العراق

"أداة السلطة والميليشيات لاعتقال المعارضين".. قصة قانون 4 إرهاب في العراق

24 نوفمبر 2020

"الإعدام" أو "السجن المؤبد"، عقوبتان لكل من يمارس عملاً إرهابياً أو يتكتم عليه، بموجب قانون 13 الذي صدر عن  الجمعية الوطنية العراقية عام 2005، تحت ذريعة الوضع الأمني المتفلت وازدياد الأعمال الإرهابية، إلا أنّه بعد أكثر من 15 عاماً على إصداره، يبدو أنّ الآلاف من الأبرياء راحو ضحية المادة الرابعة منه، بحسب مراقبين.

وتنصّ المادة الرابعة من قانون 13/2015 على إنزال عقوبة الإعدام بحق "كل من يرتكب بصفته فاعلاً عملاً إرهابياً"، وبالسجن المؤبد لـ"كل من يخفي أو يتستر على شخص إرهابي"، معطوفة على المادة الثانية والثالثة التي تؤكّد على منع أي عمل يضعف من قدرة الأجهزة الأمنية أو يحمل في طبيعته عصياناً.

وتتحدث مصادر عراقية عن أنّ "المليشيات المسلحة استغلت بالتعاون مع بعض قوات الأمن العراقية القانون وتحديداً المادة الرابعة منه لإلصاق تهم بصحفيين وناشطين كونهم معارضين لها"، فضلاً عن "الاستفادة من اكتظاظ السجون لإبرام عقود وصفقات غير قانونية".

بدوره، سارع رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الذي تولى الحكومة بعد ثورة الأول من أكتوبر، إلى زيارة السجون في مايو 2020، لـ"يتأكد من خلوه من المتظاهرين"، فضلاً عن إنشاءه لجنة لـ"تقصي حقيقة وجود سجون سرية، يحتجز فيها متظاهرون"، إلا أنّه لم يصدر عنها أي تحقيق جدّي بعد.

هيمنة المليشيات

وفي هذا السياق، أكّد  المتحدث باسم مرصد "أفاد"، الصحفي العراقي، زياد السنجري، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "المليشيات والأحزاب تهيّمن على ملف السجون، والقوانين المتبعة أثبتت فشلها جميعها من قانون الإرهاب إلى العفو العام، إذ يتم اعتقال المواطنين بناء لإخبارات دون أدلة".

وكشف أنّ "عدد المعتقلين يفوق سعة السجون، دون مراعاة لأي من الشروط الصحية والإنسانية، وحرمان معظمهم من التهوئة والغذاء المناسبين".

إطلاق سراح مقابل المال

وأكّد السنجري أنّ "بحوزة المرصد وثائق تكشف عن قضايا فساد داخل السجون، حيث تتراوح قيمة الرشاوى بين 50 و300 ألف دولار أميركي لإطلاق سراح السجين".

وذكر أنّ "82 ألف مذكرة توقيف صدرت في محافظة نينوى حديثاً، ليصل عدد المعتقلين إلى أكثر من 70 ألفاً"، مؤكّداً أنّ "إدارات السجون تتبع سياسة الإذلال والتعذيب الممنهج لانتزاع اعترافات تخدم التهم الملفقة".

وفي توثيق لعمليات التوقيف غير القانونية، نشرت صفحة المرصد على فيسبوك فيديو لسيدة تقول إنه تم اعتقال إبينها عام 2011 ولم يعودا وفي عام 2015 تم الحكم عليهما بالإعدام دون سند قانون، بحسب روايتها.

"تهمة الإرهاب للمتظاهرين"

بدوره، اعتبر الناشط المدني والمدوّن، سيف الدين علي، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب الذي وضع عام 2005، أكبر أداة إجرامية بحق الشعب"، لافتاً إلى أنّ "المشكلة ليست فقط بالمادة بل أيضاً في تطبيقها الظالم ومعاقبة أشخاص أبرياء بناء عليها، بينما المليشيات حرة طليقة".

وأضاف علي أنّه "عند انطلاق ثورة تشرين عام 2019، قامت الحكومة بإنزال قوات عسكرية في ساحة التحرير وشوارع العاصمة بغداد والمحافظات المحتجة، وكانت تمتلك أمراً بإطلاق النار إتجاه المحتجين تحت الغطاء القانوني "4 إرهاب".

ولفت إلى أنّ الحكومة حينها "قامت بتصنيف المحتجين الغاضبين على إنهم إرهابيين حسب المادة الثانية في بندها الثاني، والمادة الثالثة في بندها الثاني، ما أسفر عن استشهاد مئات الشباب وإصابة أكثر من 20 ألف".

وشدد  الناشط المدني على أنّ "من أمسكت الحكومة بهم، هم محكومين الآن بهذه المادة الظالمة وقد يكون حكم الإعدام ينتظرهم فقط لأنهم أغلقوا شارع  أو أحرقوا مقر مليشيا".

"لا على المليشيات"

ولفت علي إلى أنّه "من الطرائف وجود هذه الميليشيات بمقرات علنية وقتلها للشباب بشكل علني إلا إنه لا أحد يقوم بمحاسبتها، ولكن من يحرق مقر هذه المليشيات يحكم ضمن إطار قانون 4 ارهاب". 

وختم قائلاً: "هذا النظام وهذه الحكومات والأحزاب استغلوا جميعاً القانون لإبقاء أنفسهم في السلطة، ولقتل كل من يعارضها واضعة المحتجين ضمن إطار الإرهابيين".

القضاء العراقي يرفض القانون

وأوضحت الناشطة الحقوقية في ملف السجون، مروى الفرج، أنّ قانون رقم 13/2015  تم تشريعه بسبب الأضرار الجسيمة الناتجة عن العمليات الإرهابية حينها، ومن أجل حماية الوحدة الوطنية والاستقرار والأمن".

وذكرت الناشطة أنّه "في الأعوام الأخيرة، بدأت السلطات استغلال القانون ليس فقط من أجل اعتقال كل من يخالفها الرأي، بل للتهرب من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والسجين، ومن بينها حق الاتصال، المواجهات، والتعامل الحسن أثناء التحقيق، وهنا تكمن الخطورة".

وأكّدت الفرج، أنّه "يتم رصد ملفات فساد عّدة داخل السجون، حيث تستطيع المليشيات الإيرانية الإفراج عمن يدفع لها أكثر".

وأشارت إلى أنّ "القانون يتم تطبيقه بشكل تعسفي واستنسابي، حيث تتجاوز قوات الأمن صلاحياتها وتحتجز الحريات في محاولة منها لكم الأفواه، وخير دليل على ذلك الحكم الصادر عن محكمة التمييز الاتحادية تاريخ 24/11/2019".

وبيّنت فرج أنّ "الهيئة الجزائية في المحكمة أصدرت حكماً يعتبر الأفعال المنسوبة للمتظاهرين جرائم عادية لانتفاء القصد الجرمي (غايات إرهابية) على من احتج في الساحات بسبب الفساد والظروف المعيشية، ما يعني أنّ هناك مشكلة حقيقية في تنفيذ القانون".

 

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".