العراق

مريم من قاربها الشراعي: نحن النساء العراقيات نستطيع أن ننجح

26 نوفمبر 2020

تحاول الشابة مريم وليد خالد التحكم بقاربها الشراعي وسط أمواج عالية تتقاذفها في نهر دجلة في بغداد، أثناء ممارستها لواحدة من الرياضات المائية حديثة العهد في العراق، إلا أنها بدأت تستقطب اهتمام عديد الشباب. 

وخلال العقد الماضي، شارك محترفون عراقيون في رياضة التجذيف في الألعاب الأولمبية، لكن رياضة القوارب الشراعية والألواح الشراعية لم تشكّل موضع اهتمام في العراق. 

غير أنها الآن بدأت تحظى بشعبية إلى جانب رياضات أخرى غير أولمبية مثل الدراجات والزلاجات المائية. 

وبعدما تمكنت من تخطي الأمواج، النادرة في دجلة، نجحت مريم أخيراً في تقويم الشراع بعد جهود كبيرة، مستمعةً إلى نصائح مدربها عن بعد.   

وقالت الشابة البالغة من العمر 16 عاماً "رياضة الزوارق الشراعية من الرياضات الصعبة التي تتطلب جهدا وصبرا"، فيما كان الهواء يعصف من حولها، مضيفة "لكن أريد أن أظهر للجميع أننا نحن، النساء العراقيات، نستطيع أن ننجح".  

وتتابع مريم التي كانت بطلة في رياضة السباحة وابنة أحد اللاعبين السابقين في المنتخب العراقي لكرة القدم: "من يعشق الرياضات المائية ويواجه مخاطرها بإصرار، وخصوصا سباقات الزوارق الشراعية، سيتمكن منها، لذا أتطلع لأن أكون حاضرة في دورات أولمبية في المستقبل".

 

علامة فارقة

يبدّل ازدهار هذه الرياضات المائية نظرة العراقيين إلى نهري دجلة والفرات اللذين منحا العراق اسمه التاريخي "بلاد ما بين النهرين". 

وانخفض منسوب المياه في النهرين حتى النصف مع إنشاء تركيا وإيران المجاورتين سدوداً فيهما. وتراجع المنسوب كثيراً في أحد السنوات في دجلة لدرجة أنه كان ممكناً للسكان السير بين ضفتيه.

من جهة ثانية، يشكّل صعود هذه الرياضات في الأعظمية شرق العاصمة حيث تتدرب مريم، علامة فارقة في تاريخ هذا الحيّ، الذي كان حتى نهاية الحرب الأهلية عام 2008 أحد أكثر المناطق خطورةً في جانبي العاصمة، الكرخ والرصافة. 

ومن شوارع الأعظمية ذي الغالبية السنية التي تغلغل اليها مسلحو القاعدة عام 2003، رميت جثث عشرات الأشخاص في دجلة، وقبل وقت قصير من دخول الأميركيين للعاصمة العراقية، كان آخر ظهور علني لصدام حسين من هذا المكان. 

انتهت أيام الاقتتال الطائفي الدامية وعادت ضفاف دجلة للعائلات التي تستمع برحلة في الزوارق وللسباحين ومحبي الرياضات المائية. وبالقرب من المركز الرياضي الذي أنشئ لغرض تدريب الراغبين على الرياضات المائية، ينتشر عدد من المطاعم الصغيرة والاكشاك والمقاهي. 

يسرّ هذا المشهد الصحافي الرياضي العراقي غازي الشايع الذي قال "جميل جداً أن يتحول هذا المكان إلى مكان يتجمع فيه البغداديون يوميا للاستمتاع بمشاهدة السباحين ومتسابقي الالعاب المائية". 

 

دعم قليل

وتعبر مراراً زوارق تربط بين الأعظمية وحيّ الكاظمية ذي الغالبية الشيعية على الضفة الأخرى من النهر، حيّان خاضا في يوم من الأيام حرباً دامية. 

وبعد مرور ثلاث سنوات على هزيمة تنظيم داعش، تطمح بغداد لأن تعود من جديدة عاصمة للثقافة والترفيه في العالم العربي، كما كانت قبل عقود. 

يقول  أحمد مظلوم وهو نائب رئيس الاتحاد العراقي للرياضات المائية فرانس برس، إن "فكرة تأسيس هذا الاتحاد نشأت قبل أكثر من عام، وهو يضم الآن 100 رياضي، بينهم 8 فتيات". 

ويتدرب الرياضيون على يد أنمار سلمان، بطل التجذيف العراقي، الذي جنّد سباحين ومجذفين آخرين لإنشاء النادي. 

وتبلغ سرعة الرياح في المنطقة التي تتم فيها التدريبات حوالي 15 عقدة (28 كلم بالساعة)، على الأرجح بتأثير من ممر هواء سببه الأبنية المرتفعة على جانبي النهر.   

ويعتمد مسؤولو الاتحاد الرياضي على جهودهم الشخصية في إدارة مهام الألعاب وتأمين مستلزماتها ومعداتها التي تحتاج إلى الكثير من الأموال، وفق مظلوم.

وأشار الرجل الستيني إلى أن "كلفة الزورق الشراعي تصل إلى عشرة آلاف دولار ولا يمكننا أن نوفر العدد الكافي منها فلجأنا إلى تصنيعها في ورشة هندسية يعمل فيها مهندسون هم أساساً من ممارسي هذه الألعاب".

وأضاف أن "كلفة الزورق الذي نصنعه هنا داخل الورشة لا تتجاوز 600 دولار"، متابعاً "لدينا الآن عشرة زوارق منها خمسة مصنعة محليا في ورشة المركز التدريبي".  

رغم هذا الإقبال الجديد، تعاني الألعاب المائية التي تعد حديثة العهد في العراق، من غياب اهتمام المؤسسات الرياضية سواء الحكومية المتمثلة بوزارة الشباب والرياضة وكذلك اللجنة الاولمبية.

ويوضح مظلوم "لم نتلق أي دعم مؤثر، اللجنة الأولمبية قدمت دعماً محدوداً ووزارة الشباب قامت بنصب عدد قليل من الكرفانات تستخدم لتخزين المعدات".

من جهته، يؤكد المدرب أنمار سلمان "أتيحت أمامنا فرص قليلة جداً لمشاركات خارجية استثمرناها في تأمين بعض المعدات التي نحضرها معنا".

مع ذلك، يواصل الاتحاد تعزيز ثقافة الملاحة في العراق الذي عبرت القوارب المعروفة باسم "القفة" نهريه على مرّ آلاف السنين.  

وينتظر متسابقو القوارب الشراعية المشاركة في التصفيات المؤهلة لأولمبياد طوكيو صيف عام 2021 التي تستضيفها مدينة أبو ظبي في الإمارات مطلع العام المقبل. 

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".