العراق

في ذكرى التحرير من داعش.. هل ما زال "يوم النصر" مدعاة للاحتفال؟

10 ديسمبر 2020

لا يبدو، اليوم الخميس، الموافق للذكرى الثالثة للتحرير من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي على أراض عراقية، مريحاً لهناء حميد.

فهو "يضاعف مشاعر الخوف والحزن لديها رغم أنه مناسبة للابتهاج" حسبما تقول لـ"ارفع صوتك".

تعود هناء (49 عاماً) بذاكرتها لعام 2014 وتحاول الحديث عن السنوات التي "دمرت حياتها" على حد تعبيرها، حيث فقدت زوجها وابنها الوحيد في مدينة الموصل بقدوم داعش.

تقول "كنت في زيارة لأهلي مع بناتي الثلاث في بغداد، بينما زوجي وابني كانا في منزلنا بالموصل عندما دخل عناصر داعش المدينة، وما زلت لغاية اللحظة في بغداد وما زالا هناك".

فقدان هناء لزوجها وابنها على يد عناصر "داعش" جعلها ترفض العودة للموصل وتفضل العيش برفقة بناتها مع والدتها في منزلها ببغداد.

وتضيف "انقطعت أخبارهما عني بعد أيام من سقوط المدينة، حتى تأكدت بعد أشهر من ذلك أنهما قتلا على يد أفراد داعش".

ولا تفكر هناء بالعودة إلى مدينة تهدم داخلها منزلها ولا قبر فيها لزوجها وابنها، تقول "لا يمكنني دخولها أبداً. لا أستطيع تحمل فكرة أن تكون جثة زوجي أو ابني تحت ركام هذا المنزل أو ذاك الدكان أو تلك المدرسة وربما تحت قدميّ عند التوقف في شارع ما في تلك المدينة".

 

القلق والخوف

"الناس في الموصل مازالوا حتى بعد مرور ثلاثة أعوام على تحريرها يعيشون في قلق وخوف" تقول سارة خالد (29 عاماً).

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لا يمكننا نسيان ما مر بنا من حوادث قتل وتهديد وجوع ودمار رغم القضاء على داعش واستعادة الحياة". 

المعاناة والشعور بالقلق والخوف ليس فقط ما يشعر به كل من مكث إبان سيطرة داعش في مدينة الموصل بل أيضا لمن غادرها، حسب سارة.

وتقول "العودة للمدينة كانت مهمة صعبة. كنا وما زلنا نشعر بالغربة. إذ لم تعد الناس في الموصل كما كانت في السابق".

وبعيداً عن الضرر الكبير الذي خلفه "داعش" في تدمير المنازل والطرق والمستشفيات والمدارس وغير ذلك، ثمة جرح كبير في نفوس الأهالي، الذين يعيشون مع ذاكرة صعبة، لا يمكنهم تجاوزها أو تقبّل ما آلت إليه الأحوال.

ودفعت السنوات التي سيطر فيها "داعش" على المدينة، الكثير من الموصليين إلى تغيير تعاملهم مع غيرهم. وصار الخوف من الجار والقريب سمة أساسية للكثير منهم.

"لم نعد نثق بأحد، وصرنا نتوقع الغدر في كل لحظة بسبب تلك السنوات" تقول سارة.، مردفةً "فكل شيء في هذه المدينة يذكرني بالقتل والجوع والمذلة، كما أن الحكومة لم تفعل شيئاً يجعلنا نشعر بالأمل وبأن القادم سيكون أفضل". 

 

الخراب والفساد

وكانت الأمم المتحدة أسهمت في إعادة بناء 2000 منزل ومحطة لمعالجة المياه ومحطات توليد الطاقة وإدارات المستشفيات، و150 مدرسة وكلية ومركز شرطة.

لكن هذا الأمر لا يعد شيئا في مدينة سكنها أكثر من مليوني فرد، وفق المحامي عمار حازم.

ويقول حازم لـ"ارفع صوتك": "كنا على يقين أن حالنا لن يتحسن لأن المشكلة ليست في المدن التي طالها الدمار بسبب سيطرة داعش ومعارك التحرير، فالبلاد كلها تعاني من الخراب والفساد. والحكومة لا تفكر بالفرد العراقي سواء هنا في الموصل أو أية بقعة أخرى". 

وكان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وعد بأن يدرس "شخصياً" كل "عقد إعادة بناء لإنهاء الاستغلال والفساد"، خلال زيارة إلى الموصل.

وتعهدت الحكومة بدفع رواتب وتعويضات لعائلات "الشهداء" وضحايا الإرهاب ولأسر الجرحى الآخرين. لكن مع الانخفاض الكبير في سعر برميل النفط، والأزمة الاقتصادية، وعجز الناتج المحلي، توقف كل شيء كان من الممكن أن يبعث الأمل بتغيير الحال.

 

الوعود الحكومية

في نفس السياق، ترى الخبيرة الاجتماعية ساهرة حبيب أن حال الناس في الموصل والمناطق الأخرى التي تعرضت لتدمير داعش، قد لا يتغير، لأن حجم الكارثة الإنسانية لا يمكن تقديره أو وصفه.

وتستغرب الباحثة من تخصيص يوم للاحتفال بالنصر بينما الدمار والجوع والضياع هو ما تبقى لأهالي المدن التي شهدت هذه التجربة المريرة.

وتضيف "لا إعمار لتلك المدن ولا خدمات صحية أو إنسانية ولا تعويضات للمتضررين، ولا شيء سوى الوعود الحكومية". 

وبحسب المنظمة النروجية للاجئين، فإن 64% من نازحي الموصل، يؤكدون أنهم لن يعودوا قادرين على دفع إيجار منازلهم.

من جهته، يؤكد رئيس لجنة التعويضات محمد محمود، أن "عدد المعاملات التي قدمت يبلغ حوالي تسعين ألفا منها ما بين 48 و49 ألفاً تخص أضرار الدور والمحال وبقية العقارات الأخرى، وهناك 39 ألف معاملة تتعلق بالأضرار البشرية من شهداء ومصابين ومفقودين".

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".