العراق

حطام وآثار رصاص.. أطلال كنائس الموصل تستقبل بابا الفاتيكان

28 فبراير 2021

في الموصل، المجاورة لمدينة نينوى التوراتية، تحتل أربع كنائس تمثل طوائف مختلفة ساحة صغيرة محاطة بمنازل منخفضة الارتفاع، مما يدل على الدور الذي لعبه المجتمع المسيحي المزدهر في العراق.

واليوم، تضررت الكنائس الأربع أو دمرت بعد أن احتل مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية المدينة من 2014-2017، ودنسوا العديد من المباني واستخدموها لإدارة إدارتها، بما في ذلك سجن ومحكمة.

أما الضربات الجوية في الوقت الذي حاولت فيه القوات العراقية طرد الجماعة المتطرفة في قتال عنيف فقد فعلت الباقي. تلك الجدران التي لا تزال قائمة مشوهة بثقوب الرصاص والشظايا.

وقال رئيس أساقفة مدينة الموصل ونجيب ميخائيل من "ساحة الكنيسة"، وهو الاسم الذي أطلق على الموقع الذي سيزوره البابا فرانسيس في 7 مارس خلال رحلته التاريخية إلى العراق: "كانت تشبه إلى حد ما القدس في سهل نينوى". 

تذكر ميخائيل باعتزاز كيف كان المسيحيون العراقيون من مختلف الطوائف، قبل عام 2003، يحضرون قداس بعضهم البعض في الأعياد الدينية.

لقد مضت تلك الأيام. تقدم اليوم إحدى الكنائس الباقية في الموصل خدمة أسبوعية يوم الأحد، للسكان المسيحيين والتي تقلصت إلى بضع عشرات من العائلات من حوالي 50000 شخص.

كان عدد المسيحيين في العراق، الذين اضطهدهم تنظيم القاعدة ثم تنظيم داعش، حوالي 300 ألف مسيحي، أي خمس العدد الإجمالي قبل عام 2003.

يعود البعض بعد هزيمة داعش، لكن آخرين لا يزالون يرون احتمالا ضئيلا للبقاء في العراق ويتطلعون إلى الاستقرار في الخارج.

الألغام والذكريات

توجد كنيسة سريانية كاثوليكية وسريان أرثوذكس وأرمن أرثوذكس وكلدان كاثوليكيين في وسط الساحة المغبرة وحولها. أصبحت المنطقة الآن في حالة خراب، كما هو الحال مع أجزاء أخرى من المدينة.

ومن المقرر أن يقيم البابا صلاة لضحايا الحرب في حوش البياع، المعروفة باسم ساحة الكنيسة، كجزء من رحلة تستغرق أربعة أيام تبدأ في 5 مارس، وهي زيارة وصفها رئيس الأساقفة ميخائيل بأنها رمزية للغاية ورسالة أمل. وقال: "حيثما سقطت الحجارة بسبب العنف، ستكون هناك حياة".

كان العمال منشغلين في تنظيف الموقع قبل وصول البابا فرانسيس، بتمويل من الإمارات، يتم ترميم كنيسة السريان الكاثوليك من قبل اليونسكو بالتعاون مع شركاء محليين وبدأت في عام 2020.

وأشار مساعد منسق موقع اليونسكو في العراق أنس زياد، وهو يحمل صور الكنيسة قبل تدميرها إلى نقوش سريانية دقيقة على قطع من حجر المرمر الرمادي المشار إليها محلياً بـ "رخام الموصل".

وقال زياد إن الكنيسة التي دمرها تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تمزق سقفها بفعل الضربات الجوية، وتم استخدام الكنيسة كمحكمة من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية المجاورة، والتي تتميز بقبتها، مغلقة أمام الجمهور.

وأوضح زياد أنه "لم يتم إزالة الألغام منه بعد"، مشيرًا إلى الباب المغلق المؤدي إلى الكنيسة التي سيطر عليها تنظيم داعش، وحولها كسجن.

وقال رئيس الأساقفة ميخائيل: "استخدم تنظيم داعش جميع الكنائس في الموصل تقريبًا".

وقال علي سالم، من مجلس الدولة العراقي للآثار والتراث، وهو يقف بجانب قطعة تالفة من المرمر المنحوت تمثل السيدة العذراء، إن فريقه كان يراجع العديد من هذه القطع الأثرية لتحديد أيها يمكن إصلاحه واستخدامه مرة أخرى.

وقال زياد: "كمسلم أنا فخور بالمساعدة في إعادة بناء هذه الكنائس"، مضيفًا أنه يأمل "أن نرى المسيحيين يعودون إلى هذه الأماكن، حتى نعيش معًا مرة أخرى كما فعلنا منذ قرون".

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".