العراق

ناشط عراقي: مليشيات موالية لإيران تنفذ عمليات تغيير ديمغرافي في ديالى 

دلشاد حسين
25 يناير 2021

أربيل - متين أمين:

تهجير واغتيالات واعتقالات مستمرة وعمليات جرف للبساتين والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي بعد طرد أصحابها، هذا هو المشهد في محافظة ديالى شمال شرق بغداد الخاضعة لسيطرة مليشيات موالية لإيران.

وتعيش المحافظة تعتيما إعلاميا تفرضه تلك المليشيات التي تسيطر على غالبية دوائر المحافظة ومؤسساتها.

وتمنع هذه المليشيات خروج أي معلومات من داخل المحافظة عبر تهديد المواطنين واعتقال كل من يدلي بأي تصريحات عما تشهده من عمليات تغيير ديمغرافي.

ورغم هذا التعتيم إلا أن موقع "ارفع صوتك" تمكن وبعد أيام متواصلة من الاتصال مع عدد من سكان المحافظة الذين ألحقت هذه المليشيات الأضرار بهم وبعائلاتهم.

زينة يعقوب اسم مستعار لنازحة من ديالى لا تستطيع العودة إلى مدينتها المقدادية وهي واحدة من مدن المحافظة الرئيسية بسبب سيطرة المليشيات عليها ومنعها السكان من العودة إليها.

تقول زينة لموقع (ارفع صوتك)، "هربنا من المقدادية مضطرين بسبب تهديد المليشيات عام ٢٠١٤ والمجازر التي نفذوها ضد عدد من سكان المدينة، ولم نستطع العودة إليها حتى الآن بسبب تلك المليشيات".

تعيش زينة وعائلاتها في بيت إيجار وسط مدينة بعقوبة مركز المحافظة بعد أن استولت المليشيات على بيتها وبيوت عائلتها وأقاربها وما تمتلكه من محلات تجارية وممتلكات.

وتضيف المرأة النازحة "استولت هذه المليشيات على عقاراتنا وأحرقت بساتيننا، ولم يعد لدينا سوى ذكرياتنا وأحلامنا بالعودة إليها في يوم من الأيام عندما تنتهي سيطرة هذه الجماعات المسلحة".

وتصف الأوضاع داخل مدن المحافظة "لا يستطيع المواطنون في ديالى الاعتراض على تصرفات المليشيات فكل من يعترض حتى ولو بالكلام يواجه مصيرا مجهولا، فيما تتقاسم هذه الجماعات أرزاق الناس، ولا يمكن لأحد أن يسترزق إلا بعد منح المليشيات اتاوات بشكل أو بآخر سواء من خلال مشاركتهم التجارة أو غير ذلك".

ودعا مرصد أفاد، المتخصص بالكشف عن الانتهاكات ومتابعة الملفات الإنسانية والحقوقية في العراق المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، جنين بلاسخارت وبعثة الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق بالانتهاكات التي وصفها بـ"المروعة" والمخالفات القانونية في ديالى، مطالبا بوقف التغيير الديموغرافي فيها.

وأضاف المرصد ببيان أصدره في ١٧ يناير الحالي أن "فريق الرصد التابع له نجح الحصول على معلومات حول سلسلة من الجرائم والانتهاكات التي تتورط بها مليشيات في المحافظة، وبعلم الأجهزة الأمنية المختلفة وحكومة ديالى المحلية، وبعض القضاة في المحافظة".

ووفق المرصد فأن تلك الجرائم والمخالفات "تبدأ من عمليات الاعتقالات العشوائية المبنية على معلومات المخبر السري، وعمليات الخطف والابتزاز والتهديد، مرورا بالتهجير أو منع العودة للمنازل وانتهاء بهجمات قذائف "المورتر" والاغتيالات، التي عادة ما تصنف على أنها عمليات إرهابية".

وكشف المرصد عن أن قيادة شرطة ديالى تمتنع عن تنفيذ أكثر من ٢٠٠ مذكرة اعتقال قضائية صادرة من محاكم بغداد وديالى وصلاح الدين، بحق متورطين بعمليات قتل وخطف وابتزاز واستيلاء على ممتلكات على أسس طائفية واضحة، صدرت بين فبراير ٢٠١٩ وأكتوبر ٢٠٢٠ لأسباب تتعلق بانتماء المطلوبين لمليشيات نافذة.

ويوضح الناشط زياد طارق السنجري المتحدث باسم مرصد أفاد لموقع (ارفع صوتك)، "ما يحدث في ديالى من جرائم إبادة جماعية واعتقالات وتهجير هي جزء من عمليات تغيير ديمغرافي كبيرة تنفذها المليشيات الموالية لإيران المسيطرة على المحافظة وهي مليشيات بدر وعصائب اهل الحق والنجباء وكتائب حزب الله وسرايا السلام ومليشيات أخرى".

ويوضح السنجري أن هذه الفصائل "تمارس عمليات تطهير عرقي وطائفي في المحافظة واستطاعت أن تهجر حتى الآن ثلث سكان المحافظة، وجرفت البساتين واستولت على مساحات شاسعة من الأراضي التي يمتلكها مواطنو ديالى".

وبحسب السنجري فأن المليشيات الموالية للنظام في طهران سيطرت على مناطق عديدة بالكامل "من أجل تأمين عبور الأسلحة والمخدرات القادمة من إيران عبر محافظة ديالى التي تقع على الحدود العراقية الإيرانية".

ويضيف "حولت المليشيات قاعدة أشرف في محافظة ديالى، التي كانت تحتضن في السابق حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة، إلى أحد أخطر السجون في العراق، تحتجز فيه أعدادا كبيرة من المعتقلين واستبدلت أسمائهم بأسماء وهمية لإخفائهم ومنع الجهات الحكومية من العثور عليهم"، مشيرا إلى أن طريقة إخفاء المعتقلين هذه وضعت من قبل قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني بالتنسيق مع مليشيات بدر والعصائب وكتائب حزب الله والمليشيات الأخرى.

لكن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق وهي هيئة مستقلة تتبع مجلس النواب العراقي نفت حدوث عمليات اعتقال وتغيير ديمغرافي في محافظة ديالى.

ويقول علي أكرم البياتي عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان لموقع (ارفع صوتك)، "لا توجد هكذا حالات في ديالى، وما يوجد هو استغلال لبعض الأراضي الزراعية التي تركها أصحابها، أو أن أصحابها قد أعطوا جزءً من أراضيهم لبعض الأشخاص الذين ينتمون للفصائل لزراعتها، وهذه الحالات موجودة في مناطق العظيم وأطراف خانقين".

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".