العراق

في يومهم العالمي.. الفقر والمعاناة يلاحقان ذوي الاحتياجات الخاصة في العراق

03 ديسمبر 2020

بعد عام من انطلاق تظاهرات الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يصف علي (23 عاماً)، وهو أحد المتظاهرين، التغيير الذي حدث في حياته بعد أن أصيب برصاصات شلت أطرافه السفلى إثرها.

يقول الشاب الذي كانت الذي كانت مهمته الوقوف على جسر الشهداء لموقع (ارفع صوتك)، إن "العجز هو ما أشعر به الآن".

علي، الذي لم يتمكن من انهاء دراسته في مرحلة الخامس ابتدائي، يرى أن حياته التي أمضى سنواتها في الانتقال من عمل إلى آخر بحثاً عن دخل مناسب. كان يعيشها بشكل طبيعي رغم مصاعبها.

ويضيف "الناس ينظرون إلى الشخص الذي يستعين بكرسي متحرك بكثير من الشفقة"، كما أن هذا التعامل دفعه يوماً بعد آخر للشعور بهذا العجز.

ويبدو أن الأمر عادياً أن ينظر الناس لمعاق بشفقة وعطف وأن تهمل الجهات الحكومية ومؤسساتها حالتك، ولكن "الإمعان في طريقة التعامل التي تشعرك بأنك أقل شأنا، وبالوحدة والعجز، هي بمثابة تدمير لشخصيتك"، حسب علي.

رعاية وإعادة تأهيل

لكن علي ليس الوحيد، فهناك أكثر من ثلاثة آلاف شخص أصيبوا بإعاقات دائمة جراء عملية قمع الاحتجاجات التي انطلقت في بغداد ومدن جنوبية عدة في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بحسب تقرير منظمة "تجمع المعوقين في العراق" غير الحكومية.

ويبلغ عدد المعاقين بحسب وزارة التخطيط العراقية لعام 2017 مليونا و375 ألفاً، وتشير الأمم المتحدة إلى أنه بين الدول التي فيها أكبر المجموعات السكانية للأشخاص ذوي الإعاقة في العالم.

ولا تقتصر أعدادهم على الذين ولدوا ولديهم إعاقة فقط، بل أولئك الذين أصبحوا من ذوي الإعاقة في مراحل عمرية مختلفة.

وتقف وراء ارتفاع معدلات الإعاقة في العراق أسباب عديدة، منها الحروب والعمليات الإرهابية والاقتتال الطائفي، ومعارك التحرير ضد داعش.

يضاف إليها، نقص الأطباء والخبرات الجراحية المتخصصة وتراجع في الخدمات الأساسية، وهذا كان له دور كبير في إحداث عاهات بليغة ومستدامة، "بسبب لجوء الأطباء إلى بتر الأطراف أو فقدان السمع أو البصر"، كما يقول الناشط الحقوقي حامد الهنداوي لموقع (ارفع صوتك).

ويضيف أن "ذوي الإعاقة في البلاد يعانون صحياً واجتماعياً، كما أن أغلبهم إن لم يكن جميعهم لا يتمكنون من العمل لإعالة أنفسهم أو عوائلهم. وهو ما يعني الفقر والحرمان".

وينظر الناشط إلى أن ثمة تفاوتاً كبيراً في التعامل مع اشخاص ذوي الإعاقة من قبل المجتمع والحكومة.

ففي الوقت الذي ينظم فيه العراق إلى الاتفاقية الدولية الخاصة بالأشخاص ذوي الاعاقة والتي تتبنى تحقق الدمج والمشاركة الفاعلة، فإن الاحكام الطبية في البلاد تبقى هي الأساس الذي يحدد مدى قدرة الشخص بعيداً عن العوامل البيئية والمؤثرات السلوكية.

ورغم أن قانون رعاية الاشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم (38) لسنة 2013 جاء متناغماً ومنسجماً مع احكام المادة (32) من الدستور العراقي الدائم، إلاّ أنه لم يتضمن عبارات تعزيز الحقوق، بل جاء بصيغة رعائية لا تنسجم وأحكام الاتفاقية، بحسب تقييم ورؤية المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق.

إلاّ أن الهنداوي يقول، إنه " يحط من قيمة المعاق ويحول دون تحقيق الإدماج والمساواة. وذلك لاتباعه أسلوب الرعاية وإعادة التأهيل، بدلاً من التركيز على مسألة تعزيز الحقوق وتبديد المخاوف المتعلقة بعدم القدرة على الاستقلالية".

اليوم الدولي

وترى الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي ثمة تحديات أخرى تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة منها نظرة المجتمع السلبية تجاههم. حيث ترتبط الإعاقة في البلاد بمفهوم الاعتماد على الآخر وعدم القدرة على إعالة النفس.

يأتي هذا بالتزامن مع اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة 3 كانون الأول/ ديسمبر.

وتُقام فعاليات احتفاء اليونسكو هذا العام تحت شعار "إعادة البناء بشكل أفضل: نحو عالم شامل للجميع نافع ومستدام بعد جائحة كوفيد-19 من خلال الأشخاص ذوي الإعاقة ومن أجلهم وبالتعاون معهم"، عبر حملة "أقصصوا حكاياتنا، والتمكين لحقوقنا" على منصات التواصل الاجتماعي مع التركيز على أثر جائحة كورونا على الأشخاص ذوي الإعاقة والتصدي الفوري للأزمة من خلال الاستخدام المنفتح والشامل والمبتكر للحلول والأدوات والموارد الرقمية.

تصورات خاطئة

وتقول الصالحي لـ(ارفع صوتك)، إن "المجتمع يعتقد الإعاقة نتيجة لخلل في الشخص وليس في العوامل البيئية وغيرها".

كما ويواجه الأشخاص ذوو الإعاقة وعوائلهم، الوصم والتمييز الذي قد يصل إلى مرحلة تلحق العار بهم.

وتضيف الخبيرة، أنه " كثيراً ما تضطر عائلة المعاق إلى عزله أو حبسه، خشية الوصم".

وهذا كله بسبب غياب التوعية والتثقيف تجاه تصورات ومعتقدات خاطئة عن الإعاقة لدرجة أن الكثير من المعاقين يعتقدون أنه ليس من حقهم الاندماج مع المجتمع، بحسب الخبيرة.

وقد أشارت المفوضية العليا لحقوق الانسان إلى أن البنية التحتية في العراق تفتقر إلى وجود مرافق تسهل وصول الأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة العامة، بالرغم من وجود توجيه من الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى الدوائر الحكومية بضرورة تحوير البنى التحتية لتكون سهلة الوصول والاستخدام لهذه الشريحة.

إلا ان الالتزام ما زال دون مستوى الطموح ولا يتعدى سوى وجود بعض المنحدرات غير الخاضعة للمعايير الصحية، وهذا يشمل كل الأماكن الحكومية من مدارس ودور عبادة ومراكز ترفيهية ورياضية، فضلا عن أن وسائل النقل العام التي لا تتوافق مع التكوين الجسماني للأشخاص ذوي الإعاقة.

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".