من تظاهرات الناصرية، تصوير علي برزان/ مواقع التواصل
من تظاهرات الناصرية، تصوير علي برزان/ مواقع التواصل

تستمر التظاهرات في مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار جنوب العراق، لليوم الخامس على التوالي، لتسفر عن مزيد من القتلى والجرحى. 

وأشار الناشط العراقي من الناصرية، زايد العصّاد، وهو شاهد عيان أيضاً، لـ"ارفع صوتك" إلى مقتل "سبعة متظاهرين وإصابة أكثر من 120 بجروح" خلال تظاهرات اليوم الجمعة وحده. 

لكنّ مصادر أخرى لم تؤكد هذا العدد من القتلى وقالت إن عددهم هو ثلاثة فقط. وقالت إن عدد الجرحى من القوات الأمنية وصل إلى خمسة أشخاص. ويرد المتظاهرون على الطلق الناري من القوات الأمنية بالحجارة. 

وقال العصاد خلال جلسة بعنوان "أحداث الناصرية الحالية"، الجمعة، في تطبيق "Club House" إنه إلى جانب نشطاء آخرين، يطلبون من المتظاهرين العودة لحمايتهم من القمع المستمر. 

وأضاف "رأيت مشاهد مؤلمة" واصفاً ما يحدث في المدينة بأنه "مجزرة ثالثة" في إشارة لتشابهها مع "مجزرتي جميل الشمرّي والتيار الصدري في ساحة الحبوبي" على حد تعبيره.

وناشد مصرف الدم في الناصرية، ناشد مواطني المحافظة من أجل التبرّع بالدم، وقال معاون مدير المصرف راجح السعدي في بيان له "نناشد إخوتنا في محافظة ذي قار للتبرع بالدم لجرحى المظاهرات لحاجة مصرف الدم ومن جميع الفصائل".

من قتل المتظاهرين؟

حمّل كل من العصّاد وشاهد عيان آخر كان متواجداً في المستشفى، هو الناشط أحمد حميد، مسؤولية القمع وقتل المتظاهرين للأجهزة الأمنية الحكومية، تحديداً قوات "سوات" و"مكافحة الشغب".

وقال حميد في نفس الجلسة الحوارية على "Club House"، التي كانت متاحة بشكل عام كمصدر معلوماتي للصحافيين، إن الطاقة الاستيعابية في قسم الطوارئ بمستشفى الحبوبي في الناصرية وصلت حدّها، ليتم تحويل أي جريح جديد لمستشفى الأمل في نفس المدينة. 

 

أسباب التظاهر؟

في هذا المجال، يؤكد الناشط العراقي زايد العصّاد، إن الأمر بدأ من الأحزاب ثم خرج عن سيطرتها.

وأوضح خلال الجلسة الحوارية: "أقالت محافظة الناصرية حتى الآن خمس محافظين،  وكل إقالة تتم، يتبعها تعيين محافظ بمقاييس الأحزاب السياسية، تحديداً (سائرون) و(الفتح)".

وكان المحافظ الحالي لذي قار، ناظم الوائلي، بقي في منصبه للآن "بدعم واضح وصريح من كتلة سائرون" حسب العصّاد.

أما شرارة الأحداث المستمرة منذ أيام في قلب المحافظة، كان سببها الأساسي "تنازع حزبي للحصول على منصب  المحافظ الجديد، بدلاً من الوائلي في حال إقالته نتيجة التظاهرات" حسب العصّاد.

وأكد بقوله "في اليوم الأول من التظاهرات تم استغفال بعض الشباب الذين شاركوا في تظاهرات تشرين سابقاً، وآخرين من مرتزقة الأحزاب، ودفع مبالغ مالية لهم، من أجل حرق مبنى المحافظة".

"لكن مع سقوط أول شهيد وأول جريح، خرج المزيد من الشباب، وتحولت لتشرين جديدة، بمطالب احتجاجات تشرين الحقيقية. إذن بدأت بدفع مال سياسي ثم خرجت عن سيطرة الأحزاب" يتابع العصّاد خلال الجلسة.

والآن، فإن "المتظاهرين مصرّين على البقاء حتى إقالة المحافظ بشكل رسمي وتعيين محافظ جديد وفق مطالبهم".

وفي نفس الجلسة، عارض العديد من النشطاء العراقيين طرح العصّاد، وتعليلهم أنها مبنية على تصريحات بعض النواب العراقيين غير الموثوقين، وما هي إلا محاولات "لتشويه" التظاهرات و"تبرير" عمليات القمع بحقهم.

 

"مليار ونصف المليار دولار"

أما السبب الأساسي لرغبة "سائرون" و"الفتح" النيابيتين لإقالة الوائلي، هو "تقاسم الأموال بينهما، بعد الإعلان عن صرف مليار ونصف المليار دولار للمحافظة، من أجل مشاريع تنموية" حسبما يقول العصّاد.

ويذكر أن "سائرون" هو تحالف سياسي تشكل عام 2018، من حزبي "الاستقامة" التابع للتيار الصدري والحزب الشيوعي وخمسة أحزاب أخرى، بينما "الفتح" الذي تشكل أيضاً عام 2018، فيضم عدداً من الأحزاب الإسلامية وما تُدعى فصائل "المقاومة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".