العراق

هل يتجاوز العراق ما خلفته سنة 2020 من أزمات؟  

01 يناير 2021

لم يدرك أحمد كريم (49 عاماً) أن دهشته وسعادته بتساقط الثلوج في بغداد، ستتغير بعض الشيء وربما لفترة طويلة.

وكانت العاصمة العراقية، ومحافظات الوسط والجنوب، شهدت فجر 11 فبراير 2020 تساقطًا للثلوج، في ظاهرة نادرة لم يعهدها العراقيون منذ 12 عاماً، وفق هيئة الأرصاد الجوية.

يتذكرها كريم بقوله "بعد ذلك، أصبحت أكثر حزناً وانعزالاً عن الآخرين. وتأثرت كثيراً بأخبار الوباء وأحداثه المؤلمة. وصرتُ أقل رغبة في التفكير بالمستقبل أو القادم من الأيام".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أنه أصيب بـ"الخذلان والإحباط"  لأنه كان "من العسير للغاية التخلص من التوترات السياسية والصراعات الداخلية من جهة والأزمات الاقتصادية من جهة أخرى، التي تزامنت مع انتشار فيروس كورونا".

 

الفساد المستشري

ولعل مشاعر الخذلان هي من أكثر المشاعر تصاعداً بين العراقيين بعد اختيار مصطفى الكاظمي، في شهر مايو 2020، ليكون رئيساً للحكومة مع فرض الالتزام بتحديد موعد الانتخابات واستعادة هيبة الدولة وكذلك مواجهة التحديات الصحية والاقتصادية. 

يقول الناشط الحقوقي مهدي عبد الستار لـ "ارفع صوتك": "كنا ننظر إلى الكاظمي على أنّه منقذ البلاد والشعب من الأزمات كافة. لكن هذا ليس صحيحاً".

ويرى أن "تزايد الأزمات في البلاد بعد تفشي الوباء قد تجاوز في حجمها أية إمكانية لاستيعابها، خاصة في مسألة الفساد المستشري وما خلفته من فقر ومشكلات اجتماعية فضلاً عن الجهل والأمية". 

من جهة أخرى، يقول الخبير الاقتصادي جاسم خالد "من أبرز الأزمات التي خلفها عام 2020 هي المالية، إذ لن نتمكن من أن نتكيف معها بسهولة في بلاد أسيرة الصراعات والحروب والنزوح والفقر".

ويضيف الخبير لـ "ارفع صوتك" أن "الفساد هو الذي تسبب بأزمات البلاد المالية والاقتصادية وليس تفشي وباء كوفيد-19 وراء ذلك". 

وأدى الفساد المستشري في البلاد إلى ظهور العديد من الأحزاب والكيانات المختلفة، وأخطرها تلك التي تمسكت بالسلطة الحاكمة ولم تتنازل عنها، حيث تسببت في خراب البلاد اقتصادياً واجتماعياً وأدت إلى تزايد معدلات الفقر بشكل كبير، وفق تعبير خالد.

وكان العراق بدأ بتخفيض إنتاجه النفطي بنسبة 22.8 % اعتباراً من أول مايو الماضي، تنفيذاً لقرار منظمة أوبك.

وقال وزير النفط ثامر الغضبان في حينه، إن"الموارد المالية أهم من كمية إنتاج النفط، وأن التخفيض جاء بناءً على دراسات لكي يرتفع سعر النفط، فكلما يقل العرض ويستقر السوق يتحسن السعر".

وأضاف "لا فائدة من زيادة الإنتاج مع انخفاض أسعار البيع، وبهذا سيكون الجميع خاسرا"، مؤكداً أن "الإجراءات التي اتخذتها أوبك هدفها زيادة أسعار البرميل ومن ثم زيادة المردود المالي". 

يقول خالد إن "الكثيرين خسروا وظائفهم أو تقلصت رواتبهم أو تأخر صرفها، لينتهي الأمر بزيادة سعر الدولار مقابل الدينار العراقي".

 

التعليم في البلاد 

أكثر ما يشعر الناشطة الحقوقية زينب قادر بالإحباط تجاه عام 2020 هو "تدني مستوى التعليم في البلاد أكثر السابق" وفق تعبيرها. 

وتقول لـ "ارفع صوتك" إن "كل ما يحدث الآن في عملية التعليم هو ارتجالي وغير دقيق، بل وضعيف لدرجة الفشل في إيصال المعلومة، أو في السيطرة على التلاميذ والطلبة وتحديد مدى استيعابهم للدروس والمناهج".  

وترى قادر أن "الأخطر من هذا كله في الأعداد الهائلة من الذين تركوا مقاعد الدراسة، خاصة الفتيات اللواتي حسمت عوائلهن أمرهن في الجلوس بالبيت وانتظار فرصة لتزويجهن، بدلاً من الاستمرار بالدراسة ومخاوف انتقال عدوى الوباء".

وتمضي بالقول إن "الأسوأ من هذا كله عندما يترك التلميذ مقعده الدراسة فقد لأن عائلته لا قدرة لها مادياً على توفير حاسبة إلكرتونية بخط إنترنت يومي أو مدرس خصوصي يتابع تعليمة".  

وأظهرت دراسة أجراها المجلس النرويجي للاجئين أنه منذ تفشي وباء كورونا المستجد تم إغلاق آلاف المدارس في العراق، ما أثر من 10 ملايين طفل في أنحاء العراق بأعمار تتراوح بين 6 إلى 17 عاما تم تركهم بدون تعليم. 

وكشف المجلس، أن ثلث العوائل التي تم استطلاعها في أنحاء العراق ليس لديهم هواتف ذكية أو اشتراك بإنترنت.

وقال إن "العراق جاء في الترتيب الثاني ضمن ارتفاع معدلات الكرب والضيق بين الأطفال النازحين عبر الشرق الأوسط، فقدان التعليم جاء في الترتيب الثالث كأكثر قلق ينتاب أطفال العراق بعد قلقهم باحتمالية الإصابة بالفيروس أو إصابة واحد من آبائهم أو أحبائهم".

كما أظهر مسح أجرته منظمة الأيادي الحنونة للمساعدات الإنسانية في العراق أن نسبة 83% من مجموع 6305 أطفال تم إجراء استطلاع عليهم في معسكرات النازحين، لم يتلقوا أي نوع من أنواع التعليم المدرسي. 

تقول قادر "آثار عام 2020 ستبقى عالقة بنا لسنوات طويلة ولن نستطيع تجاوزها أو التخلص منها بسهولة؛ لأن الجهات الحكومية المسؤولة عن هذا الشأن لا تمتلك دراسة مستفيضة واعية أو خطط حقيقية لتدارك الأزمات والحد من تفاقمها"

 

تأثير كوفيد -19

وكانت مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية ووزارة التخطيط في العراق بالتعاون مع منظمة اليونيسف العراق والبنك الدولي، أعدت دراسة عن تأثير كوفيد -19 على الفقر والحرمان في العراق.

وأظهرت النتائج أن 4.5 مليون عراقي (11.7%) دفعوا إلى ما دون خط الفقر نتيجة لجائحة كورونا وما نجم عنها من آثار اجتماعية واقتصادية.

كما تسببت في الخسائر الكبيرة في الأعمال والوظائف، وارتفاع الأسعار، في ارتفاع معدل الفقر الوطني من 20% في 2018 إلى 31.7%، مع النسبة الإضافية ممن وقعوا تحت خط الفقر والبالغة 15.8%، فإن الأطفال هم الأكثر تأثراً بالأزمة.

وبينما كان طفل واحد من كل خمسة أطفال يعاني من الفقر قبل الأزمة، فإن النسبة قد تضاعفت تقريباً إلى طفلين من أصل خمسة أطفال أي (37.9%) مع بداية الأزمة، وإن 42% من السكان يصنفون على أنهم من الفئات الهشة، إذ يواجهون مخاطر أعلى كونهم يعانون من الحرمان من حيث العديد من الأبعاد، وليس من بُعد واحد مما يلي: التعليم، والصحة، والظروف المعيشية، والأمن المالي. 

أما بالنسبة إلى الأطفال، فقد بينت الدراسة أن هناك طفل واحد من بين كل اثنين (أي 48.8%) معرض للمعاناة من الحرمان في أكثر من بعد واحد من هذه الأبعاد الأربعة. يُعد الحرمان من الالتحاق بالمدارس، والحصول على مصادر المياه المحسنة، من العوامل الرئيسية التي تساهم في هشاشة الأسر والأطفال.

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.