العراق

العراق: كيف يتم الاستيلاء على أملاك المسيحيين المهاجرين وبيعها؟

24 فبراير 2021

كشف قاضي تحقيق محكمة الكرادة، فراس حميد، عبر صحيفة "القضاء"، أن عصابة مكونة من سبعة أشقاء كانت تستولي على أملاك ‏مهاجرين مسيحيين خارج البلاد، وبيعها بعد ذلك".

وكانت العصابة، التي يعمل جميع أفرادها في مجال شراء العقارات تتبع خطة الاستحواذ على هذه الأملاك عبر ‏ترتيب لقاء مع أصحابها المقيمين خارج البلد، إذ يتم الاتفاق معهم على عملية ‏شرائها، ثم يجري تنظيم عقد مقاولة بيع بينهم مع ذكر عبارة (المبلغ غير ‏واصل) على وعد أن يقوم أفراد العصابة بإرسال الأموال عن طريق حوالات خارجية، حسب القاضي. 

ويتابع "عند عودة العصابة إلى العراق تقوم بالتلاعب بعقد البيع من ‏خلال شطب كلمة (غير واصل) وجعل المبلغ (واصل نقداً) باستخدام أدوات معينة في عملية ‏الشطب والتزوير، ثم تنظيم عملية تحويل العقار".

واعتقلت الأجهزة الأمنية رئيس العصابة إضافة إلى متهم آخر، بعد تلقيها شكاوى وإخباراً سرياً بشأن أعمال هذه ‏العصابة في منطقة الكرادة ببغداد. 

وتفككت العصابة بعد اعتراف زعيمها وإدانته والحكم عليه بالسجن لمدة سبع ‏سنوات (وفق أحكام ‏المادة 295 و298 من قانون العقوبات)، ‏بينما الثاني فحكم بالسجن لمدة ست سنوات.

كما تم منع أي عملية بيع لأملاك المسيحيين في منطقة الكرادة، في حين أصدرت أحكام ‏قضائية غيابية على بقية أفراد العصابة الهاربين وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة".  ‏

 

قتل وترحيل

وترجع قصة الاستحواذ على أملاك المسيحيين إلى بدايات عام 2004، حيث استُهدف المسيحيون قبل المكونات الأخرى في العراق، بالقتل والخطف والتهجير.

ومثال ذلك سلسلة تفجيرات نفذت ضد 70 كنيسة بين عامي 2003 – 2012 في بغداد، واستهدفت الانفجارات أيضا محلات بيع المشروبات الكحولية ومراكز الترفيه والأزياء ومراكز التجميل التي كان يديرها مسيحيون.

وتصاعدت أعمال العنف والتطرف عبر تهديد كل امرأة مسيحية لا تغطي رأسها بحجاب، فضلا عن اغتيالات راح ضحيتها الكثير من أبناء الديانة، وكان يسبقها عادة عملية اختطاف ومساومة مقابل مبلغ من المال مقابل فك سراح المختَطف، إلاّ أن النتيجة كانت باستلام المال أو (الفدية) وقتله.

وظهرت بعد ذلك عصابات تقوم بالضغط على المسيحيين وتهديدهم، ما دفعهم للهجرة خشية تعرضهم للقتل، وبيع أملاكهم وعقاراتهم بأسعار متدنية جدا، وأثناء ذلك تم تزوير وكالات بيع من دون دراية أصحاب تلك الأملاك. 

 

ضعف سلطة القانون

وشمل الاستيلاء على أحياء سكنية (غالبية سكانها مسيحيون)، مثل شارع الصناعة والكرادة وشارع السباع.

في هذا الشأن، أكد عضو مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي عام 2016، أن جهات متنفذة استولت على نحو 70% من بيوت المسيحيين المهاجرين من بغداد.

وكانت أبرز الممتلكات المسيحية المسروقة: محلات (906) و (904) و (902) في شارع الصناعة وسط العاصمة، لما لها من موقع اقتصادي مميز.

يقول الناشط الحقوقي وائل جبار لـ "ارفع صوتك" إن "مشكلة الاستحواذ على أملاك المسيحيين تتعلق كلّها بالفساد واستغلال المنصب وضعف سلطة القانون في البلاد". 

ويؤكد "لو كان القضاء العراقي مستقلاً ويتعامل من دون خوف أو ضغوط سياسية وحزبية متنفذة؛ لما تفاقمت التجاوزات تجاه حقوق أبناء المكون المسيحي وممتلكاتهم".   

ويخشى جبار من أن تكون محاولات إنصاف المسيحيين في هذا التوقيت تحديداً، دعائية، بسبب اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية.

ويرى أن "البلاد التي يستشري فيها الفساد، يتم فيها غالباً استغلال المنظومة القضائية؛ لتحقيق عدالة كانت مسلوبة بفعل الفساد، لإيهام الشعب بفكرة القضاء على الفساد للفوز بالانتخابات".

وكانت وزارة العدل أصدرت عام 2015 توجيهاً لدوائر التسجيل العقاري وهيئات التدقيق اللامركزية بإيقاف العمل بالوكالات في بيع أملاك المسيحيين، وطالبت بمحاسبة المخالف مع بيان الرأي حول التجاوزات التي تم رصدها في هذا الصدد.

وأكد المفتش العام لوزارة العدل، آنذاك، أنه وخلال فترة 2003 – 2007 كانت عمليات الاستيلاء على أملاك المسيحيين تسير "بسهولة من دون أي رادع يذكر، لكنها بدأت بالتناقص تدريجياً حتى عام 2010، ليغدو من الصعب حدوثها إلا بتواطؤ موظفين داخل دائرة التسجيل العقاري".

 

"أشعر بالخوف دائماً"

مع تواصل الأزمات التي يتعرض لها المسيحيون، وجدت تارا يوسف (49 عاماً)، التي تقيم مع والدتها في منطقة زيونة ببغداد، أن ما يجري "يؤكد أنه ما من مكان للمسيحيين في العراق بعد الآن".

وتقول لـ "ارفع صوتك": "وما يجعلني أشعر بالخوف دائماً، هو ضعف دور القانون في حمايتنا". 

وبقيت تارا مع أمها العجوز، رافضة الهجرة مع أبنائها الثلاثة بعد اختطاف والدهم ومقتله عام 2007، من أجل رعاية أمها والعناية بها.

تضيف " لم يكن لديّ خيار آخر سوى البقاء مع أمي. رفضت وبشدة مغادرة منزلنا، وهي تريد بعد موتها أن تُدفَن بجانب أبي".

وتتساءل تارا "ما هي الجريمة التي ارتكبناها كي يتم الاستيلاء على ممتلكاتنا وحقوقنا، في بلد كانت ديانتنا فيه الأوسع انتشاراً في العراق بعد الإسلام؟".

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".