زعيم التيار الصدري مقتدي الصدر مع أفراد من حمايته

المصدر - موقع الحرة:

استعراض للقوة حاول من خلاله زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر استباق التحضيرات للانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في يونيو المقبل، وارسال رسائل لمنافسيه بأنه القوة الشعبية الأكبر داخل البيت الشيعي، كما يرى مراقبون.

خرج أنصاره في تظاهرة الجمعة دعا لها أحد المقربين منه المدعو صالح محمد العراقي من أجل "التحشيد للحصول على رئاسة الوزراء" في الحكومة المقبلة.

كعادته لم يشارك مقتدى الصدر، الذي نادرا ما يظهر في تجمعات عامة، في التظاهرة، لكن ممثله القى خطبة على حشد من أنصاره في ساحة التحرير وسط بغداد أشار فيها إلى أن الصدريين "يصلحون لرئاسة وزراء أبوية عادلة" ويأملون الحصول على "أغلبية صدرية تحت قبة البرلمان".

ويقول المحلل السياسي نجم القصاب إن "الصدر أراد إرسال رسائل للشركاء في العملية السياسية وخاصة أولئك الذين كانوا ينتمون للتيار وخرجوا منه في وقت سابق، أنه لا يزال يمتلك الوجود والنفوذ والأكبر".

ويضيف في حديث لموقع "الحرة" أن "الصدر نجح في ذلك من خلال الأعداد الكبيرة التي حضرت من بغداد وباقي المحافظات وشاركت في تظاهرة الجمعة".

ويرى القصاب أن "التظاهرة جاءت مكملة لما تحدث به الصدريون بأنهم يرغبون برئاسة الوزراء، لكن هذا صعب جدا لعدة اعتبارات منها صعوبة اقتناع الشركاء في العملية السياسية بتولي التيار الصدري رئاسة الوزراء".

ويتابع أن "الصدريين يعتقدون واهمين أنهم سيحصلون على 100 مقعد في البرلمان المقبل بسبب قانون الانتخابات الجديدة، لأنهم على العكس لن يحصدوا سوى نصف عدد المقاعد التي حصلوا عليها في الانتخابات الماضية".

وحقق "الصدريون" نتائج متقدمة في انتخابات مايو 2018، إذ حازوا 54 من إجمالي 329 مقعدا في البرلمان ليشكلوا أكبر كتله. 

لكن شعبية الصدر تراجعت بشكل ملحوظ بعد الاحتجاجات المناهضة للطبقة السياسية الحاكمة في البلاد التي انطلقت في أكتوبر 2019 وكان للصدر مواقف متناقضة منها، بل أن كثير من المحتجين يتهمونه بالتواطؤ مع القوى الموالية لطهران من أجل وأدها.

ويقول الناشط المدني محمد الياسري إن "اتباع الصدر عندما نزلوا للشارع في 2018 للمناداة بالإصلاح كانت قاعدتهم الشعبية كبيرة جدا وبالملايين، أما اليوم فالعكس صحيح".

ويضيف في حديث للحرة: "رأينا بوضوح اليوم أن الأعداد التي شاركت في تظاهرة الجمعة لم تتجاوز  بضعة آلاف على أكبر تقدير، وهذا دليل على تراجع جماهيرية الصدر".

ويشير إلى أن "الكثير من أتباع الصدر باتوا على قناعة أن هناك تخبطا وتناقضا في القرارات التي يتم اتخاذها من قبل قيادتهم، فضلا عن عدم وفاءها بالوعود الإصلاحية الكثيرة التي وعدت بها، لذلك بدأوا ينفضون واحدا تلو الآخر".

ويبين الياسري أنه "في ذروة مقبولية الصدريين وتحالفهم مع المدنيين في 2018 حصلوا على 56 مقعدا فقط، لكن اليوم ومع هذا الغضب الجماهيري ضد التيار الصدري الذي يستحوذ على الكثير من المناصب الحكومية، أرى أن من الصعوبة بمكان أن ينجح في مساعي الاستحواذ على رئاسة الوزراء".

وعلى الرغم من أن الصدر يقدم نفسه على أنه "راعيا للإصلاح" ومحاربا للفساد المستشري في جميع مفاصل الدولة، إلا أنه مع ذلك امتلك العديد من الوزراء والمسؤولين التنفيذيين في الحكومات العراقية خلال السنوات الماضية، وبعضهم حوكموا بتهم فساد وهدر للمال العام.

ويقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري إن الصدر يحاول من خلال تحركاته الأخيرة "إظهار وحدة التيار الصدري، لا سيما بعد الحديث عن حصول انقسامات في صفوفه مؤخرا".

ويضيف للحرة أن "هذه التحركات تأتي أيضا في إطار الانطلاق المبكر لمارثون الانتخابات وتحشيد الاتباع من أجل الوصول لأغلبية داخل البيت السياسي الشيعي".

وستجري الانتخابات وفق قانون جديد بدلا من التصويت على اللوائح، إذ سيتم التصويت على الأفراد وتقليص نطاق الدوائر الانتخابية.

ونظمت أحدث انتخابات في العراق في مايو 2018، وكان يفترض تنظيم الانتخابات المقبلة في مايو 2022.

وبعد أن أقسم في وقت سابق بعدم الخوض في أي انتخابات مقبلة في العراق، عاد الصدر وقال في تغريدة الأسبوع الماضي إنه قد يصبح "في حل من قسمه"، في حال تأكد أن التيار الصدري سيفوز بـ "الأغلبية" وبرئاسة الوزراء.

وأكد الصدر أنه يتوقع تحقيق فوز كبير في الانتخابات وأنه سيدفع باتجاه أن يكون رئيس الوزراء المقبل من التيار الصدري لأول مرة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".