العراق

العراق.. غاز يحترق وسكّان بلا كهرباء

02 فبراير 2021

بغداد - ارفع صوتك:

يغرق العراق منذ عقود في دوامة انهيار منظومة الطاقة الكهربائية التي تؤثّر على حياة الناس ومعيشتهم.

وقد فاقم من أزمة الكهرباء مؤخرا قرار إيران بقطع إمدادات الغاز المورد لمحطات توليد الطاقة منذ نهاية كانون الأول من العام الماضي، رافق ذلك تقليل ساعات التجهيز لخمس ساعات إطفاء مقابل ساعة تشغيل واحدة فقط. وتبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي من الغاز الجاف في البلاد حاليا يبلغ 38% فيما يستورد 62% من الغاز الجاف من إيران.

وتؤكد وزارة الكهرباء العراقية أن الأزمة "باقية ومستمرة"، حتى تجد الحكومة مخرجاً جديداً ينهي معاناة العراقيين.

وبحسب الوزارة، فإن "إيران لم ترفع مستوى صادرات الغاز عن حدود 7 مليون متر مكعب، ولم ترجعه للحجم السابق والبالغ 50 مليون متر مكعب، ما تسبب بتوقف محطات توليد الكهرباء".

أين الحل؟

يقول عضو مجلس النواب عبد الخالق العزاو لموقع (ارفع صوتك) إن "أزمة الكهرباء في العراق لن تنتهي، حتى لو تم تغيير 100 وزير"، وجاء كلامه تعليقاً على حراك يجريه البرلمان لاستضافة وزيري الكهرباء والنفط، من أجل الوقوف على أسباب تردي واقع الكهرباء في البلاد، فيما يلوح المستجوبون بإقالتهما.

ويؤكد المتحدث الرسمي لوزارة الكهرباء أحمد العبادي أن "الوزارة فقدت 7 آلاف ميغاوات من الكهرباء، جراء خفض إيران لواردات الغاز المغذي لمحطات إنتاج الطاقة".

القرار الإيراني بتخفيض واردات الغاز للمحطات العراقية، جاء بسبب الديون المتراكمة على العراق، والبالغة 2.6 مليار دولار عن شراء الغاز، وفقاً لما أعلنته شركة غاز إيران.

وتشهد المحافظات العراقية وخصوصا الجنوبية منها بصورة مستمرة تظاهرات غاضبة، احتجاجاً على انهيار منظومة الكهرباء الوطنية، لا سيما في فصل الصيف الذي تصل فيه درجات الحرارة إلى 50 مئوية.

وحصل العراق على 1.2 مليار متر مكعب من الغاز، الأمر الذي حوّل العراق إلى واحد من أكبر المشترين للغاز الإيراني باستيراد يبلغ نحو 14 مليون متر مكعب يومياً.

وزارة الكهرباء العراقية، وكجزء من محاولة تبرئة موقفها من الأزمة الكبيرة، تكرر مطالبتها بدمجها مع وزارة النفط.

وتقول على لسان المتحدث باسمها إن "هذا المقترح طرح لغرض وضع خطط جديدة لتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني"، مؤكدة للمواطنين برسائل مباشرة أن "ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية لن تتحسن في ظل تهالك الإنتاج العراقي للغاز".

معضلة أخرى

ومع قطع إيران امدادات الغاز المورد للعراق، ظهرت مجدداً معضلة استهداف أبراج نقل الطاقة الكهربائية بالعبوات الناسفة والصواريخ، لتسبب تلك الهجمات خسائر بمليارات الدنانير.

وأشار المتحدث باسم وزارة الكهرباء في حديثه لموقع (ارفع صوتك) إلى أن "استهداف المحطات المتنقلة وأبراج الكهرباء عزلت المنطقة الشمالية عن الوسطى، وتسببت بضرر بالغ على ساعات التجهيز لمحافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى".

وأوضح أن "الهجمات تسببت أيضا بفقدان وتراجع أحمال المنظومة بواقع 500-600 ميكاواط، وخسارة المليارات".

وتطالب وزارة الكهرباء بتسيير الطائرات بدون طيار ونصب الكاميرات الحرارية لحماية الأبراج والخطوط الناقلة للطاقة الكهربائية من الاستهداف.

غاز العراق في مهب الريح

ويمتلك العراق مصدرين للغاز الطبيعي، يتمثّل الأول بالغاز المصاحب للنفط كناتج طبيعي يتميز استثماره بانخفاض التكاليف، وليس بحاجة إلى عمليات تنقيب وحفر واستخراج، باعتباره مصاحباً للنفط المستخرج، بالإضافة إلى أن 70% من غاز العراق يعد من النوع نفسه.

والمصدر الثاني هو الغاز الحر والذي يتميز استثماره بالتكاليف العالية، لحاجته إلى عمليات تنقيب وحفر واستخراج ويشكل 30% من إنتاج الغاز العراقي الذي يُحرق هدراً.

وكانت بيانات للبنك الدولي تفيد بأن افتقار حقول النفط العراقية لمعدات جمع الغاز يؤدي إلى حرق وإضاعة 18 مليار متر مكعب من "الغاز المرتبط بالبترول" سنويا.

ووفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية، فإن كمية الغاز المحروقة في العراق يومياً تكفي لإمداد ما لا يقل عن 3 ملايين منزل بالطاقة الكهربائية التي يعاني العراقيون منها منذ أعوام.

وتشير الإحصائيات إلى أن احتياطي العراق من الغاز الطبيعي بلغ أكثر من 110 تريليونات قدم مكعب، يحرق منه 700 مليون قدم مكعب، بحسب التقرير، الذي يوضح أن هذه الكمية تهدر حرقا لعدم وجود البنية التحتية وسوء الادارة والتخطيط وعجز الحكومات المتعاقبة.

ونتيجة زيادة إنتاج النفط العراقي من 3 الى 4,5 مليون برميل يوميا، ارتفع معدل حرق الغاز من 13,3 الى 17,8 مليار متر مكعب.

دور إقليم كردستان

ويرى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن "تطوير قطاع إنتاج الغاز في إقليم كردستان سيسمح للعراق بإنتاج كميات أكبر من الطاقة للاستهلاك المحلي، والتصدير إلى تركيا والدول المجاورة الأخرى، كما سيسمح بتكامل اقتصادي أكبر داخل الإقليم ومع العراق الاتحادي، مما يخلق فوائد للبلد بأكمله".

وجاءت خلاصة منتدى عقده المعهد في 12 كانون الثاني 2021، بأن "إقليم كردستان لديه القدرة على إنتاج 40 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً بحلول عام 2035، مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 5 مليار متر مكعب سنوياً".

ويمكن تحقيق هذه الرؤية من خلال "عملية تدريجية بدلاً من نهج يركز فقط على المشاريع الكبيرة"، بحسب المعهد.

ومضى أن "تصدير الكهرباء المولّدة من الغاز يجري أساساً من نقل الغاز عبر الكابلات من الإقليم شمالا إلى أنحاء العراق الاتحادي، وهذه الصادرات أكثر قابلية للتطبيق من الحلول الأخرى المقترحة لمشاكل الكهرباء في البلاد (على سبيل المثال، الربط مع شبكات الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي أو الأردن)".

ومن المرجح أن ينطلق في النهاية خط لنقل الغاز يصل إلى تركيا عبر الأنابيب من دهوك، لكن ذلك لن يمنع صادرات الغاز عبر الكابلات قبل الوصول إلى هذه النقطة.

ويتابع المعهد أن "إيران تحاول باستمرار وضع حد لتنمية الطاقة في العراق من خلال نفوذها السياسي، لأنها تريد أن يبقى العراق معتمداً على وارداتها من الطاقة والكهرباء، كما تتلاعب طهران بإمداداتها من الطاقة لأغراض سياسية، ويجب على السياسيين العراقيين إيجاد طريقة للتغلب على هذا التحدي".

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".