العراق

"النجف مقابل قُم".. حشد العتبات يواجه مد خامنئي بـ"قوة جديدة" في العراق

03 ديسمبر 2020

بعد ستة أعوام على تشكيلها، تشهد فصائل حشد العتبات نشاطا غير معتاد بدأته أول ديسمبر الجاري بعقد مؤتمر لا تزال فعالياته متواصلة، بينما يتباين فهم دلالاته، في ظل تخوف من قتامة الوضع السياسي والأمني في العراق.

وأقيم المؤتمر تحت شعار "حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة"، ودارت أولى جلسات المؤتمر حول أقسام الإدارة والمالية في ألوية الحشد الشعبي، الذي تنتمي إليه فصائل العتبات.

وربما يعكس مضمون الجلسة الأولى "معاناة" حشد العتبات من شح الدعم المالي والتسليح والتجهيز والتعتيم على دور مقاتليه في الحرب على تنظيم داعش على عكس الميليشيات الموالية لإيران وهو ما يطلق عليه البعض "الحشد الولائي".

راية الدولة لا الأحزاب

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكوفة العراقية، إياد العنبر، أن دلالة المؤتمر يمكن استنتاجه من شعاره الذي أشار إلى ارتباطه بالعتبات الدينية وليس بالسياسة.

وأضاف لموقع الحرة: "أعتقد أن الرسالة الأولى والأخيرة من مؤتمر حشد العتبات هو تأكيده على الارتباط بفتوى المرجعية بخصوص الجهاد الكفائي التي أكدت على الانضمام والتطوع وقتال تنظيم داعش تحت راية الدولة لا الأحزاب".

وفي 13 يونيو 2014، استجاب عشرات آلاف العراقيين لفتوى وُصفت فقهيا بـ"الجهاد الكفائي" للمرجع الديني الشيعي علي السيستاني، بالانضمام للقوات الأمنية لمواجهة تنظيم داعش الذي سيطر على ثلث أراضي العراق حينها، وتوسع اتحاد الفصائل الشيعية المسلحة.

 

إلا أن من استجابوا لدعوة السيستاني بحمل السلاح لقتال داعش لم يتطوعوا في القوات الرسمية، وإنما انضموا إلى ميليشيات مسلحة كانت موجودة بالفعل قبل الحشد الشعبي، وشكلت نواته مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر، وجميعها ميليشيات موالية لإيران.

وفي مقابل هذه الميليشيات "الولائية" انضم للاتحاد الشيعي المسلح "حشد العتبات" المكون من فرفة الإمام علي القتالية (العتبة العلوية)، ولواء علي الأكبر (العتبة الحسينية)، وفرقة العباس القتالية (العتبة العباسية)، ولواء أنصار المرجعية.

فك الارتباط

وعن مغزى توقيت المؤتمر الذي عُقد للمرة الأولى بعد ستة أعوام على تشكيل ميليشيات الحشد، قال العنبر: "قد يكون هذا التوقيت هو محاولة للتأكيد على فك الارتباط بين القوى السياسية التي تملك فصائل مسلحة تنتمي إلى تشكيلات الحشد الشعبي، وتستعد للمشاركة في الانتخابات المقبلة".

وكان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي حدد يونيو المقبل موعدا لانتخابات مبكرة، فيما بدأت الأحزاب الاستعداد لحملاتها، ويرجح خبراء أن يستفيد الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، المقرب من الميليشيات قادة الميليشيات الولائية، ومرشَحوه من قانون الانتخاب الجديد.

ورغم ذلك، يستبعد العنبر محاولة انفصال حشد العتبات عن هيئة الحشد الشعبي، مرجعا ذلك إلى "التبعات المالية التي يمكن تشكل عائقا أمام هذه الخطوة".

لكنه عاد ليقول إن الانفصال رسميا عن هيئة الحشد سيتم من خلال انضمام حشد العتبات إلى وزارة الدفاع، قائلا: "هذه الخطوة تم إعدادها والتصريح بها في أكثر من مناسبة، لكن حدثت تسوية".

وأضاف: "يبدو أن الخطوة المقبلة لحشد العتبات ستكون تذويب تشكيلاتها داخل المؤسسة العسكرية".

حشد جديد

وعلى النقيض من ذلك، يرى الباحث في الشأن العراقي رعد هاشم مؤتمر حشد العتبات بأنه بداية لتشكيل حشد جديد سيكون خاضعا للتناقضات بين أوامر القائد العام من جهة ورغبات المرجعية من جهة أخرى.

وقال لموقع "الحرة": "هناك تأكيدات على أن حشد العتبات سيتلقى توجيهاته من أحمد الصافي وعبد المهدي الكربلائي"، وهما وكلاء المرجعية.

وعن دوافع عقد مثل هذا المؤتمر، قال هاشم: "الشارع العراقي الآن يضج بصور المرشد الإيراني علي خامنئي وصيحات مواليه"، مضيفا "كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والميليشيات الأخرى الولائية تهيمن على المشهد".

وبحسب هاشم، فإن "هذه الولائية تشكل ضررا على مرجعية المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، لذلك جاء المؤتمر لتعزيز دور الجماعات التي توالي مرجعية النجف".

وأضاف "سطوة مرجعية النجف باتت تتأثر جراء ثقل وخطورة إيران وتأثيرها على القرار السياسي في العراق"، معتبرا أن المؤتمر "تحوط دفاعي أولي لمواجهة المد الخامنئي في العراق ككل، وما يشكله من تنافس على مستوى الولاءات الشعبية لمرجعية النجف".

إعادة تموضع

ويرى هاشم أن المؤتمر بمثابة إعادة تموضع للسياسيين في العراق وتشكيلاتهم المسلحة، بتذكيرهم أن مرجعيتهم في النجف وليست في قم.

ويرى هاشم أن الضغط الدولي، إلى جانب الوضع الأمني وانفلات السلاح، وميل حشد العتبات إلى الانعزال عن هيئة الحشد الشعبي من بين العوامل التي ساهمت في عقد المؤتمر.

وفيما يتعلق بسبب الانعزال عن الحشد الشعبي، قال: "كتائب حزب الله تهيمن على مجمل الفصائل في هيئة الحشد الشعبي، وتتحكم في غالبية الإدارات".

وتابع: "كنا نتمنى انتهاء الفتوى الكفائية للسيستاني، وحل الحشد الشعبي لأنه عمليا انتهى قتال داعش، ومواجهته أصبحت رهنا بطيران التحالف والاستشارات الدولية".

لكن المؤتمر الذي انعقد الثلاثاء الماضي أنهى أي أمل بإصدار المرجعية فتوى تبطل الفتوى الأولى أو تلغيها، بحسب رعد هاشم الذي أضاف "بات للمرجعية الآن قوة مسلحة رسمية، صحيح هي تقول إنها بإمرة القائد العام لكن الأمر يبدو أنها لحماية المرجعية والمذهب".

وأوضح قائلا: "ربما يستشعر حشد العتبات، بتوصيات من المرجعية، خطر الميليشيات الموالية لإيران والمنفلتة".

ولا يستبعد هاشم أن يؤسس الحشد الولائي حشدا آخر، "وبذلك نكون إما دولة ميليشيات أو دولة حشود"، متسائلا عن جدوى بقاء القوات الأمنية الشرطية والعسكرية بأعدادها المليونية، في ظل هذا الوضع.

نهى محمود - دبي

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".