تأبين جندي عراقي قُتل في الحرب ضد داعش
تأبين جندي عراقي قُتل في الحرب ضد داعش

بينما تغلق الشوارع الرئيسة في العاصمة بغداد وتنطلق الأجهزة الأمنية كافة للاحتفاء بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الجيش العراقي، تعود الحاجة بدرية محمود، التي تعيش في منزل صغير بمنطقة شعبية ببغداد لأشهر سابقة من عام 2020، وتتذكر نفسها وهي تصرخ وتنادي باسم ابنها علاء الذي لم يتجاوز (22 عاماً)، حيث كان الجيران والأقارب يتجمعون حولها لتعزيتها برحيله.

تقول لموقع (ارفع صوتك) "كنت يومها قد دخلت المنزل للتو، كان هناك بعض الجيران والأقارب، وكان هناك أيضا بكاء وصراخ، أتذكره جيداً، لكن لا أتذكر شيئا بعد ذلك غير الألم وفقدان الأمل".

وتضيف أنه "رغم فجيعة رحيله إلاّ أن حالي أفضل من غيري بكثير، فما تزال الكثير من الأمهات العراقيات ينتظرن الكشف عن مصير أولادهن المفقودين بالحروب التي توالت على البلاد".

حالات الفقدان

وكان مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية بالعراق ضياء طعمة، قد صنف ملف المفقودين في العراق بالـ "شائك والمعقد جدا" بسبب المراحل والحروب التي مرت بالعراق وما وقع بكل منها من حالات اختفاء، بداية من النظام السابق وما خلفه من "تغييب قسري ومقابر جماعية"، على حد وصف ضياء، ووصولا إلى حرب عام 2003 وما تلاه من عمليات إرهابية على يد تنظيم القاعدة أو داعش لاحقا وغيرها من المجموعات المسلحة.

ويقول طعمة "نستقبل بمشاركة دائرة الطب العدلي الأسر التي تقوم بمليء استمارة للإبلاغ عن المفقودين، ثم نجمع عينة دم من أسرة المفقود حيث نعمل حاليا على إنشاء قاعدة بيانات لمطابقة العينات مع الرفات التي يتم العثور عليها بالمقابر الجماعية بإجراء تحليل الجينات الوراثيةDNA للتمكن من تحديد هوية المفقود".

ويوضح طعمة أن جميع حالات الفقدان هي من اختصاص دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، "باستثناء البحث عن مفقودي الحرب مع إيران والحرب مع الكويت حيث تتولى وزارة الدفاع العراقية هذا الملف بالتنسيق مع الصليب الأحمر".

الانتظار والغياب

تتحدث الأمهات العراقيات دوماً عن مخاوفهن في انتساب أبنائهن في كل صنوف الجيش العراقي الجوية والبرية والبحرية، حيث تعاني كثيرات من فقدان مصيرهم.

فحروب البلاد، كما تقول إيمان فاضل (51 عاماً) لا تنتهي، وكلما توقف واحدة اندلع أخرى وهكذا، رحلت أعمارنا في انتظار السلام واختفاء هذا الشاب وذاك الأب والزوج.

وتعاني فاضل التي كان زوجها منتسب للجيش العراقي ولديهما خمسة أبناء ثلاثة منهم فتيات، من ويلات معارك تحرير الموصل من داعش الإرهابي، لفقدان مصيره منذ عام 2015.

  وتضيف أن "أسرة الجندي هي الأكثر تضرراً في الحروب، سواء عاد سالماً أو لم يعد، حيث الانتظار والغياب ومشاعر القلق والخوف من المصير". 

 وفي عام 2017، عقب سقوط بعض المحافظات العراقية بقبضة داعش، صدر قرار من مجلس الأمن الدولي بتشكيل فريق أممي يتولى مساعدة العراق في التحقيق بالجرائم التي ارتكبها التنظيم هناك، ومن ضمنها جرائم الاختفاء والمقابر الجماعية.

حياة الشباب

أما الجندي قاسم جاسم (26عاماً) عندما انتسب إلى الجيش العراقي قبل ستة أعوام، أخبره والداه أنه بمثابة حل لمشكلة عدم قدرته على إيجاد فرصة عمل مناسبة له لتوفير لقمة العيش. كان ذلك، كما يقول، "كافيا للشعور بصعوبة الحياة وقسوتها في العراق".

يتذكر جاسم جزءاً كيف فقد البعض من أصحابه الجنود بسبب معارك تحرير الموصل، وتحدث عن شعور القلق الذي كان لا يفارقه ابداً.

ويضيف لـ(ارفع صوتك) أن "حياة الشاب في هذا البلد في خطر دائم. فأما أن يقتل بعملية استهداف أو اغتيال أو بسبب الحروب والمعارك".

ويشير إلى أن النجاة من القتل بسبب عمليات الاغتيال أو الحروب لا يعني بالضرورة أنه لا يعاني من الفقر والمرض والبطالة".

ديمومة الجيش

وفي وقت سابق، أفاد تصنيف "غلوبال فاير باور" لأقوى جيوش العالم لعام 2020، بأن العراق يحتل حاليا مرتبة 52 من أصل 138 من البلدان متراجعاً على المستوى الدولي والعربي.

وكان الجيش العراقي في تصنيف 2019 بالمركز 47 والرابع عربياً، وفي التصنيف الجديد جاء في المركز 52 والسادس عربياً.

ويشير التصنيف إلى أن "العراق الذي مزقته الحرب يواصل اتخاذ خطوات نحو الشرعية حيث يعيد بناء المنطقة بعد الاضطرابات التي خلفتها داعش".

لكن الخبير الأمني حسام عادل، يرى أن مشكلة الجندي أو الجيش العراقي عموماً ليست في تصنيف قوته وتجهيزه عسكرياً بل في مشكلات أخرى تتعلق بأوضاع البلاد السياسية التي تؤثر سلباً على ديمومة هذا الجيش. 

 

ويقول لـ(ارفع صوتك) إن "واحدة من أهم المشكلات الخطيرة هي الانتماء الحزبي أو السياسي اللذان يفرضان على الجندي استراتيجية عمل مبطنة ظاهرها لخدمة الوطن بينما في باطنها لخدمة الانتماء فقط".

 

ويتابع أن "هذا من أهم أسباب التي تدفع بالبلاد بين الحين والآخر إلى صراعات دموية"، وفق تعبيره. 

 

ويضيف الخبير أن "من المشكلات المهمة الأخرى التي يعاني منها الجيش العراقي، هي في الانتساب، بمعنى أن كل من لم يجد له فرصة عمل ويعاني من البطالة يقدم أوراقه للخدمة في الجيش العراقي".

 

ويشير إلى أن الانتساب للخدمة العسكرية لغاية الرواتب الشهرية كارثة تدل على انهيار البلاد اقتصادياً، وتزايد الفقر بشكل كبير.

 

"لهذا لا يمكن النظر لقوة الجيش وتشكيلاته من جهة التجهيز العسكري فقط"، بحسب قوله.

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك إلى أكثر من الضعف.

أغلق محمد هادي، مطعمه الصغير الذي أسسه قبل نحو خمس سنوات نتيجة تراجع الطلب على "السمك المسقوف"، وعدم قدرته على دفع الإيجار أو أجور العمال، بعد أن ارتفاع أسعار السمك "بشكل جنوني".

وبعد أن قام بتصفية مطعمه اشترى بما تبقى من المال عربة صغيرة (توكتوك) للعمل في مجال نقل الأشخاص، هادي الذي يسكن محافظة كربلاء يؤكد لـ "ارفع صوتك" أنه ليس الوحيد المتضرر، يقول: " آلاف المشتغلين في مجال اللحوم البيضاء والحمراء تضررت أعمالهم بسبب الارتفاع الكبير بأسعار جميع أنواع اللحوم في العراق خلال العامين الماضيين".

 كذلك، يفكر أبو محمد -وهو صاحب محل قصابة وشواء في منطقة جسر ديالى في العاصمة بغداد- بإغلاق مصدر رزقه الذي اعتمد عليه لأكثر من عشر سنوات، والبحث عن عمل جديد، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار والعجول العراقية، وما صاحب ذلك من تراجع الطلب.

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك" إلى أن توقعات تراجع الأسعار لم تتحقق على الرغم من تراجع الطلب والسماح باستيراد العجول للذبح في العراق.

ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه إلا أنه يحاول الصمود لبضعة أشهر أخرى حيث يرى أنه "من الصعب تكوين مهنة جديدة في ظل الوضع الاقتصادي المتردي حالياً".

يُعلق أبو مروة -وهو أحد زبائن القصابة وركن الشواء الصغير المرفق بها- أن المواطن العراقي" أصبح في حيرة من أمره، سابقاً كان إذا حصل ارتفاع بأسعار أحد أنواع اللحوم نتجه إلى نوع آخر حتى يعود السعر إلى الوضع الطبيعي، أما اليوم فلا نعرف إلى أين نتجه، فجميع أنواع اللحوم ارتفعت بلا استثناء".

ويرجع أبو مروة في حديثه لـ" ارفع صوتك" أسباب الارتفاع إلى "الجشع وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على الأسعار".

ثنائية العرض والطلب

"يحلل الاقتصاديون ارتفاع الأسعار بثنائية العرض والطلب"، كما يقول المحلل الاقتصادي خطاب الضامن لـ "ارفع صوتك".

يقول: "المشكلة في العراق ناتجة عن قصور العرض مقابل ارتفاع الطلب، وإذا جئنا إلى الكميات المطلوبة سنرى أن المعروض خلال السنوات السابقة تراجع أو لم ينمُ بشكل يناسب الطلب"، ويشير إلى سبب إضافي وهو " شح الأمطار والتغيرات المناخية التي أثرت في المراعي الطبيعية بشكل كبير، والارتفاع بأسعار الأعلاف بشكل خاص بعد أزمة كورونا، وبالتالي، فإن كل هذه العوامل أثرت في إنتاجية  المواشي في العراق".

وعلى صعيد الطلب، فيشرح الضامن أنه مصدره "حاجة الفرد إلى اللحوم سواء كانت الأغنام أم الأبقار، وهي في زيادة سنوية تقارن بمعدل زيادة السكان السنوي بنحو مليون نسمة، وهو معدل عال جداً، وبالتالي نحن بحاجة الى متطلبات كثيرة من ضمنها زيادة إنتاج اللحوم بكل أنواعها".

ويضيف: "بالتالي لدينا طلب مرتفع بشكل مستمر، وهذا الاختلال بين الكميات المعروضة والمطلوبة يؤدي الى الارتفاع المستمر بالأسعار، وخلال ثلاث سنوات فقط وصل سعر لحم الغنم الى 22 ألف دينار بعد أن كان يباع بين 10-12 ألف دينار وهو فرق كبير".

الوضع ذاته كما يقول الضامن: "ينطبق على إنتاج الأسماك الذي تراجع بشكل سريع بسبب قرارات حكومية غير مدروسة بشكل جيد".

قرارات حكومية

لم تكن اللحوم الحمراء فقط مصدر قلق اقتصادي للعراقيين، فالأسماك هي الأخرى تضاعفت أسعارها. يتوقع رئيس جمعية منتجي الأسماك في العراق إياد الطالبي أن تواصل ارتفاعها إلى أكثر من ضعفي سعره قبل عام واحد فقط.

ويفسر الطالبي لـ "ارفع صوتك" الارتفاع "الجنوني" بأسعار السمك بالحملة التي أطلقتها وزارة الموارد المائية لتقنين استهلاك المياه والتي أدت إلى تخفيض الإطلاقات المائية للمزارع بمعدل النصف بشكل أدى إلى تراجع الإنتاج بمعدل النصف.

ويضيف: "لجأ مربو الأسماك إلى الزراعة في المزارع التي تستخدم مياه المنازل، وبعد ذلك جاء قرار جديد بردم هذه المزارع". ويرى أن "القرار غير مدروس وتم إتلاف وتدمير كل المزارع التي كانت تؤمن 75 % من إنتاج الأسماك في العراق".

ويبين أنه قبل تلك الإجراءات "وصل الإنتاج من المزارع المرخصة وغير المرخصة إلى مليون طن سنويا، قبل أن يتراجع ليصل إلى 150 ألف طن"، معتبرا أنه كان على الوزارة" التريث بهذه الإجراءات القاسية التي دمرت البنية التحتية للثروة السمكية في البلد ".

لم يتضرر أصحاب المزارع فقط من هذه الإجراءات كما يشير الطالبي، يقول: "المتضرر الأول هو المواطن سواء أكان مستهلكاً للسمك أم جزءاً من عملية الإنتاج، هناك ما يزيد على مليون ونصف المليون من المتضررين، منهم أصحاب مطاعم وبائعو سمك والعاملون في المزارع والناقلون والصيادون وشركات الأعلاف التي تضرر عملها بشكل كبير، كل هذه الأيدي العاملة انتهى عملها، وبالتالي أصبحت عبئا على العراق".

وزارة الزراعة

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد الخزاعي، يشير إلى أن الوزارة سجلت ارتفاعاً كبيراً في أسعار اللحوم الحمراء والأسماك، إلى جانب ارتفاع أسعار لحوم الدجاج بشكل طفيف.

ويقول لـ"ارتفع صوتك" إن: "واقع الحال فرض اتخاذ عدة إجراءات، منها ردم البحيرات غير المجازة وهو قرار طالبت وزارة الزراعة من وزارة الموارد المائية التأني في تنفيذه، لكن من باب أنها الجهة المختصة وواجهت تحديات كبيرة بسبب تراجع الخزين المائي فقد ذهبت إلى اتخاذ قرارات صعبة وقاسية، أحدها ردم البحيرات غير المجازة".

بلغ عدد البحيرات التي تم ردمها بحسب الخزاعي خمسة آلاف بحيرة كانت تزود السوق المحلية بآلاف الأطنان من الأسماك، وكان من الطبيعي أن يحدث شحة في السوق المحلية، وبالتالي ترتفع الأسعار.

وفي معرض رده حول عدم فعالية إجراءات وزارة الزراعة- فيما يتعلق باللحوم الحمراء بعد أن سمحت باستيراد الماشية وذبحها وبيعها في الأسواق قبل أقل من عام، ومع ذلك لم يكن هناك أثر واضح على تراجع الاسعار داخل العراق-

 قال الخزاعي إن :"استيراد الماشية أدى الى نوع من الاستقرار في الأسعار وإيقاف صعودها خصوصا فيما يتعلق بالأبقار والعجول، أما أسعار لحوم الغنم فلم تتراجع لعدم وجود بديل لهذا النوع من اللحوم التي تفضله ذائقة المستهلك العراقية ولا تتقبل المستورد".

ما الحل؟

تعمل وزارة الزراعة -كما يبين متحدثها الرسمي- ضمن معادلة "معادلة حماية المنتج المحلي من جهة، والحفاظ على أسعار معتدلة للمستهلك العراقي"، ولذلك فهي تفتح الباب لاستيراد اللحوم بكل أنواعها لإيجاد حل لزيادة الأسعار"، وعليه فتحت الوزارة باب استيراد الأسماك الحية، وقراراً مشابهاً بالنسبة للحوم بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف.

وبحسب الخزاعي "تحتاج هذه الإجراءات إلى وقت حتى يبدو أثرها واضحاً لدى المواطن، وبالتالي خلال المدة القليلة المقبلة سنشهد تراجعاً بالأسعار أو استقرارها على أقل تقدير".

هذه الإجراءات لم تلق ترحيباً لدى الخبير الاقتصادي خطاب الضامن، والأمر ينطبق على رئيس جمعية منتجي الأسماك إياد الطالبي، اللذين يفضلان أن يتم دعم المنتج العراقي وعدم تركه للبطالة، حيث ذهبا إلى أن الإجراءات التي تتخذها وزارة الزراعة لا تصب بصالح من فقدوا أعمالهم نتيجة قرارات وزارة الموارد المائية التي لم ترد على استفسارات "ارفع صوتك" رغم وعودها بذلك.

ولا يرى الضامن "خطة أفضل من تحريك عجلة الاقتصاد في العراق داخلياً، وتوفير فرص عمل كبيرة، بعيداً عن تحقيق الاستفادة للمنتجين خارج العراق نتيجة لتخلف الإنتاج المحلي عن مواكبة الطلب المتزايد".