العراق

عراقيات دعمن أبناءهن فكان المقابل "التعنيف والطرد"

26 نوفمبر 2020

لم يخطر ببال ابتسام جاسم أن المصاعب التي واجهتها، والمشكلات التي خاضتها عندما ساندت رغبة أبنها خالد في الزواج من امرأة كان على علاقة معها ستدفعها للشعور بالندم. 

بدأت القصة عام 2010 عندما عارض الجميع زواجهما، لكن ابتسام، كما تقول لـ "ارفع صوتك"، "تمكنت من الوقوف بجانبهما ومساعدتهما على الارتباط من دون التفكير بما سيحدث بعد ذلك".

كانت مبررات الرفض آنذاك أن المرأة التي اختارها ابنها لللزواج مطلقة، ولديها طفلة تعيش معها، فضلاً عن أن الكثير من العائلات لا يتقبلون مسألة الارتباط بعد إقامة علاقة غرامية بشكل علني.

وتسرد لنا الأم التي لديها أربعة بنات كلهن متزوجات، مثالا على ما فعلته حينها بسبب تقاليد العشيرة "طردني زوجي (والده) لإصراري على رغبة ابني وتأنيبه على طرده من المنزل".

تتذكر ابتسام "ضربني زوجي بشدة، ثم طردني أنا أيضا، ليطلقني بعد ذلك".

أما ابنها وعمره 36 عاماً، فيعمل في وظيفة حكومية، قام حينها بتأجير شقة سكنية وعاشا معاً.

بعد ذلك اعتزمت ابتسام (61 عاماً) تزويجه من المرأة التي اختارها، ليقيموا جميعاً في نفس البيت، كانت ابنة زوجته بعمر ثلاث سنوات.

لكن بعد مرور أشهر قليلة، صارح الابن أمّه بـ"ألاّ تتدخل بقرارات زوجته أو حياتها"، وبعد فترة اقترح عليها أن تحاول السكن مع خاله في منزله.

لحظتها شعرت ابتسام بالحزن وتوقعت أن لزوجة ابنها رأي مغاير، تقول "ذهبتُ لزوجته لمواجهتها، ودخلتُ غرفتها معاتبةً إياها، لكني فوجئت بردها (يعني تريدين أدفع ثمن تدميرك حياتك مع زوجك؟!) رافضة وجودي معهما في الشقة".

استمر الحال لأسابيع، تخللها الإهمال وإبداء الامتعاض من ابنها وزوجته، لتتصل ابتسام بأخيها في نهاية المطاف، وتطلب إليه أن تسكن معه.

تقول ابتسام بحسرة "لم أر ابني منذ ثلاث سنوات، وكلما اتصلت به لا يرد علي إلاّ بعد ساعات، ودائما ما يتحجج بالعمل والمسؤوليات كي لا يزورني".

ولا تذكر أن ابنها حاول أرسال بعض المال لها بعد انتقالها لمنزل أخيها، لكنها لا زالت تتذكر اليوم الذي تعرضت فيه للطرد من منزلها بسبب إصرارها على مساندة ابنها للارتباط بامرأة طردتها هي الأخرى!

 

"لن يأخذوه مني"

أما الحاجة بهية حمدان (64 عاماً) فلم تتوقف عن البكاء طوال حديثها عن أبنائها الثلاثة بسبب ما كانت تتعرض له من إهمال وإهانات وعنف. 

"تبدل حال أبنائي بعد وفاة أبيهم" تقول الحاجة بهية.

تصف بحسرة الخلافات التي نشبت بينهم بسبب الإرث، وتقول لـ "ارفع صوتك": "لم أتوقع يوماً أن يصل بهم الطمع إلى تعنيفي، لأنني الأملاك مسجلة باسمي".

وبعد أن وجدت الكراهية من أبنائها "قررت التنازل عن جميع الأموال لهم ما عدا المنزل الذي تعيش فيه، فقط كي يعيشوا براحة وسلام" تقول الحاجة بهيّة.

لكنها بعد كل هذا، تسكن الآن في غرفة صغيرة مع أسرة ابنها الكبير الذي لا يتوانىعن تعنيفها نفسياً ولفظياً، والسبب للضغط عليها كي تقوم بتسجل المنزل باسمه.

تقول "إذا كان المنزل باسمي، وأتعرض يومياً لمختلف الإهانات والإساءات، فكيف سيكون حالي عندما أتخلى عنه؟ سأتحمل كل شيء ولن يأخذوه مني إلاّ عندما أموت". 

 

تنمر وإهانات

وتواجه النساءالمُسنّات في البلاد، أضعاف ما قد تتعرض له أخريات من العنف النفسي والحرمان الاقتصادي.

تقول الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي، لـ "ارفع صوتك"، إنهن "ضحية الحروب والفقر والأمراض الصحية والقوانين العشائرية والمجتمعية. ويتجلى ذلك في العنف النفسي والبدني المستمر ضدهن".

بينما تكون الرعاية النفسية والصحية والمادية ما تسعى الأم طيلة حياتها لضمان الحصول عليها مع تقدمها في العمر، فإن كل ما يحدث لها على الأرجح هو العكس.

توضح الخبيرة قائلة "تبدأ ممارسة العنف المغلف بالاستقلالية عندما يتزوج الأبناءوتجد بعض الأمهات أنفسهن وخاصة المتقدمات في السن وحيدات بلا رعاية".

الخطير في هذا الأمر أن كثيرات يتعرضن لتنمر وإهانات وعنف قد يصل للضرب ليس فقط من قبل الأبناء وإنما من زوجاتهم أيضا، خاصة إذا كن عاجزات عن الحركة وبحاجة لرعاية جسدية دقيقة كالمصابات بالشلل النصفي. 

فكثيرا ما يحدث أن يتواطأ الأبناء بذلك عبر تفضيل السكن بعيداً عن أمهاتهم أو بالتخلص منهن عبر تركهن في دار المسنين والعجزة بدعوى "لا وقت لدينا لرعايتها".

ويبلغ عدد دور المسنين في العراق عشر دور، منها اثنتان في بغداد لكلا الجنسين، هما: دار المسنين في الصليخ وتبلغ طاقتها الاستيعابية (46) مسنا، ودار المسنين في الرشاد وتبلغ طاقتها (100) شخص فقط. 

وعادة ما ترفض الدار طلبات كثيرة من الكبار المحتاجين إلى السكن فيها وتأجيل الموافقة عليها؛ لعدم وجود مساحات وغرف للمعيشة واكتمال عدد المقيمين في الدور التابعة لمحافظة بغداد.

كما أن هذه الدور تعاني من نقص أعداد المشرفين، خاصة أن هنالك حالات تستوجب الاهتمام بها في أوقات الليل، إضافة إلى احتياجات الدور للكثير من التخصيصات المالية، لإعادة تأهيلها وترميمها لتكون صالحة للمعيشة وتوفر المستلزمات الصحية الكفيلة لراحة المسنين.

ولكن فكرة وجود النساء في دار المسنين والعجزة، حسب الصالحي "نادرا ما يستعان بها، لأن المجتمع لا يتقبل ذلك، ويصنفه عاراً، لذا تبقى المرأة المسنة تعاني وتتمنى الموت كي ترتاح مما تعتبره مذلة بعد تقدم العمر بها وتزايد حاجتها للرعاية والاهتمام".

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في لبنان منددة بالعنف ضد المرأة بكل أشكاله
من تظاهرة في لبنان منددة بالعنف ضد المرأة بكل أشكاله (صورة تعبيرية)

أظهر تقرير رسمي عراقي أن ربع المتعرضين للعنف الأسري هم من الذكور وثلاثة أرباع من الإناث.

وكشفت وزارة الداخلية العراقية، الأربعاء، عن إحصائية بحوادث العنف الأسري خلال الأربعة أشهر الماضية، وأشارت إلى تفاصيل دراسة أجرتها لمدة 5 أعوام عن العنف الأسري، وأكدت أهمية تشريع قانون حماية الأسرة والطفل.

وقال المتحدث باسم الوزارة، العميد مقداد ميري، خلال مؤتمر صحفي: "يصادف هذا اليوم، (اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال)، لذلك قررت وزارة الداخلية أن تُطلع الرأي العام من مبدأ الشفافية على آخر ما يدور في كواليس مديرية حماية الأسرة والطفل والإحصاءات الموجودة".

وأضاف أن "إحصائية دعاوى العنف الأسري المسجلة من يناير إلى مايو 2024 بلغت 13857 دعوى، غالبيتها عنف بدني".

وأشار إلى أن "عدد الذين أخلي سبيلهم بكفالة بلغ 3101، وعدد المحكومين 100، وعدد المفرج عنهم 1196شخصاً، أما الصلح والتراضي فبلغ 4400 وتحت الإجراء 1500، فيما بلغ  عدد المراجعات 3550".

وأوضح أن "العنف الأسري إذا ما تم قياسه بعدد سكان العراق البالغ عددهم ما بين 43 إلى 44 مليونا، يكون رقما بسيطا".

ولفت إلى أن "مديرية حماية الأسرة والطفل لديها دراسة (...) بدأت منذ عام 2019 ولغاية 2023، أشارت إلى وجود ارتفاع بظاهرة العنف في المجتمع، وهو ناتج عن تغيرات اقتصادية وثقافية واجتماعية وفهم خاطئ للدين وتفشي البطالة وانفتاح غير متقن على مواقع التواصل الاجتماعي الذي شجع على ازدياد العلاقات غير الشرعية خارج منظومة الزواج، مما أدى إلى زيادة حالات الخيانة الزوجية، فضلا عن زيادة حالات تعاطي الكحول والمخدرات بشكل كبير".

وتابع ميري "أعلى جرائم العنف الأسري سجلت في العاصمة بغداد بنسبة 31%، وذلك لأن العدد السكاني في العاصمة هو الأعلى نسبة سكانية مقارنة مع بقية المحافظات، أما أقل الجرائم فسجلتها محافظة صلاح الدين بنسبة 5%".

وذكر أن "عدد الإناث اللاتي تعرضن للعنف الأسري كان أعلى من الذكور، حيث كانت نسبة الاعتداءات على الإناث 73% فيما بلغت نسبة الذكور المتعرضين للعنف الأسري 27%".

وبين أن "أكثر أنواع العنف الأسري شيوعا هو العنف الجسدي، حيث بلغ من مجموع الدعاوى 46%، فيما كان أقل نسبة في جرائم العنف هو الاعتداء الجنسي حيث بلغ 16%".

وأشار إلى أن "الدراسة خرجت بتوصيات أكدت فيها على أهمية تفعيل المؤسسات الرسمية ذات العلاقة بالعناية بالأسرة وحماية أفرادها من العنف الأسري، منها المؤسسات التعليمية والمراكز البحثية ودواوين الأوقاف والاهتمام بالتنشئة الاجتماعية للطفولة والمراهقة في العراق، لا سيما متابعة أساليب الوالدين في رعاية أبنائهم بعيدا عن العنف وتحقيق العدالة والمساواة في التعامل مع الأولاد وعدم التمييز بينهم وفقا لجنسهم".

وأكد على "أهمية تشريع قوانين تحمي الأسرة وتحد من التمييز والعنف في مقدمتها قانون حماية الأسرة والطفل"، مشدداً بالقول إن "العراق بحاجة ماسة إلى هذا القانون".