بعد تحرير مدينة الموصل من سيطرة داعش عام 2017، بدأت نهاد ثابت (39 عاماً) في إجراءات الطلاق من زوجها.
تقول لـ "ارفع صوتك": "انتماء زوجي لعصابات داعش كان مخيفاً، لذلك لم أتمكن من الانفصال عنه آنذاك. كان لا يهتم بي ويتركني مع أطفالي الثلاثة لأيام من دون طعام أو مال، وكلما أبديت استيائي من أفعاله أو تصرفاته يضربي بشدة".
كما كانت نهاد تشعر بالخوف من زوجها، وخاصة على حياة شقيقها (13 عاماً) الذي كان يعيش مع أمها لوحدهما في الموصل، لذا قررت ألا تقاومه أبداً، وفق تعبيرها.
"طالما سألني عن مدى التزام شقيقي بالصلاة وغير ذلك من الفروض الواجب تطبيقها في الشريعة الإسلامية" تضيف نهاد.
وتتذكر كيف تسبب زوجها مرة بكسر ذراعها اليسرى لأنها لم تتجنب غضبه. تقول "عندما شعر بمدى قسوته عليّ اعتذر مني، لكنه كرر تعنيفي بعدها".
وبعد تحرير الموصل واختفاء زوج نهاد، نصحتها أمها بتقديم طلب للطلاق منه، وفقا لأحكام "قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المرقم 1529 في 31/12/1985" بسبب هروبه إلى جانب العدو المتمثل بتنظيم داعش الإرهابي.
حالات الطلاق
كانت محكمة الأحوال الشخصية في الموصل لاحظت إقدام المئات وربما الآلاف من الزوجات على تقديم طلبات التفريق بسبب انتماء أزواجهن إلى داعش بعد عام 2017.
وكشفت إحصائية رسمية في محاكم الأحوال الشخصية في الموصل عن 815 حالة طلاق خلال 2017 و983 حالة كانت خارج المحكمة لذات العام.
أما الإحصائية التي كشف عنها مجلس القضاء الأعلى العراقي بعدد حالات الطلاق في نينوى لعام 2018 فقد كانت 4 ألاف 740 حالة.
وأكد مجلس القضاء أكد مؤخراً ببلوغ حالات الطلاق في العراق عموماً مستويات عالية وغير مسبوقة، فهناك أكثر من 274 طلاقاً في اليوم الواحد، أي ما يعادل 11 طلاقاً كلّ ساعة، وسجلت المحاكم خلال أكتوبر 2020 ، 8245 طلاقاً، ما يعني أنّ العدد ازداد 3181 طلاقاً، بالمقارنة مع الشهر نفسه عام 2019، حين سجل 5064 طلاقاً.
في المقابل، بلغ عدد عقود الزواج في أكتوبر 2020، نحو 38 ألف عقد، فيما بلغ في الشهر نفسه عام 2019 نحو 25 ألفاً.
زواج القاصرات
لا تستغرب المحامية ابتسام عامر من ارتفاع معدلات الطلاق في الموصل، لأن هذه المعدلات في تزايد مستمر بسبب "الفقر والبطالة والطائفية وغير ذلك من ضغوط هائلة" حسب رأيها.
وتقول لـ"ارفع صوتك" إن الإحصائيات المشار لها سابقاً "غير دقيقة لأنها لا تمثل في الغالب إلاّ حالات الطلاق التي تحدث في المحاكم الموصلية أو تلك التي يتم تصديقها داخلها".
وتوضح عامر أن "الكثير من العوائل فضلت ألا تتحدث عن زواج بناتهن القاصرات من عناصر داعش إبان سيطرته، وقامت بتطليقهن بعد تحرير الموصل. وكل هذا يحدث بسرية تامة خارج المحكمة ومن دون تسجيل أو أوراق رسمية".
ويعد زواج القاصرات، أحد أهم الأسباب المؤدية إلى ارتفاع معدلات الطلاق، إلى جانب الوضع الاقتصادي المتردي، وهو ما تشير إليه سجلات المحاكم العراقية، التي وثقت آلاف حالات الطلاق لأزواج تتراوح أعمارهم ما بين 15 و18 عاماً.
وكان مسؤول إعلام وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أكد أن الوزارة لا تملك فعليا أية احصائية لزواج القاصرات ولا لنسب لطلاقهن من مجموع المطلقات.
تقول المحامية "هناك أسباب أخرى للطلاق تتعلق بالأوضاع المعيشية والتهجير أو النزوح وكذلك بتفاقم المشكلات الأسرية".
أما بالنسبة لطلبات التفريق بسبب انتماء الأزواج إلى تنظيم داعش، فإنها "الوسيلة الوحيدة للكثير من النساء من أجل التخلص من وصمة داعش التي ستلحق بأطفالهن طيلة العمر" حسب عامر.
محاكم الأحوال الشخصية
في نفس السياق، يقول المستشار القانوني حازم عبد الله، إن "الكثير من حالات الطلاق الآن في مدينة الموصل وغيرها تحدث خارج المحاكم هرباً من محاولات الصلح التي يقوم بها القضاة في محاكم الأحوال الشخصية".
وعلى الرغم من أن " المادة 39 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل، تنص على وجوب إقامة الدعوى في المحكمة الشرعية، لمن يريد الطلاق والحصول على حكم"، فإن نحو 70% من حالات الطلاق تتم خارج المحاكم.
ويلجأ الكثير من الأزواج إلى المكاتب الشرعية لتوقيع الطلاق تفاديا لمحاولات الصلح التي يقوم بها القضاة في محاكم الأحوال الشخصية، حسب مرصد الحريات للدفاع عن المرأة المعنفة.
ويقول عبد الله لـ"ارفع صوتك" إن "عواقب هذا النوع من الطلاق، عادة ما تكون وخيمة، خاصة عندما يكون الزوج الداعشي غير متوف، إذ يعمد إلى مساومة الزوجة وأهلها والتهديد بسمعتها، كما قد يلجأ إلى تعريض حياتها وأهلها للخطر".
أما حالات الطلاق التي تحدث في محاكم الأحوال الشخصية فأسبابها الأولى هي "لإثبات عدم علاقة الزوجة وأطفالها بتنظيم داعش رسمياً، كما يقول عبد الله.
