العراق

في الفلّوجة.. عراقيون حاربوا الأميركيين والآن يخشون رحيلهم

06 فبراير 2021

يخشى الكثير من مسؤولي الأمن والمقاتلين السابقين والسكان في المناطق الشمالية والغربية من العراق، رحيل القوات الأميركية واحتمال أن يصب ذلك في صالح تنظيم داعش والفصائل الموالية لطهران.

وتطرق تقرير نشرته وكالة رويترز، الجمعة، إلى المخاوف التي تعتري الناس في تلك المناطق، التي تشغل نحو ثلث أراضي العراق، وكانت معاقل تمرد سابقة موالية لصدام حسين، من خطوة تخفيض عديد القوات الأميركية على مناطقهم.

يقول إبراهيم (37 عاما)، الذي شارك في معارك ضد القوات الأميركية بعد عام 2003 في الفلوجة، إن "وجود القوات الأميركية في السنوات الأخيرة ساعد في قمع من تبقى من متشددي داعش وكبح جماح الفصائل المسلحة المدعومة من إيران". 

ويضيف إبراهيم، وهو موظف حكومي أُصيب بحروق بالغة في تلك المعارك، أن "سحب القوات الأميركية سيخلق فراغا أمنيا، ويجعل الفلوجة مكانا أشد خطورة".

وعلى مدى 17 سنة، رأى إبراهيم مدينته تسقط مرة بأيدي الأميركيين وأخرى في قبضة تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش، ومؤخرا كان شاهدا على رؤية القوات العراقية وهي تقاتل جنبا إلى جنب فصائل مسلحة مدعومة من إيران.

ويؤكد إبراهيم أنه تعرض للاعتقال على أيدي قوات الأمن والفصائل الشيعية على مدى سنوات ماضية للاشتباه في وجود علاقة له مع تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وهو ما ينفيه.

ومعظم سكان ومسؤولي هذه المناطق ذات الغالبية السنية يشتركون مع إبراهيم في تقديره للموقف، حسبما أورد التقرير.

وجاء فيه "يرى هؤلاء السكان أن داعش والفصائل المسلحة المدعومة من إيران هي التي ستجني الثمار وتحقق أكبر استفادة من خفض عدد القوات الأميركية". 

ويخشى كثيرون منهم أن تستخدم الفصائل الموالية لإيران الزيادة الملحوظة في هجمات تنظيم داعش كمبرر وذريعة لترسيخ وجودها.

وخلال الشهر الماضي، أكملت الولايات المتحدة خفض قوام قواتها في العراق إلى 2500 جندي وهو تقريبا نصف المستوى الذي كانت عليه قبل أقل من عام.

وشهدت الأشهر القليلة الماضية وقوع أكثر من 25 هجوما دمويا نسبها مسؤولون عراقيون إلى مقاتلي داعش. 

كما شن التنظيم الشهر الماضي أكبر هجوم له منذ سنوات عبر تفجير انتحاري مزدوج وقع وسط بغداد وراح ضحيته أكثر من 30 شخصا.

وأعلن التحالف العسكري الذي تقوده واشنطن لمحاربة داعش في العراق، تنفيذ 10 ضربات ضد أهداف لداعش في شهر ديسمبر وحده.

وقال مسؤول في التحالف إنه لا توجد خطط للعدول عن الانسحاب وإن القوات العراقية قادرة على التصدي لتمرد داعش في ظل مستويات الدعم الحالية من التحالف.

وتعمل قطاعات من الجيش العراقي البالغ قوامه 300 ألف جندي في المناطق الغربية والشمالية من البلاد، فيما يبلغ عدد الأفراد المنتمين للفصائل المسلحة 100 ألف على الأقل، قسم كبير منهم في الشمال والغرب. 

وأقر مسؤول أميركي بأن التخفيض أضعف القدرات العسكرية الأميركية في العراق، لكنه شدد على استمرار المساعدة الأميركية. 

وقال المسؤول إن تنظيم داعش لا يزال عدوا حتميا، مضيف "وعليه يمكن القول إن المستقبل لن يكون خاليا من الدماء".

ويقول صلاح العيساوي وهو قيادي في فصيل "حشد الأنبار"، لوكالة رويترز "في الأشهر الأخيرة لاحظنا حصول المزيد من هجمات داعش في هذه المناطق".

ويرى أن الفصائل الشيعية "استمدت الشجاعة من الحديث عن الانسحاب الأميركي" مشيراً إلى أن "القوات المتحالفة مع إيران رفعت أعلامها عند بعض نقاط التفتيش التي خططت للتخلي عنها".

"نأمل ألا يتركنا الرئيس جو بايدن نقع تحت أيديهم" يتابع العيساوي.

ويؤكد بعض المسؤولين العسكريين العراقيين أن قسما كبيرا من موجة العنف المتصاعد مرتبط بتراجع الوجود الأميركي.

وقال ضابط في الجيش العراقي يعمل مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إن "الضربة الجوية الأخيرة التي قتلت قياديا بارزا في تنظيم داعش كانت ثمرة لجهد أميركي عراقي مشترك".

وأوضح أن القوات العراقية "كانت تقوم بمطاردته لكنها كانت تجد صعوبة كبيرة في معرفة مكان اختبائه لولا مساعدة الدعم الجوي الأميركي". 

وأضاف الضابط أن "التحالف أصبح ينفذ ضربات جوية أقل من المعتاد على أهداف تنظيم داعش".

مواضيع ذات صلة:

علاقة شائكة بين الرجلين

 "كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز". بهذه العبارة لخّص عبد السلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

في المقال، نستعرض أبرز المحطات التي مرت بها العلاقة المعقدة بين الرئيسين الراحلين.

 

ثورة الفاتح وحزب البعث

عند قيام القذافي بثورة الفاتح في سبتمبر 1969 كان العراق خاضعاً للحُكم البعثي بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين.

سارع العراق بالترحيب بالثورة الليبية وكان من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الثوري الجديد، كما ترأس صدام حسين وفداً زار ليبيا وعرض تقديم المساعدات والأسلحة لتوطيد دعائم الدولة الليبية الحديثة.

لم يدم هذا الوفاق طويلاً بعدما اختار القذافي السير في هُدى مثله الأعلى جمال عبد الناصر الذي لم يتمتع بعلاقات جيدة مع البعثيين وسبق أن هاجَم صدام حسين ووصفه بـ"البلطجي"، على حد وصف وزير التخطيط العراقي السابق جواد هاشم في مذكراته.

بعد رحيل الرئيس المصري الأسبق، تجلّى التباين الحاد بين الدولتين. ففي يوليو 1971 دعمت بغداد انقلاباً شيوعياً ضد الرئيس السوداني جعفر النميري، بينما وقفت ليبيا على النقيض بعدما لعبت دوراً محورياً في إحباط هذا الانقلاب، من خلال القبض على اثنين من قادته هما الضابط بابكر النور والضابط فاروق عثمان، وتسليمهما إلى النميري الذي أمر بإعدامهما.

في العام التالي وقّع الرئيس المصري أنور السادات مشروع الجمهوريات العربية مع القذافي وحافظ الأسد رئيس سوريا آنذاك، خطوة اعترض عليها البعث العراقي واصفاً هذا المشروع بـ"الاستسلامي" ويهدف للتفريط بمصالح الأمة العربية في فلسطين، حسبما ذكر عباس البخاتي في دراسته "موقف دول المغرب العربي من الحرب العراقية الإيرانية".

سريعاً أتى الرد الليبي؛ فعندما وقّع العراق معاهدة عسكرية مع الاتحاد السوفييتي في أبريل 1972 أمر القذافي باستدعاء سفير ليبيا في بغداد بدعوى أن هذه الخطوة مخالفة لميثاق الجامعة العربية.

بعدها هدأت الأوضاع قليلاً بين البلدين إثر اندلاع حرب أكتوبر والموقف التضامني الكبير الذي تبنّته الدول العربية لدعم مصر وسوريا آنذاك، أهما اتفاق الدول النفطية -منها العراق وليبيا- على قطع إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية داعمة لإسرائيل.

وعقب مضي السادات وحيداً في عقد اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل تأسس ما يُعرف بـ"جبهة الصمود والتصدي" بدعوة من ليبيا وعضوية الدول الرافضة لهذه الاتفاقية وعلى رأسها العراق والجزائر وسوريا.

في ظِل هذه الأجواء الساخنة، كان صدام لاعباً رئيسياً في رسم السياسة الخارجية لبلاده من خلال موضعه كنائبٍ للبكر، وضعٌ ازداد تطوراً عقب استقالة البكر، ليتصدّر صدام المشهد.

حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

 

صدام رئيساً.. صراعات كردستان وتشاد

بحسب شهادة وزير الخارجية الليبي الأسبق عبدالسلام التريكي التي نقلها غسان شربل في كتابه "في خيمة القذافي"، فإن الفراغ الكبير الذي عرفه العالم العربي بغياب جمال عبد الناصر تنازع على وراثته القذافي وصدام.

وأوضح أن "الكراهية المتبادلة" جمعت بين الرجلين في مرحلة مبكرة من حياتيهما، وهو ما تُرجم على الأرض في مواقف كلا البلدين ضد الأخرى.

فور تولي صدام حسين رئاسة العراق خلفاً للبكر أمر بالانسحاب من "جبهة الصمود" التي رعت ليبيا تأسيسها بسبب عضوية سوريا بها، وافتتح حُكمه باتهامها بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحُكم في بغداد، واتخذها ذريعة لإعدام عددٍ من معارضيه.

بعدها، أظهر القذافي وصدام رغبتهما في إثارة القلق للآخر؛ فقدّم القذافي دعماً كبيراً للأكراد، حيث استقبل جلال طالباني ومسعود بارزاني وغيرهما من الشخصيات العراقية المعارضة للنظام البعثي آنذاك، كما تعرّض فرع حزب البعث في ليبيا للتنكيل حتى قُتل عامر الدغيس أحد كوادر البعث الليبي في بداية 1980.

من جانبه، دعم صدام الرئيس التشادي حسين حبري خلال حربه ضد القذافي وزوّده بأسلحة متقدمة مكّنت قواته من الصمود بوجه الجيش الليبي.

هذا الشقاق الحاد بين الرجلين أسفر عن مشاجرة شهيرة بينهما بعدما التقيا وجهاً لوجه خلال قمة عربية عُقدت في الدار البيضاء. في هذه القمة سخر صدام حسين من الاسم الرسمي الطويل الذي اختاره القذافي للجماهيرية الليبية قائلاً "أخ معمر، ماذا سميت ليبيا؟ أعطني العنوان الكامل".

تحوّلت العلاقة بين الزعيمين إلى "الكراهية" على حد وصف عبد الرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي، الذي قال: "هذه الكراهية المتبادلة كانت وراء تسليم إيران صواريخ ليبية استخدمتها في دك المدن العراقية".

 

الحرب العراقية الإيرانية

بسبب موقف ليبيا المعارض من اتفاقية "كامب ديفيد"، تحسّنت علاقة القذافي بالخميني المعارض الأول للشاه صاحب العلاقات الوثيقة بإسرائيل ومن خلفها أميركا.

بعد خروج الخميني من العراق إثر توقيع "اتفاقية الجزائر" بين صدام حسين والشاه، أعرب القذافي عن رغبته في استقبال الخميني ووضع إذاعة تحت إمرته ينشر عبر أثيرها أفكاره حول إيران وبقية الدول. لكن الخميني رفض، حسبما كشف جلود في كتاب شربل غسان.

استمرّت العلاقة الجيدة بين القذافي والخميني رغم انخراط طهران في حربٍ ضروس ضد العراق، وفي أكتوبر 1980 صرّح عدنان خير الله وزير الدفاع العراقي في مؤتمر صحافي أن "ليبيا تقاتل إلى جانب إيران".

زودت ليبيا إيران بصواريخ سكود (أرض– أرض) استعانت بها في قصف بغداد. بسبب هذه الخطوة قرر صدام قطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا، فردَّ عليه القذافي في نفس الشهر بالقول إن دعم طهران "واجب إسلامي" ومحاربتهم تُعد "خدمة للولايات المتحدة الأميركية".

في بداية 1981 أعلنت بغداد أن قواتها أسرت جنوداً ليبيين بعثهم القذافي لتدعيم الإيرانيين في جبهات القتال، وهو ما نفته إيران على لسان رئيسها آنذاك أبو الحسن بني صدر.

وفق شهادة علي السبتي سفير العراق الأسبق في ليبيا، أرسل القذافي خلال احتدام المعارك برقية إلى صدام أخطره فيها بأن هذه الحرب "عبثية وجميع قتلاها في النار" فردَّ صدام "قتلانا في الجنة وقتلاهم وأبوك في النار".

طيلة هذه الفترة اعتادت صحيفة "الثورة" العراقية، وكانت الجريدة الرسمية لحزب البعث العراقي، شنَّ هجماتٍ عنيفة ضد الرئيس الليبي عبر نشر مقالات وصفته بـ"مجنون ليبيا" و"الطاغية الصغير" و"العقيد المجنون".

ازداد الوضع تعقيداً إثر تحسّن موقف إيران ونجاحها في اختراق الأراضي العراقية وعدم الانسحاب منها، الأمر الذي أدى لشعور القذافي بالحرج بسبب رفض طهران مطالبه بالاكتفاء بما حققته من استعادة أراضيها ورغبتها في الاستيلاء على قطاعات من العراق، هنا أعلن القذافي معارضته لاحتلال أي أراضٍ عربية وأعاد علاقته الدبلوماسية مع بغداد.

في 1987 صرّح القذافي بأن تزويد إيران بالصواريخ كان "خطأ كبيراً"، ما أدى لتحسّن  العلاقات بين البلدين، حتى إن صدام حسين وافق على استقبال جاد الله الطلحي وزير الخارجية الليبي وبحث معه كيفية إنهاء الحرب، وهي خطوة لم تستجب لها طهران إلا في منتصف 1988.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

ما بعد 2003

قبيل اشتعال حرب الخليج الثانية تلقى صدام حسين عرضاً من القذافي بالخروج من العراق إلى ليبيا حيث يعيش ضيفاً على القذافي لكن صدام رفض الاستجابة، بحسب شهادة نوري المسماري مدير المراسم الرئاسية الليبية.

بعد إسقاط النظام البعثي في 2003 وما أعقب ذلك من إلقاء القبض على صدام حسين وسجنه، أجرى القذافي اتصالات مكثفة مع فصائل مسلحة عراقية لوضع خطة محكمة لتهريبه حتى لو كلفت مليارات الدولارات، بحسب شهادة الدبلوماسية الليبية دعد شرعب.

بعدها أجرى القذافي اتصالاً بتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني حينها وطالبه بمنع نشر أي صور مهينة لصدام حسين وهو في سجنه.

عقب فشل محاولة تهريب صدام وتقديمه للمحاكمة، ساهم القذافي في تمويل نفقات هيئة المحامين التي دافعت عن صدام، وكانت ابنته عائشة عضواً في هذا الفريق. موقفٌ دفع صدام لكتابة قصيدة مادحة لها ابتدأها بقوله "قد انتخت عائشةُ وارتجف الضرُّ.. وإذ تبسّمت فقد أشرق الفجرُ".

فشلت هذه المحاولة أيضاً في تحرير صدام من السجن بسبب الحكم عليه بالإعدام. وكان يوم تنفيذ هذا الحُكم كان وقعه كارثياً على القذافي، حتى إنه انقطع عن التواصل مع العالم الخارجي شهراً كاملاً، حسبما روت شرعب.

وخلال خطابٍ شهير له في إحدى القمم العربية انتقد القذافي بشدة عملية إعدام صدام حسين قائلاً لباقي رؤساء الدول العربية "ممكن الدور جاي عليكم كلكم".

الدعم الكبير الذي قدمه القذافي لصدام ما بعد 2003 أثار إعجاب رغد ابنة رئيس العراق فوجّهت الشُكر عدة مرات للزعيم الليبي حتى إنها وصفته بـ"البطل الشهيد" خلال تدوينة كتبتها بمناسبة ذكرى ثورة الفاتح.