هل من الممكن حماية المكونات ومنع التطرف في العراق؟
"لقد رأيتهم يركضون هرباً عندما أطلق عليهم النار من سيارة مسرعة. لم أتمكن من معرفة ما إذا كانوا موتى أو لاK لأني حاولت الفرار أيضا ولكن سقوط أمي التي كانت برفقتي على الأرض متأثرة بإصابتها جراء الرصاص جعلني أتوقف".
يتذكر علي كاظم، صباح أحد أيام شهر يوليو/ تموز 2006، عندما كان يبلغ من العمر 25 عاما، حين اصطف مع أمه وعشرات من الأشخاص الآخرين في طابور بالقرب من مصرف حكومي في بغداد، وهم ينتظرون دورهم لاستلام رواتبهم التقاعدية، وأطلق المسلحون النار عليهم.
ويقول علي لموقع (ارفع صوتك):" ذنبنا كان آنذاك أننا من طائفة دينية مختلفة".
بموازاة ذلك، تحولت العاصمة بغداد إلى بؤرة للقتل على الهوية الطائفية بعد الهجوم على مرقد الإمامين العسكريين بسامراء في فبراير/ شباط الماضي من العام نفسه، وقسمت المناطق بعدها إلى (شيعية وسنية). ولا يستطيع سكانها مغادرتها لأخرى خشية القتل أو الاختطاف.
يضيف علي وهو يصف هلعه من آخر مرة رأى فيها والدته مضرجة بالدماء، "ماتت أمي مباشرة، لكني لم أتمكن من الدخول لهذه المنطقة لغاية الآن".
كل ذلك الوقت، كان كاظم يحاول أن يتجاوز صراحة تأييد شخص ما بشكل علني، لأنّه فقط من نفس طائفته، ويزداد ذلك مع تفاقم تعصّبه لهويته الدينية. لكنه لم يتمكن من نسيان ما حدث لأمه أمام عينه.
ورغم أن الحكومة العراقية تمكنت من إيقاف القتل الذي كان بين عامي (2006- 2008) بعد ذلك.
ورفعت الحواجز الكونكريتية التي عزلت منطقة عن غيرها تدريجيا، إلاّ أن الاغتيالات ما زالت مستمرة.
ولكن علي يعترف بأن "عدم قدرتي على التسامح والمعايشة ليس صوابا"، إلاّ أن هذا الاعتراف بنظره من دون جدوى، فحزنه ومعاناته من تفاصيل ذلك اليوم لم يترك له مجالاً لتقبل فرد من طائفة مختلفة، وفق تعبيره.
ويشير إلى أن هذا لا يعني أنّه يسعى لإيذاء الذين هم من طائفة مختلفة، "أنا فقط اتحاشى التعامل معهم لأني لا أثق بهم"، حسب قوله.
بنية المجتمع العراقي
علي كاظم ليس وحده، بل الكثير من الذين واجهوا تجارب مماثلة بسبب الطائفية والقتل على الهوية الدينية أو القومية، يميلون إلى التعصب وعدم تقبل المختلف عنهم، كما تقول الخبيرة الاجتماعية الدكتورة صبيحة الصالح في إشارة إلى افتقارنا لصورة مقنعة وواضحة عن شكل التسامح في البلاد، لأن كل الأطراف المختلفة يعتقدون أنهم على حق.
وطيلة الأعوام الماضية تنامت الدعوات والمساعي من قبل منظمات حقوقية وجهات حكومية لمحاربة العنف الطائفي بأشكاله المختلفة ونبذ الكراهية والحث على التعايش المجتمعي والحوار بين الأديان لإحلال السلام.
لكن الخبيرة ترى أن المشكلة تقع في "بنية المجتمع العراقي، إذ أنه بطبيعته يعاني من الازدواجية، فنجد أحدثهم يتحدث عن التسامح ويشجع عليه، لكنه في المقابل لا يتقبل فكرة الارتباط بزوجة من طائفة مختلفة".
وبعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة للأوضاع المعيشية الصعبة والفساد المالي والإداري والمطالبة بالإصلاح والتغيير في أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، اختفت الطائفية على الفور، بحسب الصالح، لأن الذين تظاهروا من مختلف الطوائف وشعارهم كان "نريد وطنا".
لكن سرعان ما عادت الطائفية للظهور من جديد، تحديدا بعدما اخترقت الأحزاب هذه التظاهرات ووقعت اشتباكات دموية راح ضحيتها ما بين قتيل وجريح الكثير من الشباب، كما تقول.
وترى الخبيرة الصالح أن ذلك يحدث لأن "المشكلة لا تتوقف فقط عند التعصّب الديني، بل في مكان آخر يتعلق بالأنظمة السياسية المبنية على التعبئة الأيديولوجية والتحريض دوماً".
منع التمييز والتطرف
وكانت لجنة حقوق الإنسان النيابية قد أعدت قانوني حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف، بينما طالبت رئاسة مجلس النواب بإدراجهما على جدول الأعمال.
يقول نائب رئيس اللجنة قصي عباس الشبكي، إن "من مشاريع القوانين التي تطالب اللجنة بإدراجها على جدول أعمال المجلس في الجلسات المقبلة، قانوني منع التمييز والتطرف وحماية المكونات".
ويضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن "القانونين ضمنا حق المكونات والأقليات في العراق ومنعا التمييز الديني والعرقي ويحاربان الطائفية ويؤسسان لبناء دولة المواطنة وفيهما العديد من الأبواب المهمة، منها منع التمييز والتطرف والطائفية من أي مكون ضد المكونات الأخرى ويحظران التمييز العرقي والمناطقي".
وبين أن "فقرات القانونين اشتملت على أبواب للعقوبات ضد أي سياسي أو حزب يقوم بالتحريض على الطائفة الأخرى ويدعو إلى الكراهية في خطاباته"، لافتاً إلى أن "القانونين شددا على رفع سقف العقوبات التحريضية السياسية والعرقية والطائفية وخطابات الكراهية والتمييز بين ابناء الشعب على اساس مذاهبهم واعراقهم وقومياتهم، وقد تصل العقوبات إلى السجن أو الغرامات المالية".
إصلاح الأمور
لكن المحلل السياسي قاسم عبد الخالق يخشى من أنه بعد الموافقة على قانوني حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف وتشريعه من قبل مجلس النواب العراقي لن ينظر إليهما على أنهما من القوانين المهمة في البلاد ويعطل العمل بهما، كما هو الحال مع غيرهما من القوانين التي يخضع تطبيقها لأمزجة المستفيدين.
كما أن هناك مخاوف من أن الفساد المستشري في البلاد سيعزز فشلهما في حماية المكونات ومنع التمييز والتطرف، بحسب قول المحلل لموقع (ارفع صوتك)، موضحا أنه "إذا لم يكن للقانون سلطة لن نتمكن من اصلاح الأمور، إذ لا فائدة من تشريعها أصلا".
ويضيف أن "مثل هذه القوانين قد يكون ثمنها باهظا حين تستخدم بأجواء فاسدة كأداة سياسية قمعية لاستهداف الأبرياء بحجة تطبيقها بينما الغاية مغايرة أو لسبب لا علاقة له بمضامينها، وبذلك تكون مثل هذه القوانين أكثر خطورة من التحريض العرقي والطائفي نفسه".
ويشير إلى أن كل المساعي لإحلال التسامح والمعايشة ونبذ الكراهية لن تطوي صفحة التعصب والطائفية المذهبية مالم نتخلص من المحاصصة السياسية والحزبية التي تغذي التفرقة والكراهية بين أفراد الشعب.
