شيعية وسنية). ولا يستطيع سكانها مغادرتها لأخرى خشية القتل أو الاختطاف.

يضيف علي وهو يصف هلعه من آخر مرة رأى فيها والدته مضرجة بالدماء، "ماتت أمي مباشرة، لكني لم أتمكن من الدخول لهذه المنطقة لغاية الآن".

كل ذلك الوقت، كان كاظم يحاول أن يتجاوز صراحة تأييد شخص ما بشكل علني، لأنّه فقط من نفس طائفته، ويزداد ذلك مع تفاقم تعصّبه لهويته الدينية. لكنه لم يتمكن من نسيان ما حدث لأمه أمام عينه.

ورغم أن الحكومة العراقية تمكنت من إيقاف القتل الذي كان بين عامي (2006- 2008) بعد ذلك.

ورفعت الحواجز الكونكريتية التي عزلت منطقة عن غيرها تدريجيا، إلاّ أن الاغتيالات ما زالت مستمرة.

ولكن علي يعترف بأن "عدم قدرتي على التسامح والمعايشة ليس صوابا"، إلاّ أن هذا الاعتراف بنظره من دون جدوى، فحزنه ومعاناته من تفاصيل ذلك اليوم لم يترك له مجالاً لتقبل فرد من طائفة مختلفة، وفق تعبيره.

ويشير إلى أن هذا لا يعني أنّه يسعى لإيذاء الذين هم من طائفة مختلفة، "أنا فقط اتحاشى التعامل معهم لأني لا أثق بهم"، حسب قوله.

بنية المجتمع العراقي

علي كاظم ليس وحده، بل الكثير من الذين واجهوا تجارب مماثلة بسبب الطائفية والقتل على الهوية الدينية أو القومية، يميلون إلى التعصب وعدم تقبل المختلف عنهم، كما تقول الخبيرة الاجتماعية الدكتورة صبيحة الصالح في إشارة إلى افتقارنا لصورة مقنعة وواضحة عن شكل التسامح في البلاد، لأن كل الأطراف المختلفة يعتقدون أنهم على حق.

وطيلة الأعوام الماضية تنامت الدعوات والمساعي من قبل منظمات حقوقية وجهات حكومية لمحاربة العنف الطائفي بأشكاله المختلفة ونبذ الكراهية والحث على التعايش المجتمعي والحوار بين الأديان لإحلال السلام.

لكن الخبيرة ترى أن المشكلة تقع في "بنية المجتمع العراقي، إذ أنه بطبيعته يعاني من الازدواجية، فنجد أحدثهم يتحدث عن التسامح ويشجع عليه، لكنه في المقابل لا يتقبل فكرة الارتباط بزوجة من طائفة مختلفة".

وبعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة للأوضاع المعيشية الصعبة والفساد المالي والإداري والمطالبة بالإصلاح والتغيير في أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، اختفت الطائفية على الفور، بحسب الصالح، لأن الذين تظاهروا من مختلف الطوائف وشعارهم كان "نريد وطنا".

لكن سرعان ما عادت الطائفية للظهور من جديد، تحديدا بعدما اخترقت الأحزاب هذه التظاهرات ووقعت اشتباكات دموية راح ضحيتها ما بين قتيل وجريح الكثير من الشباب، كما تقول.

وترى الخبيرة الصالح أن ذلك يحدث لأن "المشكلة لا تتوقف فقط عند التعصّب الديني، بل في مكان آخر يتعلق بالأنظمة السياسية المبنية على التعبئة الأيديولوجية والتحريض دوماً".

منع التمييز والتطرف

وكانت لجنة حقوق الإنسان النيابية قد أعدت قانوني حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف، بينما طالبت رئاسة مجلس النواب بإدراجهما على جدول الأعمال.

يقول نائب رئيس اللجنة قصي عباس الشبكي، إن "من مشاريع القوانين التي تطالب اللجنة بإدراجها على جدول أعمال المجلس في الجلسات المقبلة، قانوني منع التمييز والتطرف وحماية المكونات".

ويضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن "القانونين ضمنا حق المكونات والأقليات في العراق ومنعا التمييز الديني والعرقي ويحاربان الطائفية ويؤسسان لبناء دولة المواطنة وفيهما العديد من الأبواب المهمة، منها منع التمييز والتطرف والطائفية من أي مكون ضد المكونات الأخرى ويحظران التمييز العرقي والمناطقي".

وبين أن "فقرات القانونين اشتملت على أبواب للعقوبات ضد أي سياسي أو حزب يقوم بالتحريض على الطائفة الأخرى ويدعو إلى الكراهية في خطاباته"، لافتاً إلى أن "القانونين شددا على رفع سقف العقوبات التحريضية السياسية والعرقية والطائفية وخطابات الكراهية والتمييز بين ابناء الشعب على اساس مذاهبهم واعراقهم وقومياتهم، وقد تصل العقوبات إلى السجن أو الغرامات المالية".

إصلاح الأمور

لكن المحلل السياسي قاسم عبد الخالق يخشى من أنه بعد الموافقة على قانوني حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف وتشريعه من قبل مجلس النواب العراقي لن ينظر إليهما على أنهما من القوانين المهمة في البلاد ويعطل العمل بهما، كما هو الحال مع غيرهما من القوانين التي يخضع تطبيقها لأمزجة المستفيدين.

كما أن هناك مخاوف من أن الفساد المستشري في البلاد سيعزز فشلهما في حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف، بحسب قول المحلل لموقع (ارفع صوتك)، موضحا أنه "إذا لم يكن للقانون سلطة لن نتمكن من اصلاح الأمور، إذ لا فائدة من تشريعها أصلا".

ويضيف أن "مثل هذه القوانين قد يكون ثمنها باهظا حين تستخدم بأجواء فاسدة كأداة سياسية قمعية لاستهداف الأبرياء بحجة تطبيقها بينما الغاية مغايرة أو لسبب لا علاقة له بمضامينها، وبذلك تكون مثل هذه القوانين أكثر خطورة من التحريض العرقي والطائفي نفسه".

ويشير إلى أن كل المساعي لإحلال التسامح والمعايشة ونبذ الكراهية لن تطوي صفحة التعصب والطائفية المذهبية مالم نتخلص من المحاصصة السياسية والحزبية التي تغذي التفرقة والكراهية بين أفراد الشعب.

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".