العراق

الحشد الكردي.. ملابسات التشكيل وأصابع إيران تخلط أوراق كركوك

16 ديسمبر 2020

"الحشد الشعبي الكردي" اسم أطلقته ميليشيا مسلحة جديدة في كركوك على نفسها، وسط تصريحات رسمية تنفي وتستنكر الأمر. فما حقيقة هذه المجموعة؟

مقاطع مصورة وصور انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي تظهر أن هذه الميليشيا تأسست بشكل فعلي، وهي تضم نحو 150 مقاتلا من أبناء العشائر الكردية.

أما مهمتها، وفق ما يقول عناصرها، فهي "حفظ الأمن" في المناطق الكردية التي يتمركز بها المسلحون، وهو ما تنفيه وزارة الداخلية في كردستان، وتقول إنه حتى لو تم تأسيس هذه الميليشا فسيتم إلغائها.

هيئة الحشد الشعبي، قالت إنه لم يتم تأسيس هذه القوة، ولن تتشكل في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك، وفق وسائل إعلام محلية عراقية.

ولكن في مقطع بثته شبكات تلفزة محلية، ظهر أبو عماد أوغلو، الذي يقال إنه كان ضمن صفوف البيشمركة في وقت سابق، وحاليا هو رئيس هذه القوة، حيث أعلن تشكيل "الحشد الشعبي الكردي"، والذي سيكون شبيها ببقية الجماعات المسلحة في المنطقة التي لديها مثل هذه القوات.

أدهم جمعة، قائد قوات الحشد الشعبي الكردي، قال لوسائل إعلام محلية، إن الغرض من هذه القوات حماية الحدود والقرى الكردية في كركوك.

وأشار إلى أن الفوج الأول سيضم 150 شخصا، سيتم تدريبهم وتوزيعهم ضمن حدود مناطق الأكراد، مشيرا إلى أنهم سيحمون كل من يتواجد داخل هذه المناطق بغض النظر لمن يتبع.

يقول مراقبون تحدثوا لـ "موقع الحرة" يعتقدون أن  تأسيس مثل هذه الميليشيا في هذا الوقت له هدف واحد، وهو "تعزيز الانقسامات في هذه المدينة (كركوك)، وبين القوى السياسية في بغداد وكردستان".

وأشار هؤلاء إلى أن إيران لا تريد لهذه المنطقة الاستقرار، فقد أصبحت "مرعوبة" من نجاح تجربة كردستان وتجربتها مع بغداد في الإدارة اللامركزية، والتي لا يريدون لها أن تصبح نهجا في الإدارة في المدن العراقية. مبينين أن إيران تريد تعزيز حالة الفوضى من خلال الميليشيات الموالية لها، والتي ليس بالضرورة أن ترتبط بهيئة الحشد الشعبي بشكل مباشر، إذ يكفي أن تمارس مهامها في زعزعة الأمن والفوضى.

قوات فرسان

يقول الباحث السياسي العراقي، سليم سوزة، لـ "موقع الحرة" إن مشروع الحشد الشعبي في كركوك، و"هو مشروع قوات فرسان جديد، وهم من كانوا يعرفون بعدة أسماء، مثل الجحوش أو  جتا  أو الأفواج الخفيفة أو أفواج الدفاع الوطني".

ويعود تأسيس "قوات فرسان" إلى مطلع القرن الماضي، ولكنهم برزوا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كانت  قوات عراقية "شبه نظامية" تضم مقاتلين من الأقليات العرقية، وتكون مهمتها مساندة السلطة العراقية.

واستخدم الرئيس المخلوع، صدام حسين، هذه القوات وجعلها تحت إشراف ضباط عسكرييين، وكانوا يستهدفون كل من كان يعارض نظام صدام في وقتها.

وصفة حرب أهلية وجهات مجهولة
واعتبر سوزة أن تأسيس مثل هذه القوة "وصفة لحرب أهلية قادمة في كركوك"، مشيرا إلى أن السلطة بالعراق والتي تضم الحكومات والقوى السياسية وغيرها، لا تزال تعتمد على تأسيس الميليشيات لحل أي مشكلة تواجهها.

ولا يعرف بالضبط الجهات التي تقف وراء تشكيل هذه القوة، حيث يقول سوزة "حتى الآن لا نعرف من وراء تشكيل هذا الحشد الكردي، خاصة مع نفي هيئة الحشد الشعبي الرسمي وجود أي صلة له بهذا التشكيل الجديد".

ويشير سوزة إلى ما يحصل في العراق من تأسيس قوات وميلشيات وحشود مسلحة، تحت ذريعة محاربة داعش، ليصبح لدينا حشد شيعي، وحشد سني، وحشد كردي، وحشد عربي، وآخر مسيحي، وتركماني وغيره.

ويسأل سوزة "لماذا لا يتم الاعتماد على المؤسسة العسكرية الموجودة ودعمها لتصبح الجهة الرسمية لمحاربة داعش وحماية البلاد؟"

لماذا كركوك؟ وما علاقة إيران؟

يعتقد المحلل السياسي العراقي، سرمد الطائي، إن محاولة تأسيس "حشد كردي" في كركوك لا يمكن أن تكون خطوة جادة، ولكنها جزء من محاولة لاستغلال حالة الارتباك السياسي في إقليم كردستان.

وأضاف في حديث لـ "موقع الحرة" أن إيران ورغم وجود علاقات مع بعض القوى السياسية في كردستان، لا تريد نجاح تجربتهم في الاستقرار، ولهذا تريد طهران إضعافهم، والتأثير عليهم.

ويقول الباحث السياسي العراقي، شاهو القره داغي، لـ "موقع الحرة" ‏إن تأسيس الحشد الكردي، يعتبر "خطوة تصعيدية، ومن الواضح أنها تهدف إلى عرقلة الوصول إلى أي اتفاق بين أربيل وبغداد بخصوص كركوك".

وأضاف أنه لا يمكن تجاهل مطالبات الأكراد لتطبيع الأوضاع في كركوك، وإخراج الحشد الشعبي، وتشكيل قوات من الشرطة بإشتراك جميع المكونات، ولكن هذه الخطوة تعني عدم وجود نية لإخراج الميليشيات، بل هي ترسيخ لهذه الظاهرة في المدينة التي تعاني من مشاكل أمنية في الوقت الحالي.

وأشار القره داغي إلى أنه ورغم إنكار قيادة هيئة الحشد الشعبي علمها بتأسيس الحشد الكردي في كركوك، إلا أن المعلومات والصور التي انتشرت تؤكد أنها تقف وراء الخطوة.

وبين أن تصريحات قادة الحشد الكردي الجديد أكدت أن هدف تأسيس المجموعة المسلحة هو  حماية مناطقهم من داعش، حيث أن للعرب والتركمان قوات في الحشد، بينما الأكراد لم يكن لديهم أي قوة في الحشد حتى الآن.

وأوضح  القره داغي قوله : "التركمان الشيعة يملكون الحشد التركماني في قضاء خورماتو وبعض مناطق جنوب كركوك، والعرب في مناطق غرب كركوك لديهم جماعات داخل الحشد، وبتأسيس الحشد الكردي رسميا، فإن ذلك سيؤثر بشكل سلبي على الاستقرار في المنطقة التي تعاني من تدهور الوضع الأمني أصلا، بسبب مخاطر اصطدام هذه الميليشيات في حال تضارب المصالح ووجود المشاكل الطائفية في المنطقة".

إيران "مرعوبة"

يقول الطائي إن بغداد تحاول التفاوض مع حكومة كردستان لتنظيم الإدارة اللامركزية، وفي حال نجاح هذه التجربة، يمكن أن تطبق على البصرة أيضا، وإيران مرعوبة من عهذه الفكرة.

وأضاف أن إيران تريد عبر هذه الميليشيات تعزيز الانقسامات الداخلية، وتوسيع الفجوة بين الفاعلين السياسيين، بحسب الطائي.

خطوة لمنع عودة البيشمركة

ويعتقد القره داغي أن الحشد المردي تأسيس "لمنع عودة قوات البيشمركة، ووضع العراقيل أمام أي حلول لمعالجة الأزمة في كركوك، بالإضافة إلى خلق حالة من الانقسام داخل المكون الكردي في المدينة، ومحاولة تعزيز الانقسامات المذهبية والطائفية بصورة أكبر".

وأضاف أن قوات البيشمركة شاركت في الحرب على داعش، وكانت أكثر القوات إنضباطا حسب الشهادات الدولية حماية هذه المناطق، كما فعلت في 2014 أثناء هجوم التنظيم الارهابي على كركوك على خلفية انسحاب الجيش العراقي.

ويؤكد القره داغي أن المجموعات المسلحة الأخرى تعمل ضمن تشكيلات عقائدية تفضل المصالح والأجندة الخارجية على مصالح العراق، وتتفاخر بالولاء والانتماء للمشروع الإيراني التوسعي في المنطقة ، ومن هذا المنطلق، من الصعب أن تقتنع القوى السياسية وحتى المواطنين بهذا التشكيل العسكري وجدواه في مناطقهم.

القوى السياسية الكردية

الأطراف السياسية الكردية في كركوك رفضت تشكيل الحشد الكردي، واعتبرتها خطوة خطيرة تعرقل الوصول إلى تفاهمات مشتركة بين أربيل و بغداد، داعين إلى تشكيل قوة مشتركة لحماية هذه المنطقة.

واعتبر القيادي العسكري في الحزب الديمقراطي الكردستاني، كمال كركوكي، "أن الأكراد الذين انضموا لهذا التشكيل في الحشد هم من الخونة"، وفق ما نقل ما أفاد به القره داغي لـ "موقع الحرة".

ودعا داغي القوى السياسية في أربيل وبغداد إلى التوصل لتفاهمات سياسية، والتنبه جيدا لما يحصل في المنطقة، إذ كلما اتفق الطرفان على إبرام اتفاق نهائي، حاولت جهات ولائية والميليشيات التي تستغل الفراغ الأمني عرقلة المفاوضات، في سبيل بقاء الأوضاع عالقة من دون الاكتراث بمستقبل المدينة.

وتشكل "الحشد الشعبي" في العراق عام 2014 إثر إصدار المرجع الشيعي، علي السيستاني، "فتوى الجهاد الكفائي"، التي حث فيها العراقيين على قتال تنظيم داعش لوقف تمدده بعد سيطرته على ثلث العراق. 

وأدت دعوة السيستاني إلى توحد تنظيمات مسلحة قائمة مع أخرى حديثة التشكيل، كان من بينها فصائل "حشد العتبات". وقاتلت تلك الشبكة الواسعة من الفصائل المسلحة إلى جانب الجيش العراقي ضد داعش. 

ومنذ 2016، بدأت خلافات داخل "الحشد الشعبي" تظهر إلى العلن، حيث ضغطت فصائل "الحشد الولائي" المرتبطة بإيران لصالح التبعية الكاملة لطهران من دون الولاء لبغداد، فيما تريد فصائل "حشد العتبات" الولاء لبغداد فقط.

الحرة / خاص - واشنطن

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".