العراق

الذكريات الأليمة ومشاعر الخوف تسيطر على أهالي بغداد

22 يناير 2021

تسير سعاد أمير (54 عاماً) قرب ساحة الطيران، بعد مرور يوم على الهجوم الانتحاري المزدوج، وتدرك تماماً معنى الفاجعة، في طريقها لإيصال التعازي لأهالي الضحايا.

وفقدت سعاد ابنها الوحيد قبل خمس سنوات في تفجير إرهابي أيضاً، وتكرر بينها وبين نفسها كلما تذكرت حزنها عليه "ليتني لم أطلب منه الذهاب إلى السوق حينها".

تقول سعاد، من العاصمة العراقية بغداد، لـ "ارفع صوتك": "في ذلك الوقت رفض ابني الذهاب للتسوّق، ولكن إصراري جعله يقبل.. ذهب بلا عودة".

قبل مقتل ابنها وبعده، وعند حدوث أي تفجير إرهابي، تمضي سعاد الوقت أمام شاشة التلفاز، تتابع الأخبار، وتبكي.

وفي كل مرة تزور موقعاً شهد أحد التفجيرات، لمواساة أهالي الضحايا، تأمل أن تكون زيارتها الأخيرة، لكن ذلك ما لم يحصل، ويحزنها ذلك.

 

الفقراء والأبرياء

التفجير المزدوج لانتحاريين في تنظيم داعش، حسبما أعلن الأخير في بيان له، أعاد العراقين لسنوات ما قبل تحرير الموصل وهزيمة داعش من قبل القوات العراقية والتحالف الدولي عام 2017.

يقول زاهر أمجد (38 عاماً) الذي فقد زوجته وطفلته في تفجير عام 2015، إن ما حصل، أمس الخميس، كان أشبه بـ"آلة حادّة ضربت رأسه"، واستعاد صدمة فقدان حبيبتيه.

"بكيتُ بحرقة على الضحايا، وأغلبهم من الباعة المتجولين والكسبة"،  يضيف زاهر، متسائلاً "لماذا قتل الفقراء والأبرياء من العراقيين بهذه السهولة، ويحصل بدم بارد؟".

ويتابع متهكماً "ولماذا نسأل ولمن نوجه السؤال؟! من سيهتم لمقتل بائع شاي أو ملابس مستعملة".  

 

"تفجيرات سياسية"

ولأن الهجوم أتى بعد أيام قليلة على تأجيل الانتخابات العراقية المبكرة لشهر أكتوبر 2021، وفق ما أعلنت الحكومة، يرى المواطن البغدادي عادل كريم (32 عاماً) أن "حرب الانتخابات بدأت الآن. ووقودها الناس البسطاء".

ويقول عادل الذي يعمل سائق تاكسي "ارفع صوتك": "هذه تفجيرات سياسية لا إرهابية، هم يختلفون على مناصب السلطة، وتوزيع المكاسب بعد الانتخابات".

ويعتقد أن "الكل على دراية ووعي بأنه كلما اتفقت الكتل السياسة سرقت أموال الشعب، وترك للجوع والعوز والحرمان والمرض، وإذا اختلفت، قتل الشباب بتفجيرات إرهابية أو بزجهم في حروب ومعارك جديدة".

في هذا السياق، تقول نادية عامر (27 عاماً) النشطة في مواقع التواصل الاجتماعي،  إن "إشعارات الأمان" التي أرسلها مستخدمو فيسبوك في بغداد، التي تؤكد أنهم بخير، أعادت لها الخوف والقلق المرتبط لديها بسماع دويّ التفجيرات في مناطق مختلفة، خلال السنوات الماضية.

"لا نعرف ماذا نفعل.. كي يكف الساسة عن قتلنا وقتل شبابنا.. فهم لم يكتفوا طيلة الأعوام الماضية بتجويعنا وتدميرنا وتشريدنا، وعادوا اليوم ليحصدوا المزيد من حياة العراقيين" تضيف نادية في إشارة إلى أن الطبقة الحاكمة تتحمل مسؤولية الهجوم.

 

الكتل السياسية والأحزاب

تعليقاً على تبنّي تنظيم داعش الهجوم الزدوج الذي راح ضحيته 32 قتيلاً و110 جرحى، يقول المحامي نزار علوان "دائما ما يتزامن توقيت داعش مع نزاعات السياسيين وخلافاتهم على مكاسب السلطة". 

ويرى أن "البعض يحاول الآن بسبب حادثة ساحة الطيران إثارة النعرات الطائفية وتصعيدها بين الناس، من منطلق أن أغلب المستهدَفين من الطائفة الشيعية". 

"هذه إحدى اللعب التي يتبعها الساسة لاستغلال التفجير بما يخدم مكاسبهم" حسب علوان، مضيفاً "ستشهد الأيام المقبلة الكثير من الأمور التي تسعى عبرها الكتل السياسية والأحزاب للحصول على تعاطف الناس وانتخابهم، وربما الطائفية أبرزها".

وكان عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي النائب كاظم الصيادي، قال إن "الصراعات السياسية تؤثر بشكل كبير على مجريات الوضع الأمني في العراق".

وأضاف الصيادي أن "الصراعات السياسية الحالية بسبب قضية الانتخابات المبكرة، حيث البعض يطلب التأجيل والبعض يريد الإسراع بإجرائها، كلها تخلق فوضى تلقي بظلالها على الوضع الأمني واستغلالها من قبل مسلحي داعش لشن الهجمات".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.