العراق

من داخل قاعدة عين الأسد.. شهادات حول هجوم كاد يشعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران

01 مارس 2021

"مرحبا يا صديقي. إذا كنت تشاهد هذا الفيديو، فقد حدثت بعض الأشياء السيئة لوالدك الليلة الماضية، لذلك أريدك أن تكون قويا، من أجل والدتك. اعلم دائما أنني أحبك. وداعا يا صديقي".

قبل تسجيل الرائد في الجيش الأميركي، آلان جونسون، هذه الرسالة لابنه، كان ضابط مخابرات أخبره أن لديهم معلومات بأن إيران تعد 27 صاروخا باليستيا متوسط المدى وأن هدفهم هو تسوية قاعدة عين الأسد الجوية المترامية الأطراف على بعد حوالي 120 ميلاً غرب بغداد، "وقد لا ننجو"، بحسب مقابلات أجراها برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي أس نيوز". 

كان هذا الهجوم بمثابة أول دلالة للرد على مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بطائرة بدون طيار قبل ست ليال، وبالتحديد في 3 يناير 2020، والذي بدأ بتحريك الصواريخ الباليستية حيث كانت القوات الأميركية تراقب ذلك عن كثب.

وسارعت اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، ستاتشي كولمان، ورفاقها بإخلاء أكثر من 50 طائرة و 1000 جندي قبل سقوط الصواريخ. لكن القاعدة كانت لا تزال بحاجة إلى أن تكون مأهولة، "ما زلنا بحاجة إلى أن نكون قادرين على القيام بمهمتنا. لذلك كان القرار الأول هو تقسيم فريقنا على أساس القدرة القتالية". 

وأرسل اللفتنانت كولونيل، تيم غارلاند، الذي كان يقود كتيبة من الجيش في قاعدة عين الأسد، معظم جنوده إلى الصحراء، ليشاهدوا الهجوم، إذا حدث، من مسافة آمنة.

ويقول: "كان هناك الكثير من الأشخاص الذين لم يرغبوا في المغادرة. كانوا يريدون تحمل العبء، والمشاركة في الخطر".

ومن مقره في ولاية فلوريدا، حاول قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال فرانك ماكينزي، توقيت الإخلاء بشكل صحيح.

ويوضح "إذا ذهبت مبكرا، فإنك تخاطر بمشكلة أن العدو سيرى ما قمت به ويعدل خططه".

راقب الإيرانيون قاعدة عين الأسد من خلال شراء صور مثل تلك التي التقطتها الأقمار الصناعية التجارية. انتظر ماكنزي حتى بعد أن قامت إيران بتنزيل صورتها الأخيرة لهذا اليوم، حيث رأوا طائرات على الأرض وأشخاصا يعملون، ولم يروا عمليات الإخلاء.

صورة جوية تظهر الأضرار التي شهدتها قاعدة عين الأسد الجوية جراء الهجمات الإيرانية

وقال ماكنزي: "أعتقد أنهم توقعوا تدمير عدد من الطائرات، وقتل عدد من أفراد الخدمة الأميركية".

وبعد ساعات قليلة من تسجيل جونسون، انهمرت صواريخ باليستية إيرانية، بالفعل على قاعدة عين الأسد الجوية في العراق حيث كان يتمركز ألفا جندي أميركي.  

وبينما كانت الصواريخ الباليستية التي كانت تحمل رؤوسا حربية ويزن كل واحد منها ألف باوند، لم يكن بإمكان الأميركيين الذين وقعوا في مرمى النيران أن يفعلوا شيئا سوى الركض أو البحث عن غطاء للحماية.

كان جونسون يختبئ في ملجأ صمم لحماية القوات من الرؤوس الحربية الأصغر التي تزن 60 باوندا فقط، فضلا عن أن قاعدة عين الأسد لم يكن لديها أي نظام لصد الصواريخ الباليستية. 

أدت الانفجارات إلى اندلاع النيران التي كانت تصل إلى المخابئ، بحسب جونسون الذي أكد أن المخبأ لم يوفر أي حماية من ذلك. 

وكانت الساعة تشير إلى الواحدة و34 دقيقة صباحا، عندما سقط أول صاروخ. 

ومع قدوم صاروخ ثان بدأ جونسون ورفاقه يجرون من جديد بحثا عن مخبأ، واصفا صوت الصاروخ كأنه "مثل قطار شحن يمر إلى جانبك". 

يصف جونسون هذه اللحظات "كنا ستة أشخاص نركض تجاه المخبأ التالي في محاولة للنجاة بحياتنا.. وما أن وصلنا إليه، أدركنا أن هناك حوالي 40 شخصا يحاولون حشر أنفسهم في هذا المخبأ الذي صمم لحوالي عشرة أشخاص فقط. كنا ندفع بعضنا بعضا من أجل أن يسعنا القبو". 

وقالت كولمان "كانت أفضل المخابئ هي ملاجئ الغارات الجوية التي بنيت في عهد صدام حسين، لكن لم يكن هناك ما يكفي منها". 

أطلقت إيران ما مجموعه 16 صاروخا تلك الليلة، من ثلاثة مواقع، سقط 11 منها في قاعدة عين الأسد، فيما أخطأت خمسة صواريخ أهدافها.

وكان الرقيب جون هينز، قائد القوات الجوية، وفريقه الأمني خارج عربتهم المصفحة عندما سقطت الصواريخ الأولى، واصفا الأمر بأنه كان "مثل شروق الشمس فورا". 

ويقول: "رميت الهاتف، وركضت نحو سيارتي. وبمجرد حدوث هذا التأثير، أدى الضغط الخلفي المتولد عن انفجار أحد الصواريخ إلى إغلاق أبوابنا، ثم رأيت سحابة من التراب، ثم النار". 

من جانبه، كان ماكينزي، يتابع الهجوم من غرفة صغيرة في مقره في فلوريدا، حيث يمكنه التواصل مباشرة مع الشخصين الوحيدين الذين هم أعلى منه في سلسلة القيادة، "أحضروا وزير الدفاع، وبعد ذلك بقليل أحضروا الرئيس إلى هذه المحادثة". 

استمرت الصواريخ لـ 80 دقيقة، لم يقتل فيها أحد. 

وعندما أشرقت الشمس، قام الناجون بمسح الأضرار.

أصيب كيلتز بارتجاج في المخ لمدة أسبوعين، ويقول واصفا وضعه حينها: "كأن شخص ما ضربني على رأسي بمطرقة مرارا وتكرارا". 

أما جونسون  يعاني حتى اليوم من صداع بسبب "طنين رهيب في الأذنين". 

وشخص الأطباء العسكريون أكثر من 100 إصابة في الدماغ. 

وقال هينز: "بدا وكأنه مشهد من فيلم حيث يتم تدمير كل شيء من حولك، ولكن لم يقتل أحد.

فيما قالت كولمان: "ما زلت لا أدري كيف نجونا، لكن يد الله كانت معنا وهي التي حمتنا وهي التي أدت إلى عدم حدوث وفيات، ولا حتى إصابات خطيرة". 

ويصف ماكينزي الليلة بأنه "كان هجوما بالتأكيد لا يشبه أي شيء رأيته أو خبرته من قبل، واعتقدت أن تكلفة ذلك ستكون مرتفعة للغاية". 

يشير ماكنزي إلى أن هذا الهجوم جعلهم يعلمون أن صواريخ إيران دقيقة إلى حد كبير، خاصة وأنهم أطلقوها على مدى كبير". 

وتقول كولمان ردا على اعتقادها حول الأشخاص الذين تقرر إبقاؤهم في القاعدة "الحقيقة الصادقة هي أنني لم أكن أعتقد أننا سنبقى على قيد الحياة". 

وفي حالة عدم إخلاء القاعدة من الطائرات وكثير من الجنود الأميركيين، قبل الهجوم الإيراني، قال ماكنزي "أعتقد أننا ربما كنا فقدنا 20 أو 30 طائرة وربما فقدنا ما بين 100 إلى 150 فردا أميركيا"، مشيرا إلى أن عدم مقتل أي أميركي أدى إلى تفادي نشوب حرب مع إيران. 

كانت إيران في حالة تأهب لضربة أمريكية محتملة وبعد ساعات أسقطت بالخطأ طائرة ركاب أوكرانية، معتقدة أنها قاذفة أميركية. مات 176 شخصًا بريئا تماما، ما جعلها تدفع حتى الآن ثمن هذا الخطأ الكبير. 

الحرة / ترجمات - واشنطن

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
أرشيفية تُظهر أجزاء من مبنى القشلة في العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

خضع العراق للسيطرة العثمانية في عهد السُلطان سليمان القانوني منذ عام 1534، ومن وقتها تتالَى على حُكم بلاد الرافدين ولاة عثمانيون طيلةأربعة قرون تقريباً حتى انتهت السيطرة العثمانية على العراق في 1917.

خلال فترة حُكمهم الطويلة للعراق، خلّف الولاة العثمانيون ثروة عمرانية ضخمة بعدما أنشأوا المساجد والأسبلة والمدارس الدينية والمقار الحكومية، بعضها لا يزال قائماً في شوارع بغداد حتى اليوم.

فما هي أبرز المعالم والمباني التاريخية والأثرية التي شيدها العثمانيون في العاصمة العراقية بغداد؟

 

القشلة

القشلة لفظة تركية مشتقة من "قاشلاغ" بمعنى "المشتى" وصارت تُعبّر لاحقا عن "ثكنة الجُند"، أي المكان الذي يُعسكر فيه الجنود ولا يخرجون منه للحرب في فصل الشتاء.

ذكر سعدي إبراهيم الدراجي في بحثه "قشلة بغداد: تاريخها وتخطيطها وعمارتها": "منذ أن خضعت بغداد لسيطرة العثمانيين اتخذوا لأنفسهم من قلعة إيج قلعة سي مقراً للحُكم، بجانبها أنشئت السراي وهي عدة أبنية أقامها الوالي بكتاش خان خلال عهد السيطرة الصفوية على بغداد".

وبعد سقوط دولة المماليك في العراق أضيفت إلى هذه المباني مجموعة أبنية أخرى ذات طابع عسكري وهي القشلة، التي باتت جزءاً من مجمّع حكومي كبير يحكم البلاد، يقع اليوم قُرب شارع المتنبي وسط بغداد، وفق الدراجي.

ابتدأ إنشاء "القشلة" خلال الفترة الأولى لولاية محمد نامق باشا بين عامي 1851 و1852، فبنَى طابقاً واحداً ليأوي آلاف الجنود على شكل حرف (L) باللغة الإنجليزية، وبعدها أكمل البناء والٍ آخر هو مدحت باشا الذي بنى طابقها العلوي معتمداً على حجارة سور بغداد الشرقي بعدما أمر بهدمه، كما أضاف ساعة كبيرة موضوعة فوق برجٍ عالٍ وضعها وسط الساحة لتنبيه الجنود لمرور الوقت.

بحسب كتاب "صور بغدادية" لكمال لطيف سالم، فإن هذه الساعة لعبت دوراً كبيراً في حياة البغداديين قديماً، إذ كانت أنوارها تُرى من على بُعد وكان صوتها مسموعاً في جميع أنحاء بغداد، كذلك ارتبطت بعادة ترسّخت عند كبار السن خلال استعمال ساعاتهم من فئة "أم الطمغة" التي كانت تُوضع في جيب الصديري، فكانوا يضبطونها وفقاً لتوقيت "ساعة القشلة".

بسبب الأهمية التاريخية للمبنى جرى تخصيصه لمهامٍ حكومية عد مرات؛ فكان مقراً لأول متحف وطني في العراق، كما شغلته وزارات العدل ومديرية المعارف ووزارة المالية في أزمنة مختلفة، وشهد كذلك مراسم تتويج فيصل الأول ملكاً على العراق عام 1921.

لا يزال مبنى القشلة صامداً حتى الآن لكنه تداعى نتيجة أسباب عدة، منها تفجيرات وقعت بالقرب منه سنة 2007 أضرّت بأسقفه وشبابيكه، وفي 2012 أجريت له عمليات صيانة شاملة أعادته إلى سابق عهده.

واليوم تستهدف مبادرة عراقية تدعى "نبض بغداد" إجراء عمليات ترميم واسعة للمبنى.

المدرسة الرشيدية

كتب الدكتور محمد الزبيدي في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام"، أن هذه المدرسة أُنشئت عام 1879 خلال عهد الوالي عبد الرحمن باشا بهدف انتقاء أفضل العناصر من الشباب وتأهيلهم قبل إلحاقهم بالكلية العسكرية في إسطنبول.

أقيمت المدرسة الرشيدية على مساحة 6 آلاف متر تقريباً، وتتكوّن من طابقين يتوسطهما باحة كبيرة تحوي 25 غرفة مختلفة المساحة.

بحسب الزبيدي فإن الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة كانوا يخضعون لبرنامج دراسي مدته 4 سنوات يتعلمون حلالها العلوم العسكرية بالإضافة إلى دروس في اللغة العربية والفارسية وعلوم الدين.

وفقاً لكتاب "الفكر السياسي في العراق: خلال فترة ما بين الحربين"، حققت المدرسة نجاحاً كبيراً وحظيت بإقبال واسع من العراقيين، ونتيجة لذلك افتُتح فرع آخر لها في كركوك عام 1870. 

تخرّج من هذه المدرسة عددٌ كبير من الضباط الذين خدموا الجيش العثماني لبعض الوقت ثم كانوا النواة التي أسست الجيش العراقي بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921، منهم نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي ومحمد أمين العمري وغيرهم.

توقف العمل بهذه المدرسة بعد خضوع العراق للحُكم الإنجليزي، من حينها استُخدم المبنى لأغراضٍ عدة، فتحوّل إلى مشفى ثم مقرٍ للمحاكم المدنية ثم معهد ديني.

في 2011 تحوّل مبنى المدرسة إلى مركز ثقافي يحمل اسم "المركز الثقافي البغدادي" ولا يزال قائماً حتى اليوم.

مسجد المرادية

يُعتبر واحداً من أهم المساجد العثمانية في بغداد، فلقد شُيِّد سنة 1570 في عهدي مراد باشا والي بغداد والسُلطان العثماني سليم الثاني.

بمرور الزمن تعرّض المسجد للتخريب، وجرى ترميمه مرتين في عام 1901 و1903 دون إحداث تغيير في طبيعة عمارته أو زخارفه الأصلية. تبلغ مساحته الحالية قرابة ألفيْ متر ويتسع لأكثر من 500 مُصلٍّ.

يقع المسجد في منطقة باب المعظم، وأقيم على النمط العثماني الذي يمثّل مسجد "آيا صوفيا" نموذجه الأمثل، تعلوه قبة كبيرة مزينة بالزخارف وحولها 6 قباب صغيرة ذات رقاب قصيرة، إلى جوارهم انتصبت مأذنة مزينة بزخارف نباتية على ألواح القاشاني، كما وصف باحثون عراقيون في كتابهم "العمارات العربية الإسلامية في العراق".

بحسب كتاب "موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين" لعباس العزاوي، فإن الوالي بعدما انتهى من بناء هذا المسجد أقام حفلا حضره الشاعر فضلي بن فضولي وألّف عن هذا الحدث عدة أبيات بالتركية احتفاءً به.

شيدت داخل الجامع مدرسة لتدريس العلوم العقلية والنقلية تصدّر للعمل بها عددٌ من كبار فقهاء العراق مثل الشيخ قاسم القيسي مفتي بغداد الراحل وآخرين إلى أن ألغيت الدراسة النظامية بالمسجد.

وفق شهادة العقيد الركن محمد مجيد الذي شارك في "ثورة 1963" ضد عبد الكريم قاسم، فإنه خلال محاولة السيطرة على وزارة الدفاع احتلت قواته سطح ذلك المسجد القريب من مبنى الوزارة، واستخدمته في إسكات بعض جيوب "المقاومة" ضد التمرد العسكري الذي نجح بالنهاية في الإجهاز على حُكم قاسم وتنصيب عبد السلام عارف بدلاً منه.

قصر كاظم باشا الدماد

كاظم باشا هو أحد قيادات الفيالق العثمانية في بغداد الذي وفد إليها وأنشأ بها بيتاً فخماً مزوداً ببستان عامر.

ذكر حيدر جمال في كتابه "بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينيات"، أن الداماد مفردة تركية بمعنى الصهر، وأن كاظم باشا كان صهراً للسُلطان العثماني الذي غضب عليه بعد وشاية ضده فنفاه إلى العراق.

يقع القصر داخل محلة الكريمات في الكرخ، يقول عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" إن ذلك القصر صُنِّف لفترة طويلة كـ"أكبر وأضخم قصر في بغداد". لهذا فإنه كان محل إقامة عددٍ من ولاة العراق الذين وفدوا إليه وسكنوه في أيام إقامتهم الأولى ببلاد الرافدين، مثلما جرى حين تعيين الحاج حسن رفيق باشا والياً على العراق عام 1872.

انتقلت ملكية القصر إلى ورثته ومنهم إلى أحد الأثرياء الفرنسيين، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، اشترت الحكومة البريطانية القصر من صاحبه الفرنسي وحولته إلى دارٍ للمندوب البريطاني ثم إلى سفارة بريطانية، بحسب كتاب "الأصول التاريخية لمحلات بغداد" للدكتور عماد عبد السلام.

استقرار السفير البريطاني داخل القصر الواقع في الكريمات دفع البغداديين للتندّر عليه وتسميته "مختار الكريمات" بسبب نفوذه المُتعاظم في إدارة شؤون العراق حينها، حسبما ذكر أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها".

هذا اللقب الذي استخدمه الشاعر الشعبي عبود الكرخي في انتقاده للأشخاص الذين ينافقون السفير البريطاني، حين قال "من مختار الكريمات هالمندوب بالشدات.. والمذخور للعازات صك هذا الولد جايب".